ليبيا

شبح إيبولا يطرق أبواب الكفرة: تقاعس حكومة الدبيبة يعيد فتح جرح الإهمال الصحي في الجنوب

الصحة ترفع الرقابة جنوباً بعد تحذيرات إيبولا قرب الحدود

ليبيا 24:

ليبيا خالية من إيبولا رغم تسجيل إصابات قرب الحدود

في قلب الصحراء الليبية الممتدة، حيث تذوب الجغرافيا في صمت الرمال وتتقاطع مسارات القبائل مع ممرات التهريب والهجرة غير الشرعية، تتحول مدينة الكفرة من واحة حدودية نائية إلى خط الدفاع الأول عن أمن ليبيا الصحي.

وعلى وقع تحذيرات صحية متواترة من تسجيل إصابات بفيروس إيبولا في مناطق تقع على التماس المباشر بين تشاد والنيجر، تسود حالة من الترقب المشوب بالغضب بين سكان المدينة، الذين يرون أن حكومة عبدالحميد الدبيبة، منتهية الولاية، تكتفي ببيانات التطمين فيما تغض الطرف عن الانهيار الممنهج للمنظومة الصحية في الجنوب.

هذه ليست مجرد متابعة روتينية لتطور وبائي عابر. إنها ساعة اختبار حقيقية لمدى قدرة الدولة على حماية مواطنيها في مناطق ظلت لعقد من الزمن مهمشة في أولويات الحكومات المتعاقبة، لتجد نفسها اليوم أمام خطر فيروسي لا يرحم، فيما تتصارع حكومتان على الشرعية في مشهد يعمق من هشاشة الجبهة الداخلية.

تحذيرات من عمق الصحراء وقلق يتسلل إلى الكفرة

بدأت القصة حين أصدر مكتب الإصحاح البيئي في مدينة الكفرة بياناً مقتضباً حمل نبرة الإنذار أكثر مما حمل لغة التطمين.

فقد تحدث البيان عن ورود معلومات صحية تفيد بتسجيل حالات إصابة مؤكدة بفيروس إيبولا في مناطق حدودية بين النيجر وتشاد، وهي مناطق لا تبعد عن البوابة الجنوبية لليبيا سوى بضع مئات من الكيلومترات، مسافة يمكن لتحركات المهاجرين ورعاة الماشية وحتى الرياح الموسمية أن تختزلها في أيام.

وطالب البيان المسافرين بـ«الالتزام بالإرشادات الصحية» وتجنب التوجه إلى بؤر الانتشار، وأعاد التذكير بالأعراض التي يحفظها الليبيون عن ظهر قلب منذ موجات تفشي الحمى النزفية في غرب إفريقيا: ارتفاع حاد في درجة الحرارة، صداع يسحق الرأس، آلام مبرحة في العضلات، ضعف عام يتحول سريعاً إلى إنهاك، ثم قيء وإسهال قد يتطوران إلى نزيف داخلي وخارجي يرسم مشهداً مأساوياً لا تخطئه العين.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تحولت التحذيرات من بيانات رسمية حذرة إلى سيل من التدوينات الصوتية والمرئية التي تربط بين الهجرة غير الشرعية القادمة من دول الساحل الإفريقي واحتمال تسلل الوباء عبر الجسد الليبي المنهك.

وتداول ناشطون خرائط توضح خط سير المهاجرين من أبشي في تشاد وزيغينشور في النيجر نحو الكفرة، وكأنهم يرسمون باللون الأحمر طريقاً مفترضاً للفيروس.

تطمينات رسمية تثير القلق بدلاً من أن تبدده

في المقابل، سارع المركز الوطني لمكافحة الأمراض، فرع الكفرة، إلى إصدار بيان مضاد، أكد فيه أن الوضع الوبائي داخل ليبيا «مستقر وآمن»، وأنه لم تُسجل أي إصابة بفيروس إيبولا حتى اللحظة.

ودعا المركز المواطنين إلى «عدم الانجرار وراء الشائعات»، مشدداً على متابعة البيانات الصادرة عن الجهات الرسمية فقط، وكاشفاً عن تنسيق مستمر مع منظمة الصحة العالمية في إطار إجراءات احترازية قال إنها تستهدف حماية الصحة العامة وتعزيز الجاهزية.

غير أن هذا الخطاب الرسمي، الذي يفترض أن يبعث على السكينة، تحول في شوارع الكفرة ومقاهيها إلى مادة للسخرية المرة.

فالمواطن الذي اعتاد على وعود الحكومات المتعاقبة، يرى في نفي الإصابات مجرد محاولة لتجنب الذعر قبل أن يكون انعكاساً لواقع ميداني.

فكيف لحكومة لا تسيطر فعلياً على المعابر الجنوبية، ولا تملك سجلاً حافلاً في سرعة الاستجابة الوبائية، أن تقطع بعدم وجود إصابات في بلد تتدفق إليه أفواج المهاجرين دون أي فحص صحي يُذكر؟

الكفرة.. معبر الأوبئة المنسي في حسابات طرابلس

لفهم عمق الهوة بين البيانات الرسمية وواقع الحال، يكفي أن نلقي نظرة على الموقع الجغرافي لمدينة الكفرة.

تقع الواحة في الركن الجنوبي الشرقي من ليبيا، وتشكل نقطة التقاء استراتيجية لطرق التجارة والتهريب والهجرة غير الشرعية القادمة من تشاد والنيجر والسودان.

إنها البوابة الصحراوية الكبرى التي يعبرها سنوياً عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين الباحثين عن حلم العبور إلى الشمال ومنه إلى الضفة الأخرى من المتوسط.

وتضم المدينة واحداً من أكبر مراكز احتجاز المهاجرين في الجنوب الليبي، وهو المركز الذي طالما شكا نزلاؤه من اكتظاظ يفوق الخيال وغياب شبه تام للخدمات الصحية.

في هذه البيئة، يختلط القادمون من بؤر وبائية محتملة مع السكان المحليين في الأسواق والمساجد ومحطات الوقود، قبل أن يستأنفوا رحلتهم شمالاً، حاملين معهم، إضافة إلى حلم الهجرة، ما قد تحمله أجسادهم من أمراض لا ترى بالعين المجردة.

وتشير تقارير ميدانية غير رسمية إلى أن غالبية المهاجرين الذين يصلون إلى الكفرة لم يخضعوا لأي فحص طبي يذكر على طول الطريق الذي يقطعونه سيراً على الأقدام أو في شاحنات مكتظة.

وتتحرك هذه القوافل البشرية في مساحات صحراوية شاسعة يصعب على أي جهة أمنية أو صحية مراقبتها، خصوصاً مع انشغال التشكيلات المسلحة التي تسيطر على تلك المسارات بجباية أموال التهريب بدلاً من فرض إجراءات الحجر الصحي.

أصوات من الشارع: بين الخوف والغضب من حكومة منتهية الولاية

في جولة ميدانية افتراضية على مقاهي الكفرة وأسواقها، تتجمع أصوات الأهالي لتشكل لائحة اتهام عريضة ضد حكومة الدبيبة.

يقول الحاج محمد السنوسي، تاجر التمور الذي قضى ستة عقود من عمره في الواحة: «منذ سنوات ونحن نصرخ في واد، وطرابلس في واد آخر.

كلما ظهر خطر صحي في الجوار تذكرتنا الحكومة ببيان، ثم نسيتنا تماماً.

أين الكوادر الطبية؟ أين أجهزة الكشف الحراري؟ أين نقاط الحجر الصحي؟ لا شيء، فقط الرمال وجثث المهاجرين التي تبتلعها الصحراء.»

أما الدكتورة فاطمة الزهراء، وهي طبيبة عامة تعمل في مستشفى الكفرة العام، فتكشف عن معاناة يومية أعمق: «نحن نعمل في ظروف أقرب إلى الطب الميداني في مناطق الحروب.

لا نملك بدلات واقية كافية، ولا معامل تحليل متخصصة. إذا وصلت إلينا حالة إيبولا واحدة، فإن أول من سيسقط هو الطاقم الطبي، ولن يكون هناك من يعالج بقية المرضى.

الحكومة تتحدث عن التنسيق مع منظمة الصحة العالمية، لكننا على الأرض لم نرَ أي أثر لذلك التنسيق.»

ويزيد الشاب إبراهيم، وهو سائق شاحنة يقطع الطريق بين الكفرة وسبها، من حدة النبرة: «كل يوم تمر أمامي قوافل المهاجرين دون أن يسألهم أحد عن صحتهم.

المسؤولون في طرابلس منشغلون بكراسيهم. الدبيبة يقول إنه رئيس حكومة، لكن أهل الكفرة يعرفون أنه لا يحكم هنا، وأن ولايته انتهت منذ سنوات، لماذا نصدق تطميناته وهو لم يزر الجنوب مرة واحدة منذ توليه؟»

وفي مجلس وجهاء قبيلة التبو في الكفرة، يرتفع صوت الحكيم موسى تبو ليشرعن الغضب الشعبي بلغة سياسية: «حكومة الدبيبة منتهية الولاية، وتفتقر إلى الشرعية الدستورية التي تسمح لها باتخاذ قرارات مصيرية تمس صحة الليبيين. نحن نطالب الجهات الصحية في المنطقة الشرقية بتحمل مسؤولياتها، وألا ننتظر قرارات من سلطة أمر واقع لا تمثلنا.»

السياسة تسبق الصحة: حين يتحول الوباء إلى ورقة تفاوض

خلف المشهد الصحي المباشر، تتخفى أبعاد سياسية وأمنية تجعل من الخطر الوبائي ورقة ضغط محتملة في لعبة الأمم. فحكومة الدبيبة، التي تواجه أزمة شرعية مزمنة منذ فشل الانتخابات في ديسمبر 2021، وجدت في ملف الهجرة غير الشرعية مدخلاً للتقارب مع العواصم الأوروبية، وخصوصاً روما وباريس، مقابل دعم مالي واستخباري يساعدها في البقاء على رأس السلطة.

وتشير وثائق دبلوماسية مسربة وتحليلات مراكز أبحاث غربية إلى أن طرابلس تلقت مئات الملايين من اليوروهات في إطار ما يُسمى بـ«إدارة تدفقات الهجرة»، وهو ما خلق اقتصاداً سياسياً مشوهاً يجعل من بقاء تدفق المهاجرين، وليس وقفه، مصلحة عليا لجهات متنفذة داخل حكومة الوحدة الوطنية.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن أي إجراء صحي صارم على الحدود الجنوبية، مثل فرض حجر صحي إلزامي أو إغلاق المعابر، قد يضر بـ«اتفاقيات الهجرة» غير المعلنة، وهو ما يفسر، في جزء منه، البطء الحكومي المريب في التعاطي مع التحذيرات المتكررة.

ويقول عبدالعزيز الزقم، المحلل السياسي: «حكومة الدبيبة تنظر إلى الكفرة وإلى كامل الجنوب بمنظار المرتزقة السياسي: لا قيمة للمنطقة إلا بقدر ما تدره من أموال عبر ملف الهجرة والنفط. الأمن الصحي للمواطن الليبي يأتي في ذيل قائمة الأولويات، إن أتى أصلاً وعندما تتصادف هذه الحسابات الضيقة مع خطر بيولوجي كإيبولا، فإننا نقف على حافة كارثة.»

هاجس الهجرة غير الشرعية وتمويلات دولية مشبوهة

لا يمكن عزل التهديد الوبائي عن السياق الأوسع لتدفق المهاجرين غير النظاميين. فمدينة الكفرة ليست مجرد نقطة عبور، بل صارت في السنوات الأخيرة محطة تجميع وتخزين بشري، قبل أن يُعاد توزيع المهاجرين نحو الساحل في عمليات تشرف عليها مليشيات تتبع اسمياً لحكومة الدبيبة، وتستفيد مالياً من الاتفاقيات المبرمة مع المنظمات الدولية التي تتخذ من طرابلس مقراً لها.

وتفيد شهادات جمعتها منظمات حقوقية أن بعض مراكز الإيواء أشبه ببؤر صحية كارثية تنتشر فيها الأمراض الجلدية والتنفسية، وتندر فيها المياه النظيفة.

ومع ظهور خطر إيبولا على مسافة غير بعيدة، تتعالى التساؤلات حول مصير آلاف المهاجرين المحتجزين في تلك المراكز، وما إذا كانوا سيتحولون إلى وقود لتفشٍ وبائي يلتهم المدينة أولاً، ثم يمتد شمالاً إلى باقي المدن الليبية.

وتحذر باحثة في علم الأوبئة، من مغبة الركون إلى التطمينات: «فيروس إيبولا لا يحتاج إلى جواز سفر.

يكفيه حامل بشري واحد يعبر الحدود دون أن تظهر عليه الأعراض في مرحلة الحضانة التي قد تصل إلى واحد وعشرين يوماً.

في ظل غياب منظومة ترصد وبائي فعالة، قد نكتشف أول حالة بعد أن يكون الفيروس قد انتقل بصمت إلى العشرات. الكارثة ليست في وصول الوباء، بل في إنكارنا لهشاشتنا.»

الجنوب بين حكومتين وعجز صحي مزمن

الواقع الصحي في الجنوب الليبي مأساوي بذاته، حتى قبل أن يُذكر اسم إيبولا، مستشفيات الكفرة وسبها ومرزق وأوباري تعاني نقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات الطبية، وتعتمد في كثير من الأحيان على تبرعات الأهالي والمغتربين.

أطباء اختصاصيون هاجروا إلى الخارج أو إلى مدن الشمال هرباً من تدني الرواتب وانعدام الأمن، فيما تكتظ الأقسام الباطنية بمرضى السكري والضغط والفشل الكلوي الذين يجدون في غسيل الكلى معركة شهرية.

وفي خضم هذا الفراغ، كثيراً ما يضطر المواطن البسيط إلى التنقل بين سلطتين للحصول على وصفة طبية أو لقاح أو تحويلة للعلاج في الخارج، في مشهد عبثي يكرس معاناة إنسانية لا تطاق.

ويزيد من تعقيد المشهد أن التمويلات الدولية التي تصل إلى ليبيا لأغراض صحية تمر في أغلبها عبر قنوات حكومة الدبيبة في طرابلس، بينما يُترك الجنوب والشرق للاجتهادات المحلية.

ويرى متابعون أن هذا التوزيع غير العادل للموارد الصحية هو أحد الأسباب الخفية وراء ضعف الجاهزية في الكفرة، المدينة التي تشهد أكبر تدفق بشري من مناطق موبوءة محتملة.

شهادات ميدانية: هل نحن أمام كارثة محدقة؟

في محاولة لاستشراف ما هو قادم، تحدث مراسلنا إلى مقدمي خدمات صحية في الخطوط الأمامية.

يقول الممرض عبدالباسط، الذي يعمل في مركز رعاية صحية أولية على أطراف الكفرة: «كل يوم يأتينا مهاجرون من جنسيات مختلفة يشكون من حمى وإسهال.

لا نملك إمكانية تشخيص إيبولا. نعالج الأعراض ونعطيهم باراسيتامول ونطلب منهم العودة. هل تعلم ماذا يعني ذلك؟ قد يكون بينهم مصاب ونحن لا نعلم، وسينام في العراء قرب البيوت.»

وعلى الجانب الآخر، ينشط شباب متطوعون في توعية الأهالي عبر مكبرات الصوت في المساجد والجوامع، يحذرون من الاختلاط بالمهاجرين غير الشرعيين ويدعون إلى الإبلاغ عن أي حالة اشتباه. ويقول خالد، أحد هؤلاء الشباب: «نحن نملأ الفراغ الذي تركته الدولة. نعتمد على أنفسنا.

الحكومة التي تتحدث عن متابعة لا نراها هنا، لو ظهرت حالة إيبولا، فسندفن موتانا بأيدينا كما اعتدنا في الأزمات السابقة.»

مطالب شعبية عاجلة وانتقاد لاذع لسياسات الدبيبة

من قلب المعاناة، يخرج صوت الشارع الليبي بمطالب واضحة لا تحتمل التأجيل، يطالب الأهالي بفرض رقابة صحية فعلية على جميع المعابر الحدودية مع تشاد والنيجر والسودان، وتزويدها بكاشفات حرارية وفرق طبية متخصصة، وإنشاء مركز حجر صحي إقليمي في الكفرة يكون قادراً على استيعاب الحالات المشتبه بها وعزلها بعيداً عن التجمعات السكنية.

كما ينادي النشطاء بوقف فوري لأي تنسيق مع حكومة الدبيبة في الملف الصحي، والاعتماد على المؤسسات الصحية التابعة للقيادة العامة للقوات المسلحة والحكومة الليبية، إلى حين تشكيل حكومة موحدة تحظى بشرعية برلمانية وشعبية.

ويرى هؤلاء أن استمرار التعامل مع سلطة منتهية الولاية في ملف حساس كالأمن الصحي هو انتحار جماعي بطيء.

ويقول المحامي والناشط الحقوقي أحمد الشريف: «ما يحدث في الجنوب هو انعكاس لفشل المشروع السياسي الذي يقوده الدبيبة بدعم خارجي.

هذا الرجل لا يملك أي سند دستوري، ومع ذلك يتحكم في موارد الدولة ويوزعها على جماعات مسلحة تحميه، فيما يموت الليبيون في الجنوب من أمراض يمكن الوقاية منها.

نحن نحمّله شخصياً مسؤولية أي تفشٍ وبائي، لأنه يقود سفينة بلا ربان في بحر من الفوضى.»

دروس من الماضي: عندما تضيع التحذيرات في صحراء الإهمال

ليس خطر إيبولا هو الأول من نوعه الذي يهدد ليبيا عبر بوابة الجنوب، فقد سبق أن حذرت جهات صحية من تفشي الكوليرا والحمى الصفراء والديفتيريا وحتى فيروس كورونا عبر مسارات الهجرة نفسها.

وفي كل مرة، كانت التطمينات الرسمية تتصدر المشهد، ثم ما تلبث أن تنكشف محدودية الإجراءات المتخذة، ليُترك المواطن وحده في مواجهة الفيروس.

وتكشف سجلات منظمة الصحة العالمية عن أن ليبيا صُنفت مراراً ضمن الدول الأكثر عرضة لخطر انتشار الأوبئة بسبب ضعف البنية التحتية الصحية واستمرار النزاع المسلح وانقسام المؤسسات.

 غير أن شيئاً من هذه التحذيرات لم يُترجم إلى سياسة وطنية عابرة للحكومات، واليوم، عندما يُذكر إيبولا، يستعيد الليبيون ذاكرة موجات الرعب التي ضربت غرب إفريقيا بين عامي 2014 و2016، ويتساءلون: هل سنكون نحن الوجهة القادمة للفيروس؟

أمن ليبيا الصحي لا يحتمل حسابات السياسة

في نهاية المطاف، يظل خطر فيروس إيبولا القادم من تخوم تشاد والنيجر اختباراً حقيقياً ليس فقط لمناعة الليبيين، بل لمناعة الدولة الليبية ذاتها.

فالدولة التي لا تستطيع حماية حدودها من تسلل وباء مميت، هي دولة فقدت أحد أهم عناصر سيادتها.

والدولة التي تكتفي بإصدار بيانات التطمين بينما يعيش مواطنوها على حافة الهاوية، هي دولة تراهن على حظوظ ضئيلة في زمن الجوائح.

واليوم، يقف الليبيون في الجنوب صفاً واحداً، متجاوزين انقسامات السياسة، متسلحين بوعي مجتمعي وإرادة صلبة، في مواجهة عدو لا يُرى بالعين المجردة.

لكنهم يعرفون، أكثر من أي وقت مضى، أن أخطر وباء يهددهم ليس إيبولا وحده، بل وباء الإهمال والتقاعس الرسمي الذي تقوده حكومة منتهية الولاية، غارقة في صراع البقاء على كراسي لا شرعية لها.

إن استمرار عبدالحميد الدبيبة في السلطة دون غطاء دستوري، وتوظيفه للملف الصحي كورقة في لعبة الأمم، يمثل خطراً مضاعفاً: خطر الوباء البيولوجي القادم من الجنوب، وخطر انهيار ثقة المواطن في أي سلطة تدّعي أنها تحميه.

وبين هذا وذاك، تبقى الكفرة، حارسة الصحراء المنسية، تترقب المجهول بعيون مفتوحة على اتساع الأفق، وبقلوب تختزن غضباً عظيماً من طرابلس التي لا تسمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى