عملة تحتضر: كيف تحوّل إجراءات المصرف المركزي وحكومة الدبيبة أزمة الدينار إلى فخ للفقراء؟
ضخ الدولار نقداً يفشل في كبح جماح السوق الموازية
ليبيا 24
انهيار الدينار يضاعف معاناة المواطن في ظل حكومة عاجزة
لا شيء يفضح عبثية المشهد الاقتصادي الليبي مثل مشهد طوابير المواطنين أمام المصارف، ينتظرون فتات العملة الصعبة بينما تحتكر شبكات النفوذ موارد البلاد وتتضخم أرصدة المضاربين. بعد أشهر من الوعود، شرعت المصارف التجارية في بيع الدولار نقداً للأفراد، فانخفض سعره لفترة وجيزة ليلامس 7.70 دينار، قبل أن يعاود الصعود متجاوزاً حاجز 7.90 دينار، ليكشف هشاشة الإجراءات وعجز القائمين عليها.
هذه ليست مجرد تقلبات سوقية، بل هي شهادة وفاة سياسية واقتصادية لنهجٍ تديره حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية، بمشاركة مصرف ليبيا المركزي الذي تحول إلى أداة طيّعة في يد سلطة فاقدة للشرعية. وبينما تتسع الفجوة بين وعود النخبة الحاكمة وواقع المواطن المطحون، يبرز سؤال مرير: إلى متى تظل لقمة العيش رهينة سياسات لا تنتج سوى الكارثة؟
لعبة القط والفأر.. ضخ السيولة في أوردة محتقنة
منذ الإعلان عن خطوة بيع الدولار نقداً، راهن المصرف المركزي على خفض الطلب في السوق الموازية عبر إغراقها بأوراق خضراء يحصل عليها الأفراد مباشرة. لكن الوقائع أثبتت أن هذه العملية أقرب إلى مسكّن أفيوني عاجز عن وقف نزيف العملة الوطنية.
صحيح أن بعض المواطنين حصلوا على مخصصاتهم الضئيلة، إلا أن بطء التنفيذ وتعقيد الإجراءات – كما اعترف الخبير الاقتصادي وحيد الجبو – حالا دون تحقيق أثر ملموس، ليعود الدولار للارتفاع مجدداً وكأن شيئاً لم يكن.
الخلل لا يكمن فقط في تقنيات التوزيع، بل في الفلسفة ذاتها؛ إذ كيف يمكن لضخ نقدي محدود أن يصمد أمام طوفان طلب يومي يحركه اقتصاد ريعي يعتمد على الاستيراد لتغطية 90% من احتياجاته الغذائية والدوائية والسلعية؟ إنها معركة خاسرة سلفاً ما لم تُقترن بإجراءات هيكلية تجفف منابع السوق الموازية، وهو ما تعجز عنه حكومة تخوض صراع بقاء سياسي على حساب مقدرات الليبيين.
حكومة بلا ولاية تمسك بدفة المصرف المركزي
حكومة الدبيبة، التي انتهت ولايتها القانونية بموجب خارطة الطريق السياسية، لا تزال تتحكم بموارد الدولة وإيرادات النفط، وتستخدم المصرف المركزي بوصفه صندوق تمويلٍ لشراء السلم الاجتماعي الهش.
وبدلاً من وضع برنامج إصلاح نقدي متكامل، تُغرق الحكومة المصرف بتعليمات ظرفية أشبه برقع في ثوب مهترئ، مما أفقد المؤسسة ما تبقى من استقلالية وجعلها شريكاً في إدارة الفشل.
ولأن المصرف المركزي بات ملزماً بتنفيذ أجندات قصيرة المدى، فإن سقف طموحه انحصر في بيع بضع مئات من الدولارات للمواطن، بدلاً من التصدي لجذور المشكلة: هيمنة شبكات المضاربة، الاعتمادات المستندية الوهمية، وتهريب العملة الصعبة إلى الخارج. هكذا تحولت أداة السياسة النقدية إلى مجرد نافذة للصرافة، فيما العجز الرقابي يلتهم ما تبقى من ثقة الليبيين بالنظام المالي برمته.
سرداب الاعتمادات الوهمية وعدوى السوق السوداء
في العمق، تبرز فضيحة الاعتمادات المستندية التي تُعد الشريان الأكبر لنزيف الدولار. فبدلاً من أن تذهب هذه الاعتمادات لتمويل استيراد سلع وخدمات حقيقية تعود بالنفع على الأسواق، ينتهي جزء كبير منها إلى تغذية السوق الموازية عبر تجار يبيعون العملة بأسعار مضاعفة، أو إلى تمويل صفقات لا تترك أثراً على أرفف المتاجر. إنها حلقة مفرغة تبدأ من أروقة المصرف المركزي وتنتهي في جيوب المضاربين، بينما يقف المواطن في الطابور منتظراً 500 دولار لا تكفي لسفر أو علاج.
ما يزيد الطين بلة أن المضاربين طوّروا آلياتهم لتتجاوز قدرات الأجهزة الرقابية، وباتوا يقرأون نبض السوق بدقةٍ تفوق قراءة المسؤولين أنفسهم. أي محاولة لخفض السعر عبر الضخ النقدي تُقابل بموجة شراء مضاربي تستنزف السيولة وتعيد الأسعار إلى مسارها الصاعد، في مشهدٍ يؤكد أن “السوق الموازية” لم تعد موازية، بل تحولت إلى السوق الحقيقية التي تتحكم بقوت الليبيين.
المواطن المطحون.. معاناة تتضاعف مع كل ترقيع
إذا كانت أرقام الشاشات تعني شيئاً للمضاربين، فإنها بالنسبة للمواطن تعني رغيف الخبز وسعر الدواء. منذ أن قفز الدولار إلى مستويات قياسية، تضخمت الأسعار بنسب تراوحت بين 25 و40% في سلع أساسية، دون أن تتراجع مع أي انخفاض طفيف في سعر الصرف. إنه الجشع والاستغلال اللذان يصفهما وحيد الجبو بأنهما السبب في عدم لمس المواطن أثراً لتحسّن السعر، إلا أن التقاعس الرسمي عن إنزال أشد العقوبات بالمخالفين هو المتهم الأول.
في أزقة أحياء طرابلس وبنغازي وسبها، يحكي موظفون ومعلمون ومتقاعدون القصة نفسها: راتب بالكاد يغطي إيجار شهر، سلة غذاء أسبوعية صارت رفاهية، والعلاج في الخارج حلم مؤجل. تقارير ميدانية تشير إلى أن 4 من كل 10 أسر باتت تعتمد على مساعدات غير رسمية، فيما تتوسع دائرة الفقر المدقع بصمت. وفي خضم ذلك، لا تقدم الحكومة سوى تصريحات فضفاضة عن «حماية المستهلك»، بينما تواصل أجهزتها الرقابية الغياب المريب عن الأسواق.
العمالة الأجنبية ونزيف التحويلات غير المرئي
ثمة وجه آخر للأزمة كثيراً ما يُغفل عنه المخططون الحكوميون، وهو مليون ونصف مليون عامل أجنبي يشكلون قوة شرائية ضاغطة في سوق الصرف. هؤلاء يحصلون على أجورهم بالدينار، ثم يسارعون إلى تحويلها إلى الخارج عبر قنوات غير رسمية، مستهلكين بذلك شريحة كبيرة من العملة الصعبة التي يحتاجها الاقتصاد. وبدلاً من ضبط هذه التحويلات وتنظيمها، تكتفي السلطات بتسجيل ملاحظات جانبية، تاركة الباب مشرعاً لنزيف يومي يفوق قدرات المصرف المركزي.
يتحول الدولار الذي يحصل عليه المواطن بشق الأنفس من الصراف، في أحيان كثيرة، إلى جزء من هذه الدوامة؛ إذ يعود في اليوم التالي إلى السوق السوداء عبر تحويلات العمالة أو بالتواطؤ مع تجار التجزئة، ليكتمل المشهد العبثي: الدولة تضخ العملة لإرضاء المواطن، والمضاربون يعيدون تجميعها لإثراء أنفسهم.
غياب الرقابة.. سوق مفتوحة للجشع وحده
لو أرادت حكومة الدبيبة ومصرفها المركزي محاربة المضاربين بجدية، لبدأت بتفعيل الأجهزة الرقابية والضبطية، وهو ما ظل حبراً على ورق. فالمتابعة الأمنية للمتلاعبين بالأسعار تكاد تكون معدومة، والحملات التفتيشية تنشط موسمياً قبيل بيانات إعلامية ثم تتلاشى، مما يمنح التجار والمحتكرين رخصة مفتوحة لمواصلة الاستغلال. والحال أن إفلات كبار المشتبه بهم من العقاب طوال السنوات الماضية أسس لاقتصاد ظلّ لا يجرؤ أحد على محاربته، لأنه متشابك مع مراكز نفوذ سياسي ومسلح.
حتى خطوة المصرف المركزي في ضخ العملة نقداً تفتقر إلى آلية تتبع واضحة؛ فبمجرّد خروج الدولار من شبابيك المصارف، يغيب عن الرصد، ليظهر لاحقاً في أكشاك الصرافة غير المرخصة أو في حوالات خارجة عن السيطرة. إنها سياسة أشبه برمي النقود في مهبّ الريح، ثم إعلان الانتصار قبل أن تلمس يد المواطن أي تغيير.
نحو الهاوية.. إجراءات ترقيعية لعجز هيكلي
لا يحتاج المراقب إلى كثير من الخبرة ليدرك أن مشكلة سعر الصرف في ليبيا ليست مجرد نقص سيولة عابر، بل هي نتاج عجز هيكلي تتداخل فيه أزمة شرعية الحكم، وانقسام المؤسسات، وثقافة الريع، وغياب الإنتاج المحلي. والإجراء الذي يتعامل مع الأعراض دون الأسباب – كبيع الدولار نقداً – لن ينجح في استعادة القوة الشرائية للدينار، بل سينتهي كسابقاته من “الإصلاحات” التي تستهلك الوقت وتُعمق الإحباط الشعبي.
ما يحتاجه البلد فعلاً هو إصلاح نقدي ينطلق من توحيد سعر الصرف، وتقليص الاعتماد على الاستيراد العشوائي، وبناء قاعدة إنتاجية قادرة على خلق قيمة حقيقية. غير أن حكومة تعيش على وقع الانقسامات الإقليمية والدولية لا تملك رفاهية التخطيط الاستراتيجي، وتكتفي برقعة هنا وأخرى هناك، حتى صار الاقتصاد الليبي أشبه بجسد ينزف والعاملون عليه يضعون لصقات ورقية.
ختاماً.. علامَ يراهن الدبيبة ومصرفه المركزي؟
بين التصريحات المطمئنة للمستشارين الرسميين وصمت الشارع المخذول، يراهن صانع القرار في طرابلس على قدرة الليبيين على الاحتمال. لكن التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن احتياطي الصبر ينفد، حين يصبح الدولار مرآةً للكرامة الوطنية. حكومة الدبيبة منتهية الولاية، التي تستخدم المصرف المركزي كدرع مالية لتمديد أمد بقائها، تقف اليوم أمام مفترق طرق: إما الشروع في إصلاح جذري يكسر احتكار السوق الموازية ويعيد رسم العلاقة بين المواطن والدولة، وإما مواصلة سياسة الترقيع التي لن تجلب سوى مزيد من الغضب.
في الأثناء، يظل المواطن الليبي المطحون هو من يدفع الثمن مقدماً: يدفعه من قوته وصحته وتعليم أبنائه. وبرغم أن المستشار الجبو يدعو إلى الانتظار بضعة أسابيع للحكم على تجربة بيع الدولار، فإن الشارع الليبي لم يعد يملك ترف الوقت. فكل يوم تأخير يعني أسراً تنضم إلى دائرة الفقر، وشباباً يفقد الأمل، ودولة تتهاوى أركانها بهدوء تحت وطأة فشل يتحمل مسؤوليته أولئك الذين أمسكوا بمقدرات البلاد دون تفويض حقيقي.



