ليبيا

ستة عقود من المشاركة بلا ميدالية.. اللجنة الأولمبية الليبية تحتفل بالتأسيس والفشل يطاردها

لوس أنجلوس 2028 أمل مستحيل في غياب مشروع البطل.. ليبيا تبحث عن أول ميدالية أولمبية في تاريخها


ستة عقود ونيف عجاف.. لماذا تعجز ليبيا عن اعتلاء منصة التتويج الأولمبية؟

الاحتفال الصامت بذكرى التأسيس يخفي وراءه سؤالاً وجودياً يطارد الرياضة الليبية منذ أكثر من نصف قرن

طرابلس – خاص

قبل أيام قليلة، مرت الذكرى الرابعة والستون لتأسيس اللجنة الأولمبية الليبية، ذلك الكيان الذي ولد في السادس والعشرين من أبريل عام 1962، حاملاً معه وعوداً كبيرة لبلاد كانت تتطلع إلى حجز مقعدها في المشهد الرياضي العالمي. لكن الاحتفال هذه المرة، شأنه شأن كل مرة، كان أشبه بمراسم عزاء هادئة لا صوت فيها ولا ضجيج، فالإنجازات التي يفترض أن تزين جدران المقر الرئيسي في طرابلس غائبة تماماً، والحديث عن المشاركة الليبية في الألعاب الأولمبية يقودنا إلى نفق مظلم لم ير النجاح قط.

طوكيو 1964.. البداية الخجولة وحلم لم يكتمل

عندما رفع الإداري عمر العقوري العلم الليبي للمرة الأولى في حفل افتتاح دورة طوكيو عام 1964، كانت الأنظار مشدودة إلى وفد صغير اختير بعناية، ضم إلى جانبه كلاً من نجم الدين كعبار وسليمان حسن الفقيه وصالح دراويل. كانت تلك اللحظة تاريخية بكل المقاييس، ليس فقط لأنها مثلت ميلاد الحضور الليبي في المحفل الأولمبي، بل لأنها حملت في طياتها أملاً بأن تكون مجرد خطوة أولى على درب طويل من التمثيل المشرف.

لكن ما حدث بعد ذلك يصلح لأن يكون مادة للدراسة في كيفية إضاعة الفرص. فخلال واحد وستين عاماً من المشاركة في الدورات الأولمبية، من طوكيو 1964 وصولاً إلى باريس 2024، لم تتمكن ليبيا من تحقيق أي ميدالية ملونة. الرقم صادم بكل المقاييس: اثنتا عشرة دورة أولمبية شاركت فيها البلاد، مقابل ثلاث دورات غابت عنها بقرار سياسي بحت، هي ميونخ 1972 ومونتريال 1976 ولوس أنجلوس 1984. والحصيلة النهائية صفر من الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية.

87 رياضياً فقط.. عندما يصبح الحضور غاية في حد ذاته

تكشف الأرقام الرسمية عن واقع مرير. فخلال كل تلك العقود، لم يتجاوز إجمالي عدد الرياضيين الليبيين الذين شاركوا في الأولمبياد سبعة وثمانين لاعباً ولاعبة. ويظل أولمبياد موسكو 1980 استثناء وحيداً في سجل المشاركات الليبية، حين ضم الوفد تسعة وعشرين رياضياً، بينهم الشقيقتان السباحتان نادية وسعاد الفزاني، أول امرأتين ليببتين تخوضان غمار المنافسة الأولمبية.

لكن الاستثناء لم يتحول إلى قاعدة، وظلت المشاركة الليبية أسيرة للألعاب الفردية: ألعاب القوى والدراجات الهوائية والسباحة ورفع الأثقال وكرة الطاولة والرياضات القتالية كالجودو والتايكواندو. أما المشاركة الوحيدة في الألعاب الجماعية فكانت من نصيب منتخب كرة الطائرة للرجال في موسكو 1980، الذي خرج من البطولة دون أن يترك بصمة تذكر. ومنذ ذلك الحين، لم تتمكن ليبيا من إرسال أي فريق جماعي إلى الأولمبياد، في مؤشر واضح على الفجوة الشاسعة بين الواقع المحلي والمستوى التنافسي العالمي.

غياب المشروع الوطني.. هل الدولة تخلت عن البطل الأولمبي؟

يرى مراقبون ومحللون رياضيون أن جوهر المشكلة لا يكمن في الرياضيين أنفسهم، بل في غياب مشروع وطني متكامل لدعم البطل الأولمبي. فالدولة، وفقاً لهؤلاء، لم تضع في أي وقت من الأوقات استراتيجية واضحة المعالم لتطوير الرياضة التنافسية، ولم تستثمر في القاعدة الرياضية بالشكل الكافي، ولم توفر البنى التحتية اللازمة لإعداد أبطال قادرين على منافسة نخبة الرياضيين في العالم.

الحديث عن مراكز التدريب المتخصصة، والأكاديميات الرياضية، وبرامج اكتشاف المواهب، ومعسكرات الإعداد الخارجية، والتعاقد مع خبراء دوليين، يبدو أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى الواقع في المشهد الرياضي الليبي. وبدلاً من ذلك، يجد الرياضيون أنفسهم في سباق غير متكافئ مع الزمن، محرومين من أبسط مقومات النجاح، تاركين الساحة خالية أمام دول استثمرت بكثافة في الرياضة وحولتها إلى أداة للقوة الناعمة والتأثير العالمي.

اللجنة الأولمبية الليبية.. قيادة طويلة الأمد ونتائج متواضعة

منذ أن ترأس الراحل سالم شرميط أول مجلس إدارة للجنة الأولمبية الليبية عام 1962، تعاقب على قيادة الهيئة عدد من الشخصيات الرياضية. ويقف الدكتور جمال الزروق، الرئيس الحالي، على رأس اللجنة منذ أبريل 2014، في ولاية تمتد حتى يناير 2027. لكن طول فترة القيادة لم يترجم إلى إنجازات ملموسة على الساحة الأولمبية، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول فاعلية السياسات المتبعة ومدى قدرتها على تغيير الواقع.

ويشير متابعون إلى أن سقف الطموحات في الشارع الرياضي الليبي انخفض بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة. فبعد أن كان الحلم يتمثل في اعتلاء منصة التتويج، أصبح الهدف الأسمى اليوم هو مجرد التأهل إلى الدورات الأولمبية والمشاركة فيها. وتحولت مسألة إحراز ميدالية إلى نوع من الترف الفكري الذي لا يجرؤ أحد على طرحه بجدية.

لوس أنجلوس 2028.. آمال مؤجلة في أفق مسدود

مع اقتراب دورة الألعاب الأولمبية المقبلة في لوس أنجلوس عام 2028، تبدو فرص ليبيا في كسر نحس الميداليات صعبة إلى درجة الاستحالة. فالسنوات الأربع الفاصلة ليست كافية لإحداث التحول الجذري المطلوب في غياب إرادة سياسية حقيقية واستثمارات مالية ضخمة وإصلاح مؤسسي عميق.

ويجمع خبراء الرياضة على أن الطريق إلى المنصة الأولمبية يبدأ من المدرسة ومن الشارع ومن النادي الرياضي المحلي، ويمر عبر بطولات وطنية تنافسية وبرامج نخبوية صارمة وإعداد نفسي وبدني على أعلى مستوى. وهذا المسار يتطلب عقوداً من العمل المتواصل وليس سنوات معدودات. فالدول التي تتصدر جداول الميداليات اليوم لم تصل إلى ما هي عليه بين ليلة وضحاها، بل نتيجة استثمار تراكمي في رأس المال البشري والبنية التحتية الرياضية.

إشكاليات مزمنة.. البنية التحتية والتمويل والاستقرار

لا يمكن فهم الإخفاق الليبي المتواصل بمعزل عن السياق الأوسع الذي تعيشه البلاد. فالاضطرابات السياسية والأمنية التي مرت بها ليبيا خلال العقد الماضي ألقت بظلالها القاتمة على القطاع الرياضي، وأدت إلى تدمير أو إغلاق العديد من المنشآت الرياضية، وهجرة الكفاءات التدريبية والإدارية، وتوقف شبه كامل للأنشطة التنافسية المحلية.

ومع أن الرياضة يفترض أن تكون جسراً للتواصل ومعبراً للوحدة الوطنية، إلا أنها في ليبيا ظلت أسيرة للتجاذبات السياسية والانقسامات المؤسسية، مما حرمها من فرصة أن تكون حالة استثنائية بمنأى عن الصراعات. والنتيجة كانت جيلاً كاملاً من الرياضيين ضاع في زحام التحولات الكبرى التي عصفت بالبلاد.

دروس من تجارب الآخرين.. هل من سبيل إلى التدارك؟

في المقابل، تقدم تجارب دول أخرى دروساً قيمة يمكن أن تستفيد منها ليبيا إذا توفرت الإرادة الحقيقية. فهناك دول صغيرة من حيث عدد السكان أو محدودة الموارد تمكنت من صنع أبطال أولمبيين بفضل التخطيط السليم والتركيز على رياضات معينة تتلاءم مع خصوصيتها. لكن هذا النهج يتطلب دراسات علمية دقيقة لتحديد الرياضات التي تمتلك ليبيا فيها ميزة تنافسية طبيعية، واستثماراً مركزاً في نخبة محدودة من الرياضيين الواعدين، وإحاطتهم بمنظومة متكاملة من الرعاية والتدريب.

الخلاصة.. ستة عقود من الانتظار ومستقبل مجهول

تحتفل اللجنة الأولمبية الليبية بذكرى تأسيسها الرابعة والستين وهي مثقلة بستة عقود من الإخفاقات التي لم تشهد خلالها أي نجاح أولمبي يذكر. وقصة المشاركة الليبية في الأولمبياد هي قصة طموح لم تجد من يرعاه، وقدرات لم تجد من يكتشفها ويطورها، وأحلام ظلت حبيسة الأدراج في انتظار لحظة التحول الكبير التي لم تأت بعد.

ويبقى السؤال الذي يتردد صداه في أروقة الرياضة الليبية: متى تحتفل البلاد بأول بطل أولمبي ليبي؟ الإجابة ليست عند الرياضيين وحدهم، بل هي مرهونة بقرار استراتيجي تتخذه الدولة ويقوم على إعادة بناء المنظومة الرياضية من أساسها. وحتى ذلك الحين، ستظل ليبيا ذلك البلد الذي يدخل الأولمبياد ليشارك لا لينافس، ويحضر حفلات الافتتاح ليغادر بعدها بصمت، تاركاً الميداليات للآخرين والتاريخ يسجل أن المحاولات كلها باءت بالفشل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى