ليبيا

ثروة النفط تتدفق وعار الفقر يلاحق الليبيين بلا رحمة… فيديو لقمة العار يفضح انهيار الطبقة الوسطى

انهيار النسيج الاجتماعي لبلاد تغرق في محيط من النفط

ليبيا 24:

تحت وطأة شمس قاسية لا ترحم، وفي قلب بلد يفترض أن تغمره السيولة، وقف رجل خمسيني بملابس رثة أنهكها الغبار، يتناول طعامه من علبة متواضعة على عجل.

لم يكن يدري أن عدسة هاتف محمول بيد عامل وافد ستنقل وجبته الهزيلة إلى العالم، ليتحول إلى أيقونة للفقر المدقع في ليبيا، ويصبح ذلك المقطع القصير بمثابة صفعة مدوية للضمير الجمعي، وقنبلة موقوتة في وجه سلطة أنهكتها الأزمات وفقدت بوصلتها.

لم يعد الأمر مجرد مقطع فيديو عابر على مواقع التواصل، بل تحول إلى وثيقة إدانة شعبية لنظام سياسي عاجز، يترأسه عبد الحميد الدبيبة عبر حكومة وُصفت بـ«منتهية الولاية»، ومجلس رئاسي برئاسة محمد المنفي، يتفرج على انهيار النسيج الاجتماعي لبلاد تغرق في محيط من النفط.

هذا التقرير المطول يغوص في عمق الانتكاسة المعيشية التي تعصف بالشارع الليبي الكادح، مستنداً إلى شهادات المطحونين وآراء الخبراء، ليرسم صورة قاتمة لدولة الثروة بلا كرامة.

تشريح فيديو الفقر: حين تصبح لقمة العار مرآة للدول

في التفاصيل الدقيقة لواقعة مدينة صرمان ما يتجاوز مأساة فرد واحد.

العامل الليبي، الذي فضل عدم الإفصاح عن اسمه خشية «العقاب على البوح بالحقيقة»، ظهر في المقطع الذي اجتاح الفضاء الرقمي الليبي بسرعة البرق، وهو يتحدث بعفوية مذهلة.

قال بلهجة لا تخلو من انكسار:

«والله العظيم ما عندي فلوس… وصلت الخمسين وما قدرت نتجوز… هاكل فاصوليا وعايش».

الجملة الأخيرة، التي وثقت تناوله وجبة «الفاصوليا» الشعبية، المرتبطة بالفقراء، اخترقت قلوب الليبيين كسكين حادة، ليس فقط لقسوة المضمون، بل لأن من صوره كان عاملاً وافداً، في انقلاب دراماتيكي لموازين القوى الاقتصادية بين المواطن وضيفه، ما شكل إهانة مضاعفة في نظر كثيرين.

محمد الشاوش، بائع متجول في سوق الجمعة بطرابلس، يجلس على صندوق خشبي وهو يتابع الخبر على هاتفه، يقول لمراسلنا بصوت مبحوح:

«هذا الرجل هو أنا، وهو كل من أعرف، الحكومة لا ترانا، تنفق المليارات على صفقات وهمية ومرتبات قطاع موازٍ منتفع، ثم تأتي لتقول لنا إنها خفضت سعر زجاجة الزيت بدينار واحد، هذا استهتار بعقولنا».

ويضيف، وهو يلوح بيده في الهواء:

«أين النفط؟ أين الذهب الأسود الذي يتحدثون عنه؟ يذهب إلى جيوبهم ونحن نأكل الفتات».

أما الناشطة أمينة الحامدي، من مدينة الزاوية، فترى في الواقعة بعداً آخر، وتقول بغضب:

«توقيف العامل الأفريقي الذي صور المقطع هو المسرحية الهزلية المعتادة. بدلاً من أن تنظر السلطة في المرآة لترى وجهها القبيح، تكسر المرآة.

أوقفوا شاهداً على الجريمة لكي لا يرى العالم أن الشعب الليبي بات أفقر من العمالة الوافدة التي تأتي للبحث عن لقمة العيش هنا. إنها فضيحة بكل المقاييس».

ثروة بلا كرامة: معادلة النفط المفقود

تنتج ليبيا نحو 1.3 مليون برميل من النفط يومياً، وتجلس على ثاني أكبر احتياطي مؤكد من الخام في القارة الأفريقية.

هذه الأرقام النفطية، التي تعد بمثابة حلم لأي أمة، تحولت إلى لعنة مستدامة في ظل حكم الدبيبة ومن سبقه عبر المراحل الانتقالية العبثية.

وبينما يفترض أن يشكل الريع النفطي شبكة أمان اجتماعي، يكشف الواقع المعيشي عن انزياح كارثي نحو الهاوية.

أرقام رسمية أعلنها محمد الحويج، وزير الاقتصاد السابق في حكومة الدبيبة، تشير إلى أن نسبة الفقر تبلغ نحو 30%. لكن هذا الرقم، في تقدير مراقبين، يظل أقل من الحقيقة المرة بكثير.

دراسة ميدانية صادمة أعدها الباحثان بجامعة مصراتة، الهادي لاغا ومحسن نتيفة، في منطقتي الوشكة وأبوقرين جنوب مصراتة، كشفت أن نسبة الفقر بلغت أكثر من 90% بين عينة الدراسة.

هذا يعني أن هناك جيوباً كاملة من السكان تعيش خارج نطاق التغطية الإحصائية الرسمية، وتغرق في ظلام دامس من العوز.

جغرافيا البؤس: من صرمان إلى الوشكة… حكايات لا تصل إلى مسامع القصر

في مقهى شعبي متواضع بمنطقة أبوسليم، جنوب العاصمة، يلتقي يومياً عمال بالأجرة اليومية ينتظرون من يستأجرهم لقاء بضع دنانير.

سالم فرج، بناء خمسيني، يجلس على الرصيف وينتظر. يقول:

«كنت أعمل في مشاريع الدولة، لكن توقفت منذ سنوات بسبب الفساد. المقاولون يسرقون، والموظفون الكبار يسرقون، الحكومة منتهية الولاية تعيش في عالم موازٍ من الفنادق الفاخرة والمؤتمرات الصحفية».

ثم يتساءل بمرارة:

«هل يعرف الدبيبة أن كيس الدقيق أصبح بـ70 ديناراً؟ هل يعرف أن راتب التقاعد الهزيل لا يكفي إيجار شقة؟».

ويختتم حديثه بجملة قاسية:

«لم نعد مواطنين، بل أرقاماً في تقارير المنظمات الدولية التي يضحكون بها علينا».

هذا الانكسار، الذي وصفته المنظمة الليبية لحقوق الإنسان بأنه يكشف «حجم الانكسار الذي يعيشه المواطن الليبي داخل وطن يُفترض أنه يملك من الثروات ما يكفي لحفظ كرامة شعبه»، لا يقتصر على الأفراد العاديين.

رابطة مرضى ضمور العضلات، التي نظمت احتجاجات الأسبوع الماضي للمطالبة بزيادة المعاشات، اعتبرت في بيان لها أن مقطع صرمان هو «ترجمة مصورة لمعاناة متفاقمة من تدهور الأحوال المعيشية، وغياب العدالة الاجتماعية، وتفشي الفساد».

أم محمد، والدة أحد المصابين، التقتها مراسلنا في وقفة احتجاجية صامتة أمام أحد المرافق الحكومية، تقول ودموعها تملأ عينيها:

«نحن نموت بصمت أبناؤنا يحتاجون إلى أجهزة وأدوية، ونحن نعيش على صدقات الجيران، المجلس الرئاسي والحكومة يختبئون وراء بيانات الشجب والإدانة، بينما نحن ننتظر الموت هذا ليس فقراً، هذه إبادة بطيئة بالتقصير والإهمال».

أصوات من شارع الندم: الغضب المكتوم يتحول إلى هجاء

الشعور بأن مؤسسات الدولة لم تعد ملكاً للشعب، الذي عبر عنه الإعلامي خليل الحاسي بقوله:

«الليبيون لا يشعرون بأن المؤسسات والموارد ملك لهم»، يجد صداه في كل زاوية فعلى أحد جدران المدينة القديمة في طرابلس، كتب أحدهم بخط غير متقن:

«يا حكومة الدبيبة، نفطنا في جيوبكم، وفقرنا في وجوهكم».

هذه العبارة الجدارية تلخص حالة التمرد الصامت التي تتفاعل تحت الرماد في ليبيا.

تقول عائشة عقيلة، وهي معلمة في مدرسة حكومية براتب لا يتجاوز 1500 دينار، أي ما يعادل سعر وجبتين في مطعم متواضع وفق سعر الصرف الحقيقي:

«أشعر بالخزي أقف أمام التلاميذ لأدرسهم عن السيادة الوطنية وثروات بلادنا، ثم أعود إلى بيت لا تتوفر فيه الكهرباء إلا لساعات.

أين الميزانية الموحدة التي يتحدثون عنها؟ أين الإنفاق التنموي؟ تسعة أعوام مرت وأنا أسمع الوعود نفسها، بينما يزداد أبناء الطبقة السياسية ثراء».

وتضيف بصوت تخنقه العبرة:

«عبد الحميد الدبيبة يتحدث عن خفض الأسعار بنسبة 17%، ونحن لا نجد الخبز المدعوم! كيف لرئيس حكومة يدير بلداً بالنفط أن يفشل في توفير رغيف خبز لمواطنيه؟ إنها ليست أزمة اقتصادية، إنها أزمة ضمير وطني».

اقتصاد الظل والولاءات: تشريح الفشل الحكومي للدبيبة

النقد الموجه لأداء حكومة الدبيبة ليس مجرد احتجاج عاطفي على الفقر، بل مبني على تحليل بنيوي عميق لطبيعة إدارة الملف الاقتصادي.

سلامة الغويل، وزير الاقتصاد الأسبق، لا يبدي أي تفاؤل بقدرة الإجراءات الحكومية على معالجة جذور الأزمة، لأنه، خلال توليه الوزارة، كما يقول، لم يلمس «إرادة سياسية حقيقية» لتحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين مستوى معيشة المواطنين.

وفي شهادته الحصرية، يضرب الغويل صلب المشكلة بقوله إن الملف الاقتصادي في ليبيا «لا يدار بشكل جيد»، وإن هذا التعثر المتعمد أدى إلى نتيجة واحدة، هي «خلق الولاءات السياسية، وتغليب الانتماءات الجهوية على حساب المصلحة الوطنية».

هذا التحليل يفسر لماذا تشعر شريحة واسعة من الليبيين بأن الدولة مجرد غنيمة تتقاسمها النخب الحاكمة، بينما يدفع المواطن البسيط الثمن من لحمه ودمه.

في جلسة خاصة مع مجموعة من تجار الجملة بسوق الكريمية، والذين طلبوا عدم نشر أسمائهم بالكامل، يقول أحدهم:

«الحكومة تتحدث عن دعم السلع، لكن الدعم يذهب لشركات وهمية يستورد أصحابها الحاويات ويسربون البضائع المدعومة إلى الخارج، أو يخفونها لخلق أزمة، ثم يبيعونها بأسعار السوق السوداء.

نحن نعرفهم بأسمائهم، والأجهزة الرقابية تعرفهم، لكن لا أحد يجرؤ على الاقتراب منهم لأنهم تحت الحماية السياسية. هذه حكومة منتهية الصلاحية تدير شبكة مصالح، لا دولة».

ويرى الغويل أيضاً، في تحليله للانقسام الحكومي بين شرق البلاد وغربها، أن حكومة أسامة حماد في بنغازي لا تتحمل المسؤولية المباشرة، لسبب بسيط ومزلزل: أدوات إدارة الملف الاقتصادي، والمؤسسات السيادية، والعلاقات الخارجية، ما زالت تحت سيطرة حكومة الدبيبة بالكامل.

هذا التصريح يمثل لائحة اتهام مباشرة، إذ يحصر مسؤولية الانهيار المعيشي في جهة واحدة بعينها، هي التي تحتكر القرار الاقتصادي والأدوات النقدية، بينما تتفرج بقية البلاد على العبث الجاري.

ماذا عن الشرق؟ حكومة حماد والفراغ المسؤول

فيما يركز الغضب الشعبي على حكومة الدبيبة باعتبارها المسيطر الفعلي على مفاصل الاقتصاد الليبي عبر المؤسسات السيادية في العاصمة، يظل المشهد في الشرق الليبي تحت إدارة حكومة أسامة حماد أقل وضوحاً من حيث المسؤولية المباشرة.

عبد السلام البرعصي، موظف متقاعد في مدينة البيضاء، يرى أن الانقسام السياسي نفسه هو الجريمة الأولى.

يقول لمراسلنا:

«حكومة حماد لا تسيطر على المصرف المركزي، ولا على المؤسسة الوطنية للنفط، ولا على إيرادات النقد الأجنبي كيف يمكن محاسبتها على الفقر وهي لا تملك أدوات صنع القرار الاقتصادي؟».

لكنه يستدرك بمرارة:

«لكن هذا لا يعفيها من مسؤولية المطالبة بحقوق مواطني الشرق. فشل الدبيبة هو المسيطر على المشهد، لكن غياب حكومة الشرق عن الضغط الفعال هو فشل آخر نحن ضائعون بين حكومة تسرق وأخرى لا تستطيع أن تفعل شيئاً».

حلول على الورق: لماذا تفشل إجراءات الدبيبة الترقيعية؟

في مواجهة الانتقادات والأرقام الصادمة، سارعت حكومة الدبيبة، التي تعاني من أزمة شرعية متفاقمة، إلى إقرار حزمة إجراءات وصفها خبراء بأنها مجرد مسكنات لا تعالج المرض العضال.

وعلى رأسها اعتماد الإنفاق التنموي الموحد، الذي ساهم في خفض طفيف لأسعار بعض المواد بنحو 17%، إلى جانب وعود بزيادة معاشات المتقاعدين وتعديلات في دعم ذوي الإعاقة.

لكن سرعان ما تظهر محدودية هذه الإجراءات على أرض الواقع المعقد.

الخبير الاقتصادي عمر زرموح، وفي تحليل لواقع الفقر في ليبيا، يرى أن وجود الفقر في بلد مثل ليبيا «ليس مستغرباً»، نظراً لاستمرار الانقسام وسوء الإدارة وهشاشة الوضع الأمني.

ويشدد في تحليله على أن معالجة الفقر لا تقتصر على زيادة المعاشات التضامنية، بل تتطلب وجود «موازنة متوازنة ومفصلة ترافقها سياسات مالية ونقدية وتجارية واضحة».

وهو يلمح ضمناً إلى أن غياب هذه الرؤية الشاملة لدى حكومة الدبيبة يجعل أي إجراء ترقيعي مجرد غطاء لاستمرار النهج نفسه.

ويضيف:«نحن بحاجة إلى توفير فرص عمل حقيقية، ورفع مستوى الإنتاجية، وتحسين البيئة الاقتصادية بشكل عام. ما يحدث الآن هو مجرد إدارة أزمة لإدامة السلطة، لا إدارة دولة لبناء مستقبل».

شعبياً، لا يختلف اثنان على فشل هذه الإجراءات.

فعلى أحد أرصفة شارع الاستقلال في بنغازي، يفترش الحاج مفتاح «70 عاماً» الأرض لبيع المناديل الورقية.

وعندما سألناه عن خفض الأسعار، ضحك طويلاً ثم قال:

«يا ابني، أنا لا أشتري من السوق لأشعر بالخفض. أنا لا أملك ثمن ربطة الخبز أصلاً. خفضوا الأسعار 100% ولن يصلني شيء.

هذه الحكومة تعيش في كوكب آخر. أريد أن أرى الدبيبة يأكل فاصوليا مع عامل البناء، ربما يشعر بنا عندها».

الكرامة أولاً: الطريق المسدود ومخرج العدالة الاجتماعية

في خضم هذه الصورة القاتمة، التي ترسم ملامح دولة فشلت في أبسط واجباتها، يبرز إجماع نادر بين المحللين على أن الطريق نحو الخلاص يبدأ بخطوة واحدة: استعادة الكرامة الوطنية للمواطن عبر حكومة موحدة تمتلك إرادة سياسية حقيقية.

سلامة الغويل، في خاتمة تحليله، يضع النقاط على الحروف بقوله إن الحل يبدأ من:

«تشكيل حكومة موحدة تمتلك رؤية وطنية واضحة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وإعادة الاعتبار للمواطن الليبي».

هذه الدعوة، التي يرددها الشارع الليبي من أقصاه إلى أقصاه، تتعارض بشكل مباشر مع منطق بقاء عبد الحميد الدبيبة في السلطة، ومع استمرار المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي في إدارة المرحلة دون أفق واضح.

حسن الطرابلسي، صياد من منطقة تاجوراء، يختصر كل التحليلات بجملة واحدة، وهو يسحب شباكه الفارغة من البحر:

«نحن شعب يملك بحراً فيه سمك ونفط، ونموت جوعاً. هذا ليس سوء حظ، هذه جريمة. وحتى يُحاسب المسؤول، سيبقى العامل الليبي أضحوكة في فيديو يصوره عامل وافد. هذه هي صورة ليبيا اليوم».

وهكذا، يظل مقطع «الفاصوليا»، الذي قلب مواقع التواصل رأساً على عقب، ليس مجرد صرخة ألم فردية، بل تجسيداً مرئياً لتقرير طويل عن انهيار الطبقة الوسطى، وتحول الحلم الليبي إلى كابوس يقض مضاجع الجميع، باستثناء تلك الكتلة الحاكمة التي لا يبدو أنها تسمع أنين الجياع تحت وطأة البيانات والإجراءات الشكلية.

فالشعب، الذي صبر طويلاً على تقلبات السياسة، بات صبره ينفد على تقلبات الحياة نفسها، حين تصبح لقمة العيش أغلى من الكرامة في بلد من ذهب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى