فوضى الاختصاصات تقوض أركان الدولة الليبية من الداخل
حين يصير المركزي مصرفاً تجارياً تضيع البوصلة الاقتصادية
ليبيا 24
ليبيا وأزمة الحدود المفقودة.. حين يبتلع التنفيذ التخطيط
طرابلس – في خضم التدافع المحموم نحو إعادة إعمار ليبيا وتوزيع عوائد الثروة، ثمّة صدع إداري صامت يتعمّق في مفاصل الدولة، يهدد أسس الحوكمة الرشيدة ويبدد فرص النهوض. إنه الصدع الناجم عن انهيار فلسفة الاختصاص، وتحوّل المؤسسات إلى كيانات هلامية متداخلة، تفقد معها الدولة بوصلتها.
قال منير علي عصر، وزير الاقتصاد والصناعة السابق، في تحليل معمق لبنية الأزمة: “إن التحدي الأكبر الذي يواجه بلادنا ليس شح الموارد أو تعقيدات السياسة فحسب، بل هو أزمة فهم عميقة لدور المؤسسة الواحدة، أزمة تذيب الحدود بين من يرسم الاستراتيجية ومن يحوّلها إلى واقع، بين من يضخ السيولة ومن يدير مدخرات الأمة.”
إعادة تعريف العقد الاجتماعي للمؤسسات
أوضح عصر أن الدولة الحديثة، في جوهرها، ليست مجموعة من المكاتب والميزانيات، بل هي تعاقد اجتماعي وإداري صارم، يقوم على مبدأ التخصص وتقسيم العمل.
أضاف: “في الاقتصادات المتقدمة، لا يمكن تصور أن يقوم البنك المركزي، وهو حارس السياسة النقدية وملاذ الاحتياطي الاستراتيجي، بأدوار مصرف تجاري يمنح قروضاً استهلاكية أو يتدخل في تمويل مشاريع بنية تحتية مباشرة. هذا الفصل ليس ترفاً بيروقراطياً، بل هو صمّام أمان لاستقرار العملة ومنظومة الأسعار.” وأشار إلى أن قلب الأزمة في ليبيا يكمن في هذا الخلط القاتل، حيث يتوقع الجمهور من المصرف المركزي أن يتصرف كخزينة عمومية وبنك تنمية، بينما ينشغل التنفيذيون بصراع الصلاحيات على حساب التخطيط بعيد المدى.
معضلة ازدواجية الأدوار ومقتل المساءلة
أوضح وزير الاقتصاد السابق، مشيراً إلى المفارقة المركزية التي تعصف بالإدارة الليبية، أن لحظة تحول كل مسؤول إلى مخطط ومنفذ ومراقب في آن واحد، هي اللحظة التي تموت فيها المساءلة. وقال: “عندما يتداخل الاختصاص، يصبح الفشل بلا أب شرعي، وتصبح النجاحات فرصة للمزايدة لا للبناء. هذه الفوضى المنظمة هي التي تنتج قرارات مرتجلة تهدر المال العام، ليس لأن النوايا سيئة، بل لأن العقل الجمعي للمؤسسات مشوش.”
وأكد أن الفارق بين “التخطيط” و”التنفيذ” ليس مجرد خطوة إجرائية، بل هو فارق بين رؤية القبطان وحركة المجاديف. فالتخطيط هو علم دراسة الواقع، وتحليل البيانات الضخمة، وتحديد الأولويات الاستراتيجية لقطاعات النفط والزراعة والصناعة لعشر سنوات قادمة، بينما التنفيذ هو هندسة تحويل تلك الرؤى إلى طرق ومصانع ومدارس، عبر أجهزة متخصصة تخضع لمراقبة صارمة من كيانات مستقلة. ولفت عصر إلى أن غياب هذه المنظومة الثلاثية المتوازنة – تخطيط، تنفيذ، رقابة – يحول الدولة إلى سفينة عملاقة بلا دفة، تديرها صراعات الغرف المغلقة.
تشريح مؤسسي: المركزي ليس مصرف الحي
وفي تشريح موسع للمثال الأكثر وضوحاً، قال عصر: “إن الخلط بين مصرف ليبيا المركزي والمصارف التجارية هو تجسيد صارخ لأزمة الاختصاص. فالمصرف المركزي هو عقل النظام المالي، وليس ذراعه التشغيلية المباشرة. وظيفته حماية العملة، إدارة الاحتياطي، وضبط إيقاع السوق عبر أدوات نقدية معقدة.
أما المصارف التجارية، فهي التي تتعامل مع النشاط اليومي للمواطنين، من إيداع وسحب وتحويلات وتمويل للأنشطة الاقتصادية.” وأضاف أن تحميل المركزي مسؤولية تمويل العجز أو توزيع الثروة مباشرة يدمّر استقلاليته ويحوّل السياسة النقدية إلى أداة شعبوية قصيرة النفس، مما يقوّض ثقة المستثمرين ويفقد الدينار قيمته الحقيقية.
وشدد على أن هذا التداخل يحدث تشويهاً مزدوجاً: فالمواطن يعتقد أن المركزي مقصّر في تقديم الخدمات، والمركزي نفسه يبتعد عن مهمته الأساسية في حماية الاقتصاد الكلي.
القطاع الخاص شريك لا تابع
ولم يقتصر التحذير من تداخل الاختصاصات على المؤسسات السيادية فحسب، بل امتد ليشمل علاقة الدولة بالقطاع الخاص. وأوضح عصر أن “وضوح الاختصاص يعني أن تدرك الحكومة أنها المخطط والمراقب والممكن للبيئة الاستثمارية، بينما القطاع الخاص هو المحرك الأساسي للنمو وخلق فرص العمل. عندما تبدأ الحكومة في مزاحمة القطاع الخاص في تجارته، أو يتحول رجال الأعمال إلى وكلاء لتنفيذ سياسات حكومية غير مدروسة، فإننا بذلك نكون قد أجهضنا مبدأ التخصص الاقتصادي الذي تقوم عليه أضخم التجمعات المالية في العالم.”
وأشار إلى أن الدول النامية التي تخلط بين دور المنظم ودور اللاعب، ينتهي بها الحال إلى أسواق مشوهة، واحتكارات هجينة، واقتصاد ريعي لا ينتج سوى التبعية.
نحو إعادة بناء ثقافة الحدود المؤسسية
وبنبرة جمعت بين التحذير والأمل، أوضح عصر أن الإصلاح الحقيقي في ليبيا لا يبدأ بضخ المليارات، بل بإعادة بناء ثقافة الاختصاص من القاعدة إلى القمة.
وقال: “نحتاج إلى مؤسسات تعرف حدودها الدستورية والقانونية بمنتهى الدقة ولا تتجاوزها، إلى مسؤول يدرك أن سلطته تنبع من التزامه بدوره لا من التعدي على أدوار غيره، وإلى مواطن يفهم كيف تعمل دولته، فيحاسب على الأساس الصحيح.”
وأشار إلى أن الرقابة الحقيقية تولد عندما يعرف الجمهور أن فشل مشروع طاقة سببه خلل في جهاز التخطيط وليس في أداة التنفيذ، أو أن التضخم سببه قرار نقدي خاطئ وليس تقصيراً في الاستيراد.
وأضاف: “الدولة الحديثة ليست دولة الصوت الأعلى في الجدل، بل دولة المؤسسة الأقوى في اختصاصها. كلما احترمت الدولة تخصصات أبنائها، فتحت الطريق للاستقرار والنمو المستدام. أما حين يختلط الاختصاص، تضيع المسؤولية، وتبدأ الفوضى الإدارية المزمنة، ومن ثم، تضيع الدولة بأكملها.”



