ليبيا

استبدال الدعم الليبي… قفزة في المجهول ترسمها حسابات السياسة

حكومة الدبيبة تستبدل الدعم... فوضى تضخمية بلا شبكة أمان للمواطن

ليبيا 24:

عندما تتحول السياسة الاقتصادية إلى أداة للإنهاك

لا توجد قضية اقتصادية في ليبيا أكثر حساسية وأشد التصاقاً بالشارع من قضية الدعم. إنه العقد الاجتماعي غير المكتوب الذي أرسته الدولة الريعية لعقود.

اليوم، تعود هذه القضية إلى واجهة المشهد، ليس كضرورة إصلاحية ملحة فحسب، بل كأحد أكثر الملفات إثارة للريبة، في ظل حكومة تواجه أزمة شرعية ومصرف مركزي تتنازعه الانقسامات.

 الحديث عن “استبدال الدعم” الذي يلوح به صناع القرار في طرابلس يبدو، في جوهره، محاولة لتفكيك أحد آخر جدران الحماية الاجتماعية، في وقت تكون فيه الدولة غائبة عن الوفاء بأبسط التزاماتها.

التحذيرات التي يطلقها أكاديميون، مثل أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي علي الشريف، تضع إصبعها على الجرح الحقيقي: إن الشروع في هذا المشروع في ظل الأوضاع الراهنة ليس إصلاحاً، بل مجازفة غير محسوبة العواقب، قد تكون كلفتها الإنسانية والاجتماعية باهظة.

ومن هنا، يمكن قراءة مساعي حكومة الدبيبة منتهية الولاية ومصرف ليبيا المركزي، ليس كخطة إنقاذ وطني، بل كخطة لإدارة أزمة سيولة نقدية وشيكة على حساب المواطن، وتحت غطاء مصطلحات “الإصلاح” و”الاستبدال النقدي”.

لغز التوقيت: لماذا الآن في ظل الفراغ السياسي؟

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا هذا الإلحاح الحكومي الآن على فتح ملف الدعم؟

الإجابة الأكثر قتامة، والتي لا يمكن استبعادها، تكمن في أن الحكومات الانتقالية الهشة تلجأ غالباً إلى إجراءات اقتصادية زلزالية كقارب نجاة سياسي.

فعندما تعجز عن توفير الخدمات الأساسية، وتفشل في تحقيق المصالحة الوطنية، وتقف عاجزة أمام توحيد المؤسسات، تبحث عن “إنجاز” تقني كبير. ولكن هذا الإنجاز المزعوم، المتمثل في توفير بضعة مليارات من الدينار الليبي عبر إلغاء الدعم العيني، يهدد بإغراق الاقتصاد المحلي في موجات تضخمية عاتية.

إنه توقيت يثير الشكوك حول نية إفراغ الخزينة العامة من أي التزامات اجتماعية قبل أي تسوية سياسية محتملة، وكأن الرسالة هي: “لتتحمل الحكومات القادمة تبعات الغضب الشعبي”.

قاطرة التضخم: حين يصبح قطاع الطاقة ديناميت الأسعار

يُجمع المحللون على أن قطاع الطاقة هو القاطرة التي تجر خلفها كامل عربات الاقتصاد. وكما أشار الشريف، فإن أي مساس بأسعار الطاقة لا يقتصر أثره على محطة الوقود، بل يتغلغل كالسم في شرايين الاقتصاد.

رفع الدعم عن المحروقات يعني، وبآلية تلقائية لا تحتاج إلى قرار حكومي، رفعاً فورياً لتكاليف نقل الغذاء والدواء ومواد البناء وجميع الخدمات.

في بلد مترامي الأطراف مثل ليبيا، حيث تُنقل البضائع بالشاحنات عبر آلاف الكيلومترات، سيكون الأثر التضخمي صاعقاً وفورياً.

ما تطرحه حكومة الدبيبة المنتهية الولاية كحل سحري للتهريب والاستفادة غير القانونية، سيتحول عملياً إلى ضريبة مضافة على كل لقمة خبز، وعلى كل دواء، وعلى كل سلعة تمس حياة الناس.

والمواطن الليبي، الذي عانى لسنوات من تآكل الدخل وانعدام السيولة في المصارف، سيجد نفسه في قلب عاصفة تضخمية مثالية، حيث ترتفع الأسعار بينما تبقى قدرته الشرائية في انهيار مستمر.

الخطاب الحكومي الذي يتحدث عن “تعويض نقدي” يتجاهل هذه الحقيقة المرة: التعويض سيبقى ثابتاً، بينما ستظل الأسعار ترتفع بشكل جنوني، في مشهد يشبه سباقاً بين أرنب وسلحفاة، محسوم النتيجة لصالح التضخم.

الوهم النقدي: التعويض المباشر دون شبكة أمان حقيقية

تتمثل إحدى أخطر النقاط التي أثارها الأكاديمي علي الشريف في التساؤل عن قيمة التعويض النقدي في مواجهة التضخم. هذه ليست نقطة فنية هامشية، بل هي جوهر المأساة المحتملة.

تخطط الحكومة، بتواطؤ من المصرف المركزي، لمنح المواطنين مبلغاً نقدياً بديلاً عن الدعم. ولكن، من يضمن قيمة هذا المبلغ بعد ثلاثة أشهر من بدء التطبيق؟ ومن سيحمي هذه التحويلات المالية من أن تلتهمها موجة الغلاء التي سيتسبب فيها القرار نفسه؟

في اقتصادات متقدمة ومستقرة، تقوم آلية استبدال الدعم على وجود مؤشرات أسعار شفافة، وبنوك مركزية مستقلة تتحكم بالتضخم عبر أدوات السياسة النقدية. أما في ليبيا، فالمصرف المركزي منقسم، وغارق في أزمة سياسية، وعاجز حتى عن توحيد سعر الصرف لسنوات.

إن الوعد بتعويض نقدي عادل في ظل هذا الفراغ المؤسسي ليس سوى سراب. إنها مقامرة تجعل من المواطن الليبي حقل تجارب لسياسات قد تؤدي إلى “تضخم مفرط”، لا يقتصر على التهام التعويض، بل يمتد ليلتهم المدخرات والأصول المالية لكل الأسر. إنها سياسة إفقار جماعي مقنعة بخطاب إصلاحي.

كارثة البنية التحتية: استبدال الدعم دون بدائل للنقل

تغفل الخطة الحكومية، عن عمد أو عن جهل، حقيقة هيكلية مدمرة: ليبيا بلد بلا بنية تحتية حقيقية للنقل العام.

كيف يمكن لمواطن في سبها أو الكفرة أو نالوت أن يستغني عن سيارته، بعد أن أصبح المحروق سلعة باهظة الثمن، في ظل غياب قطارات وحافلات عمومية حديثة وآمنة؟

الطرق مهترئة، ووسائل النقل الجماعي شبه معدومة، والمدن الليبية مصممة حول ثقافة السيارة الخاصة. قرار رفع الدعم دون توفير بديل نقل جماعي رخيص وفعال هو عقاب جماعي للسكان، سيعزل المدن عن بعضها البعض، وسيضرب النشاط الاقتصادي في الصميم.

إن ربط الجغرافيا الليبية الشاسعة يعتمد كلياً على توفر المحروقات بأسعار رمزية. والحكومة التي تفشل منذ سنوات في إصلاح طريق أو بناء شبكة سكك حديدية، تريد الآن أن تسحب البساط من تحت أقدام المواطنين بحجة الإصلاح.

هذا ليس تخطيطاً تنموياً، بل هو انتحار اقتصادي واجتماعي، وتفكيك متعمد لما تبقى من أواصر الوحدة الجغرافية والاقتصادية بين الليبيين.

سبع سنوات من العبث: الإصلاح التدريجي الغائب

إن الطرح المتوازن الذي يشير إليه الخبراء، ومن بينهم علي الشريف، يؤكد على أن أي عملية إصلاح حقيقية يجب أن تكون تدريجية، وقد تمتد لسبع سنوات أو أكثر. هذا يتطلب أولاً، وقبل كل شيء، وجود حكومة مستقرة ورؤية استراتيجية.

لكن ما نشهده هو العكس تماماً: حكومة انتقالية مؤقتة، بصلاحيات محدودة، تسعى لتمرير إصلاحات جذرية في فترة زمنية قصيرة. هذا الاندفاع المحموم لا يمكن تفسيره إلا في إطار الرغبة في السيطرة على كتلة مالية ضخمة تتحرر من الدعم العيني، وإخضاعها لإدارة مركزية غارقة في الشبهات والفساد.

البديل المنطقي الذي يتجاهله مصرف ليبيا المركزي وحكومة الدبيبة هو: البدء بمعالجة التهريب عبر تقنيات حديثة كالكوبونات الذكية، وضبط المنافذ الحدودية، وهي أمور تقع في صميم مسؤولية الدولة الأمنية. ثم الشروع الموازي في استثمارات ضخمة وفورية في قطاع النقل العام والكهرباء، كي يتلمس المواطن وجود حكومة تعمل قبل أن تُحمّله الأعباء.

حينها فقط، وبعد سنوات، يمكن الحديث عن تحرير الأسعار بشكل آمن.

أما أن نبدأ من الأخير، أي من جيب المواطن، فهو إفلاس إداري وأخلاقي، وتأكيد على أن هذه الحكومة تنظر إلى الشعب ليس كشريك، بل كعبء يجب التخلص من تكلفته.

الحفاظ على مقدرات الدولة أم إغراق المواطن؟

تتفق جميع الأطراف على أن إهدار موارد الدولة عبر استفادة غير الليبيين والتهريب لا يمكن أن يستمر. ولكن، لا يمكن أن يُعالج هدر بمهلك.

إن سياسة حكومة الدبيبة ومصرف ليبيا المركزي في التعامل مع هذا الملف تحمل كل سمات سياسات “علاج الصدمة” التي دمرت اقتصادات بأكملها. إنها خطة تفتقر إلى التعاطف مع معاناة الليبيين اليومية، وتتجاهل بغطرسة هشاشة الاقتصاد الوطني، وتتخلى عن مسؤولية الدولة في توفير بدائل حقيقية قبل سحب الدعم.

ما يحذر منه الخبراء هو أن هذه السياسة قد تؤدي إلى انفجار اجتماعي، يضاف إلى الانفجار السياسي القائم. فالمواطن الذي أفقدته الحروب مدخراته، وأفقدته الانقسامات ثقته في كل مؤسسات الدولة، وأفقدته الأزمة المصرفية وصوله إلى راتبه، لن يتحمل صدمة أسعار إضافية.

عندما تخطط الحكومة لاستبدال الدعم في هذه اللحظة الفارقة، فهي لا تخطط لإصلاح الاقتصاد، بل تخطط لنقل أزمة السيولة من خزائن الدولة إلى موائد الليبيين الفارغة.

وكما قال علي الشريف، فإن تحقيق الحفاظ على مقدرات الدولة يجب ألا يتحقق على حساب إنهاك المواطن، وهو الخط الأحمر الذي يبدو أن صناع القرار في طرابلس قد فقدوا القدرة على رؤيته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى