ليبيا

ليبيا وسيادة معلقة: عندما يصبح خطاب رفض التدخل الدولي غطاءً لفشل الحكومات المؤقتة

مطالبات ليبية للأمم المتحدة بوقف سياسات تجاوز الإرادة الوطنية

ليبيا 24:

الحجازي: سيادة ليبيا خط أحمر ورفض شعبي للوصاية الدولية

في خضم مشهد ليبي يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، تعود صرخة رفض التدخل الدولي لتتصدر واجهة النقاش العام، حاملة معها إرثاً ثقيلاً من التناقضات التي تعكس أزمة السلطة التنفيذية المنقسمة.

التصريحات الأخيرة للمحلل السياسي الدكتور خالد الحجازي، والتي هاجم فيها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ووصف موظفي منظمة دولية بأنهم “قمامة” يتم تنظيف البلاد منها، تقدم نافذة تحليلية ليس فقط على مزاج الشارع، بل على المأزق العميق الذي وضعت حكومة عبد الحميد الدبيبة، منتهية الولاية، نفسها فيه.

فبينما تتقاطع هذه التصريحات ظاهرياً مع خطاب سيادي ترفعه الحكومة، يكشف المشهد عن فجوة استراتيجية بين الشعارات المعبأة للاستهلاك الداخلي والاعتماد الكثيف والمستدام على الدعم الدولي لتثبيت أركان سلطة فقدت شرعيتها الانتخابية منذ ديسمبر 2021.

السيادة كأداة للهروب إلى الأمام

يطرح الدكتور الحجازي، معادلة صارخة: “استقرار ليبيا لن يتحقق عبر الإملاءات الخارجية”، مؤكداً أن “الشعب الليبي يرفض كل أشكال الوصاية”.

هذه العبارات، التي تعبر عن وجع ليبي حقيقي من تدخلات خارجية أنتجت مأساة مستمرة منذ 2011، تتحول في يد حكومة الدبيبة إلى مادة دعائية خطيرة.

فالحكومة “منتهية الولاية” توظف هذا الخطاب السيادي الحماسي للتملص من استحقاقات داخلية ضاغطة، وفي مقدمتها إجراء الانتخابات المؤجلة. المفارقة القاسية تكمن في أن السلطة التي تتبنى اليوم لغة رفض “الحلول الجاهزة” هي نفسها التي تدين ببقائها في مقار الحكم لموازين قوى دولية وإقليمية حالت دون انهيارها.

إنه استخدام تكتيكي لخطاب الرفض الوطني من قبل نخبة حاكمة أثبتت وقائع السنوات الثلاث الماضية عجزها عن تقديم نموذج للحكم يعتمد على قاعدة وطنية صلبة بعيداً عن الإسناد الخارجي.

“تنظيف ليبيا” ومؤشر انهيار الخطاب الرسمي

يكتسب الوصف القاسي الذي استخدمه الحجازي، والذي يتزامن مع مغادرة موظفي منظمة دولية عبر مطار معيتيقة، دلالة أعمق من مجرد تعبير عن رأي فردي.

إنه يعكس، وفقاً لمحللين سياسيين، حالة الاحتقان إزاء الفشل الذريع للحكومة في إدارة ملف الهجرة واللاجئين الذي تستغله أطراف دولية للتدخل في الشأن الليبي.

هنا يبرز السؤال الجوهري: أليس غياب استراتيجية حكومية متكاملة، واستمرار الفوضى الأمنية والمؤسسية، هو ما يخلق الفراغ الذي تملؤه “المبادرات” و”البعثات” الدولية؟ حكومة الدبيبة، التي عجزت عن بسط سيطرتها الكاملة على مطار معيتيقة نفسه لفترات طويلة، ليست في موقع يسمح لها أخلاقياً أو سياسياً بتصوير عملية مغادرة موظفين دوليين على أنها “نصر سيادي”.

الثمن الحقيقي لهذا الفراغ تدفعه ليبيا من رصيدها السيادي الحقيقي، لا من خلال استعادة هيبتها. فكل تدخل دولي هو نتيجة مباشرة لضعف الدولة، وهو الضعف الذي تتحمل هذه الحكومة مسؤوليته المباشرة بحكم جلوسها على رأس هرم السلطة دون تفويض انتخابي جديد.

ازدواجية المعايير القاتلة

ترسم هذه الواقعة صورة لحكومة عالقة في تناقضها القاتل: قوة خطابية تعاكس انعدام الوزن الفعلي. هي ترفض التدخل الخارجي جملة وتفصيلاً، بينما يستمر نزيف القرار الوطني في ملفات اقتصادية وسياسية حساسة، من إدارة المؤسسة الوطنية للنفط إلى صياغة القوانين الانتخابية.

إن خطاباً كالذي أطلقه الحجازي لا يمكن فصله عن سياقه، فهو يوجه سهامه للأمم المتحدة، لكن تساؤلات النخبة الليبية المعارضة تتجه نحو الدبيبة مباشرة: كيف يمكن لحكومة أن تطالب باحترام الإرادة الوطنية، بينما ترفض منذ ثلاث سنوات تسليم السلطة لسلطة منتخبة؟ وكيف يمكنها أن تتحدث عن “حوار ليبي خالص” وهي جزء من معادلة أفرزها حوارات خارجية في جنيف وبوزنيقة والقاهرة؟ الاحترام الدولي لإرادة الشعوب، كما يعلم صانعو القرار، يبدأ من عاصمة وطنية تملك الحد الأدنى من الشرعية والمصداقية، لا من سلطة تناور سياسياً لتأجيل لحظة الحقيقة الانتخابية.

إن إخراج موظفي الإغاثة من طرابلس ليس إنجازاً سيادياً، بل قد يكون مؤشراً خطراً على عجز الدولة عن إدارة تعاقداتها والتزاماتها الدولية بنفسها، تاركة الفراغ لخطاب شعبوي يغطي على فشل الدولة في تحقيق احتكارها الطبيعي للسيادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى