ليبيا

قافلة الصمود 2.. حين استُبيحت السيادة تحت شعار الغوث والدماء لم تصل غزة بل كادت تُلهب ليبيا

ارتفاع طفيف في أسعار الذهب وسط ترقب اتفاق أمريكي إيراني ومخاوف التضخم

ليبيا 24:

فشل قافلة الصمود 2 في تجاوز خط التماس الليبي

من غابة الجودايم في الزاوية إلى مشارف سرت حيث تلامس الرمال خط وقف إطلاق النار، لم تكن رحلة «قافلة الصمود 2» مجرد قافلة إنسانية عابرة للحدود، بل كانت شريطاً من التحركات المحسوبة بدقة، والخطابات الملهبة، ومحاولات فرض الأمر الواقع على دولة ما تزال تمسك بتوازنها بصعوبة على حافة الفوضى.

وبعد أيام من الاعتصام والشد والجذب الإعلامي والقانوني، انتهى المشهد بعودة مئات الأجانب إلى بلدانهم، لتبقى ليبيا وحدها تواجه تداعيات ما جرى، بينما يلوك ناشطو القافلة رواية «الانتهاك» دون أن يقدّموا اعتذاراً واحداً للشعب الليبي عن تحويل أرضه إلى ساحة صراع ناعم.

من رأس جدير إلى الزاوية: دخول بلا استئذان

قبل أن تطأ أقدام المشاركين في القافلة الأراضي الليبية عبر منفذ رأس جدير، كانت الأسئلة السيادية مشروعة: من منح هؤلاء التأشيرات؟ ومن نسق دخولهم مع الجهات المختصة؟ ومن يتحمل مسؤوليتهم القانونية والأمنية طوال مكوثهم؟ لم تصدر حتى ساعة وصولهم أي إجابة من حكومة الدبيبة منتهية الولاية التي تدير المعابر اسمياً، والتي بدت وكأنها تفتح أبواب البلاد لمئات الأجانب القادمين من أكثر من خمس وعشرين دولة، تحت شعار التضامن مع غزة، دون أدنى تنسيق معلن مع مصر أو أي من دول الطوق.

أولئك الذين تابعوا القافلة منذ لحظة دخولها لاحظوا أن أنظار المشاركين لم تكن مصوبة نحو غزة بقدر ما كانت مصوبة نحو الإعلام والتموقع داخل ليبيا.

فور وصولهم إلى مدينة الزاوية، نُصبت الخيام في غابة الجودايم، ووُزعت شرائح اتصال من شركة «ليبيانا»، وتوفرت معدات تخييم وخدمات لوجستية بدت مُعدة مسبقاً، في مشهد لا يشبه عفوية قافلة مدنية طارئة، بل يُشبه حركة منظمة تعرف جيداً إلى أين تسير، وتعرف أكثر ماذا تريد قبل أن تصل.

لعبة التوقيت الملتهب: عبور المدن المضطربة بثبات غريب

الليبي العادي، حين تشتعل الاشتباكات في محيطه، يلوذ ببيته ويتجنب التحرك. أما قافلة الصمود 2، فقد دخلت مدينة الزاوية بعد موجة عنف دامية هزتها، وتموضعت فيها دون وجل.

وبعد أيام، حين اشتعل الوضع في طرابلس ووصل الأمر إلى حرق مقر حكومة الدبيبة منتهية الولاية بطريق السكة، واصلت القافلة تحركها شرقاً بثبات لا يُفسر إلا بوجود ترتيبات واتصالات مسبقة مع جهات نافذة على الأرض، أو بقراءة دقيقة لخريطة النفوذ والتوتر تفتقر إليها أي مبادرة إنسانية حقيقية.

هذه المفارقة تعززت أكثر عند الوصول إلى مشارف مدينة مصراتة، القافلة لم تبت فيها، بل عبرت ليلاً وبسرعة، متجنبة أي احتكاك مع سكان المدينة الذين عبّر كثير منهم عن رفضهم تحويل منطقتهم إلى ممر قسري لتحرك غير منضبط.

مصراتة التي طالما كانت حاضنة للثوابت الوطنية، رفضت أن تكون محطة عبور دون غطاء رسمي واضح، وأوصد مجلسها البلدي الباب في وجه أي وجود غير منسق، في موقف أثلج صدور كثير من الليبيين الذين يرون في مؤسساتهم المنتخبة خط الدفاع الأول عن السيادة.

سرت وخط وقف النار: حيث سقط القناع

عندما أعلنت القافلة نيتها التمركز في المنطقة المقابلة لسرت، داخل الشريط الفاصل المرتبط باتفاق وقف إطلاق النار الموقع سنة 2020، انتقل الأمر من كونه مبادرة إغاثية مثيرة للجدل إلى كونه تهديداً مباشراً لأحد أكثر الخطوط حساسية في ليبيا.

إن المنطقة العازلة التي أوقفت حرباً كادت تلتهم البلاد، وتخضع لترتيبات أمنية تراقبها أطراف دولية، لا يمكن أن تتحول إلى ساحة اعتصام أجنبي مفتوح، أو إلى منصة لخطابات تصف سرت بأنها «حدود إسرائيل داخل ليبيا» كما فعل بعض المحسوبين على القافلة في تصعيد إعلامي خطير.

وهنا تدخلت القوة الأمنية التابعة لجهاز القاطع الحدودي الأول بالمنطقة الوسطى، الخاضع لإمرة محمد أرفيدة، لإنهاء هذا الوضع غير القانوني.

المتابع للمشهد بتجرد سيجد أن القوة لم تتعامل مع القافلة منذ البداية بمنطق الصدام؛ بل منحتها ما يقرب من تسعة أيام وهي تؤمن مخيمها في بويرات الحسون، في انتظار أن يجد المنظمون مخرجاً قانونياً أو تفاهمات تمكنهم من استكمال المسار.

لكن بدل البحث عن مخارج، تصاعدت خطابات التحشيد والتهديد، وظهرت دعوات صريحة لاقتحام مدن ليبية بالقوة، وتحويل خط التماس إلى ساحة مواجهة إعلامية وسياسية.

سلوكيات ميدانية وخطاب تحريضي: حين تكلم «الملثم القائد المعظم»

المشهد الأكثر إثارة للاستفزاز تمثل في ذلك البيان المصور الذي تناقله رواد مواقع التواصل، حيث تولى مواطن جزائري تمثيل القافلة ليوجه هجوماً لاذعاً ضد سكان برقة، واصفاً إياهم بالعملاء والمتخاذلين.

الخطاب لم يخل من استعراضات أدائية؛ أشاد المتحدث بـ «الملثم القائد المعظم»، وحاول إعطاء الليبيين دروساً في نصرة القضايا الإسلامية، مستخدماً لغة جسد هجومية تمثلت في رفع السبابة بشكل تهديدي، في إشارة تكتيكية مألوفة ترمز إلى نزع صمام الأمان تمهيداً لإطلاق النار.

هذا الخطاب لم يكن معزولاً؛ بل جاء تتويجاً لسلسلة من التصريحات التي تعاملت مع ليبيا وكأنها ولاية تابعة، لا دولة ذات سيادة.

والسؤال الذي وجهه ليبيون غاضبون في وسائل التواصل: «أين من قالوا لهم أطيح عليكم إرشادة تلقونا بحداكم؟»، كان تعبيراً موجعاً عن شعور عميق بأن هؤلاء القادمين لم يأتوا لدعم قضية، بل لركوب موجة وتجييش عواطف، ثم ترك الليبيين وحدهم يواجهون العواقب.

الحكومة الليبية ترسم الحدود: السيادة فوق العاطفة

في وقت ساد فيه الصمت المريب من حكومة الدبيبة، جاء البيان الأول من وزارة الخارجية بالحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد ليعيد الأمور إلى نصابها السيادي.

البيان الذي أكد الدعم التاريخي والثابت للقضية الفلسطينية ورفض التطبيع، شدد في الوقت نفسه على أن أي تحركات داخل الأراضي الليبية يجب أن تكون ضمن الضوابط الرسمية والتنسيق مع الجهات المختصة.

وكشفت الوزارة أنها تواصلت مع السلطات المصرية التي أفادت بأن الدخول عبر معبر رفح الإنساني يقتصر على حاملي الجنسية الليبية فقط، وبضوابط محددة، مع ضرورة التزام المشاركين الأجانب بالإجراءات القانونية والتأشيرات المسبقة.

هذا الموقف الرسمي شكل ضربة قاسية لشرعية القافلة، وأظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن الرهان على تجاوز مصر دون تنسيق كان وهماً، وأن الطريق الذي سلكته القافلة كان سيصل إلى طريق مسدود حتماً، حتى لو تمكنت من عبور المنطقة العازلة.

بيان وزارة الخارجية تلاه بيان متوافق من جمعية الهلال الأحمر الليبي، الذي أكد أن أي عمليات إغاثة عابرة للحدود تحتاج إلى موافقات رسمية من الجانبين الليبي والمصري، وأن دور الهلال يقتصر على استلام المساعدات والتنسيق بشأنها وفق الأطر القانونية.

بهذا، أسقطت البيانات الرسمية الغطاء الإنساني الذي تدرعت به القافلة.

صوت الشارع: غزة في القلب وليبيا خط أحمر

في جولة ميدانية على آراء المواطنين، كان الإجماع واضحاً: القضية الفلسطينية قضية ليبيا الأولى، لكن ليس على حساب السيادة.

أحمد الفيتوري، وهو طبيب من بنغازي ومتطوع سابق في حملات إغاثة دولية، قال لـ «ليبيا 24»: «أنا دعمت غزة بمالي ودعائي وصوتي في كل منبر، لكن ما حدث مع القافلة كان استخفافاً بعقولنا.

 كيف نقبل أن يدخل مئات الأجانب دون تأشيرات واضحة ودون معرفة أجنداتهم الحقيقية؟ ومن يضمن أن بعضهم ليسوا منظمين لخلايا نائمة كما حدث أيام داعش؟».

في طرابلس، رغم سيطرة حكومة الوحدة منتهية الولاية، عبّر مواطنون عن امتعاضهم من تحويل مدينتهم إلى معبر فوضوي.

سعاد القماطي، وهي موظفة في القطاع العام، علقت بقولها: «نحن مع فلسطين حتى آخر رمق، لكن ليبيا اليوم تحتاج إلى الاستقرار كي نتمكن من دعم الآخرين.

ما فائدة أن نتحول إلى ساحة عبث ثم نترك لقمة سائغة للأطماع؟ حكومتنا في طرابلس لم تحرك ساكناً، وكأنها تريد إغراق الشرق بمشكلة جديدة».

أما في مصراتة، فقد كان الرفض الشعبي حاسماً وقال المبروك الزروق، عضو في لجنة الإغاثة ببلدية مصراتة: «موقفنا من القافلة كان سيادياً بحتاً.

نحن من أكثر المدن دعماً لفلسطين، لكن لا نقبل أن تفرض علينا أجندات من الخارج دون تنسيق مع مجلسنا المنتخب.

وجودهم ليلاً وعبورهم السريع دليل أنهم يعرفون أننا نرفضهم».

في الشرق كان الموقف أكثر وضوحاً. فاطمة العبيدي، وهي ناشطة حقوقية من طبرق، شددت على أن «ما قامت به القوات المسلحة من إيقاف القافلة وتأمين خروجها، هو دفاع عن السيادة قبل أن يكون إجراءً أمنياً.

نحن نعرف جيداً أن سرت كانت ضحية للفوضى والأجندات الأجنبية سابقاً، ولا يمكن السماح بتكرار السيناريو».

وأضاف عثمان الفاخري، وهو ضابط متقاعد من الجيش الوطني: «المنطقة العازلة خط أحمر. القوات التي أوقفتهم كانت تقوم بواجبها.

من يتحدث عن انتهاكات فليقدم الأدلة للمحاكم، لكن لا يمكن أن نسمح بأن تتحول ليبيا إلى ثكنة للمرتزقة تحت أي غطاء».

الأبعاد القانونية والأمنية: تجاوزات تستوجب التحقيق

من منظور قانوني وأمني، تثير قافلة الصمود 2 جملة من الإشكاليات العميقة التي تستدعي فتح تحقيق موسع.

أولها، تنظيم اعتصام وتحركات جماعية لأجانب دون إخطار السلطات أو الحصول على موافقات رسمية، وهو ما يخالف القوانين الليبية المنظمة لدخول وإقامة الأجانب.

ثانيها، التحرك داخل منطقة عسكرية حساسة مرتبطة باتفاق دولي لوقف إطلاق النار، ما يشكل تهديداً للأمن القومي وقد يرقى إلى عمل يمس سلامة الدولة.

ثالثها، استخدام تجهيزات اتصالات وشعارات لشركات ليبية دون تراخيص أو تنسيق، مما يطرح تساؤلات حول هوية المتعاونين المحليين ومدى إخلالهم بالأمن.

أما الادعاءات التي أطلقها منظمو القافلة بشأن «خطف عشرة أطباء» على يد قوات تابعة للجيش الوطني، فقد أكد مصدر أمني مسؤول في الحكومة الليبية أن الأمر لا يتجاوز إجراءات قانونية روتينية.

وأوضح المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن الأطباء دخلوا البلاد بطرق غير نظامية، وجرى إيقافهم للتحقق من هوياتهم وتبيان الأغراض الحقيقية لدخولهم، وسيتم الإفراج عنهم فور استكمال التحقيقات بما يضمن عدم وجود أي تهديد.

وأضاف: «ليبيا تتعامل بمسؤولية ولا تخطف أحداً. من يعمل في المجال الإنساني نرحب به، ولكن عبر القنوات الرسمية».

بيان القافلة الأخير الذي هدد بملاحقات قضائية دولية، اعترف ضمناً بأن القافلة ظلت متمركزة قرب منطقة تماس محظورة، وأنها مارست ضغوطاً دبلوماسية وإعلامية على ليبيا، وهو ما تقرأه أوساط قانونية ليبية بأنه تدخل سافر في الشؤون الداخلية.

ويقول المحلل السياسي عبدالعزيز الزقم، إن «أي مجموعة أجنبية تدخل أراضي دولة دون إذن مسبق، وتنشئ مخيماً قرب منطقة عسكرية، وتضغط على تلك الدولة عبر سفارات أجنبية، ترتكب مخالفات سيادية جسيمة.

يحق لليبيا تقديم شكوى مضادة أمام المحاكم الدولية بتهمة تهديد أمنها واستقرارها».

بين غزة وسوريا ولبنان: الجغرافيا البديلة التي تم تجاهلها

سؤال ظل يتردد في الأوساط الليبية: إذا كان الوصول إلى فلسطين هو الهدف الحقيقي، فلماذا الإصرار على الطريق الغربي الأصعب والأكثر حساسية، في وقت توجد طرق أخرى أكثر مباشرة وأقل تكلفة سياسية؟ فجزء من المشاركين معروف بانتمائه إلى تيارات الإسلام السياسي، وهناك اليوم سلطة جديدة في سوريا توصف بقربها من هذا التيار، وسوريا تملك حدوداً برية مع فلسطين المحتلة.

وفي المقابل، يوجد من داخل القافلة من يعلن دعمه لمحور المقاومة، بينما جنوب لبنان يمثل جبهة تماس مباشرة. فلماذا ترك هذه المسارات والتوجه نحو ليبيا؟

الإجابة عند كثير من المحللين السياسيين الليبيين أن الهدف لم يكن غزة في حد ذاتها، بل «التموضع» داخل ليبيا وإنتاج مشهد إعلامي وسياسي.

إن إرسال قافلة عبر ليبيا يخدم عدة أغراض: جر ليبيا إلى مربع الصدام مع مصر، وإشعال خطاب الانقسام بين الشرق والغرب، واختبار إمكانية إعادة إحياء ممرات تهريب ونفوذ عبر الصحراء، وتقديم أوراق ضغط في أي تفاوض إقليمي مستقبلي.

القافلة السابقة التي حملت الاسم نفسه انتهت بالطريقة ذاتها: بقاء في ليبيا ثم عودة إلى بلدان المشاركين، فلماذا التكرار إذن إن لم تكن هناك أهداف خفية؟

الدرس السيادي: لا مساس بليبيا حتى تحت راية الإنسانية

بعد أن اصطدمت قافلة الصمود 2 بالواقع الليبي، وبعد أن أُجبرت على فك الاعتصام والعودة أدراجها، صدرت بيانات تحاول تجميل الصورة والحديث عن مواصلة الجهود القانونية والدبلوماسية.

لكن الشعب الليبي خرج برسالة أوضح: دعم غزة لا يعني التفريط بذرة تراب واحدة من ليبيا، ولا السماح بتحويل أراضينا إلى ممرات للفوضى أو ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية تحت غطاء القضية الفلسطينية.

إن القوانين الليبية التي تجرّم التطبيع وتعاقب كل من يتعامل مع الكيان الإسرائيلي، هي خير دليل على أن معاداة الاحتلال تنبع من صميم الهوية الوطنية، ولا تحتاج إلى وصاية من أحد.

وما تحتاجه القضية الفلسطينية من الأشقاء الليبيين هو الدعم السياسي والمالي والقانوني عبر القنوات الرسمية، وليس تحويل ليبيا إلى ساحة مواجهة جديدة تمزق النسيج الوطني وتعمق الجراح.

ختاماً، يمكن القول إن قافلة الصمود 2 شكلت اختباراً حقيقياً لمدى تمسك الليبيين بسيادتهم.

ورغم كل محاولات الاستدراك العاطفي، كان الموقف الرسمي والشعبي في الشرق والغرب على حد سواء – باستثناء صمت حكومة الدبيبة المريبة – حاسماً: ليبيا ليست أرضاً مباحة، وخطوط وقف النار ليست ألعوبة في أيدي العابرين، وغزة ستُدعم بكل السبل المشروعة، ولكن ليس على حساب أن نغدو نحن الخبر التالي في نشرات الفوضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى