الفيتوري: الفساد والتهريب جوهر الأزمة ورفع السعر ينقل العبء للمواطن
تحذير من دائرة مفرغة برفع الدعم دون مكافحة الفساد
ليبيا 24
الفيتوري: مكافحة الفساد والتهريب تسبق أي رفع للدعم.. والمواطن سيدفع الثمن إذا عولجت الأزمة بالأسعار
حذّر خبير الاقتصاد الليبي الدكتور عطية الفيتوري من أن أي محاولة لإصلاح منظومة دعم الوقود تقتصر على رفع الأسعار، من دون استئصال جذور الفساد والتهريب، ستدفع بالاقتصاد الوطني إلى حلقة مفرغة تتآكل فيها القوة الشرائية للمواطن وتتفاقم الضغوط التضخمية بصورة متسارعة.
ورأى الفيتوري، في تصريحات خاصة، أن جوهر الأزمة الليبية لا يكمن في مستوى الدعم المنخفض بقدر ما يتمثل في الشبكات المنظمة التي تنهب الموارد وتصدر البنزين الليبي الرخيص عبر الحدود بطرق غير مشروعة.
الفساد والتهريب: الجوهر الحقيقي للأزمة لا سعر البنزين
أكد الفيتوري أن ليبيا تمتلك واحداً من أدنى مستويات أسعار الوقود في العالم، لكن الاستمرار في هذا الوضع دون معالجة الاختلالات الهيكلية يمنح تجار التهريب والمستفيدين من الفساد ريعاً متصاعداً على حساب الخزانة العامة.
وقال: «إن رفع سعر البنزين إلى مستويات قريبة من الكلفة الحقيقية قد يؤدي إلى وقف جزء كبير من عمليات التهريب عبر الحدود، غير أن معالجة المشكلة عبر رفع الأسعار فقط ستنقل العبء مباشرة إلى المواطنين».
وشدد على أن الأولوية القصوى ينبغي أن تكون لمكافحة الفساد المستشري في القطاعين العام والخاص وتفكيك حلقات التهريب قبل اللجوء إلى أي حلول سعرية، محذراً من أن القفز نحو رفع الدعم دفعة واحدة من دون تطبيق القانون يمثل انحيازاً غير مباشر لأصحاب المصالح الضيقة.
صدمة التكلفة: من 7.5 دنانير إلى 250 ديناراً للخزان الواحد
قدّم الفيتوري سيناريو حسابياً موجعاً: في ظل دعم حالي تلامس كلفة تعبئة خزان سيارة سعة خمسين لتراً نحو سبعة دنانير ونصف الدينار، فإن الرفع إلى سعر خمسة دنانير لليتر الواحد يعني قفزة هائلة تصل إلى 250 ديناراً لتعبئة الخزان مرة واحدة.
وبافتراض التزود أسبوعياً، تصبح تكلفة الوقود الشهرية للسيارة الواحدة نحو ألف دينار، وهو ما يعادل أو يتجاوز رواتب قطاع واسع من الموظفين. وأضاف أن الأسرة التي تمتلك سيارتين ستواجه إنفاقاً شهرياً يبلغ ألفي دينار على الوقود فقط، قبل احتساب أي التزامات أخرى، في بلد يعاني أغلبيته من تدني الدخل الحقيقي وغياب شبكات الأمان الاجتماعي الفاعلة.
تأثير الدومينو: الغذاء والدواء والنقل وسعر الصرف في مرمى الارتدادات
أوضح الخبير الاقتصادي أن تداعيات رفع أسعار الوقود لن تتوقف عند محطة البنزين، بل ستمتد كالعدوى إلى كافة مفاصل الحياة اليومية. فارتفاع تكلفة النقل سيرفع تلقائياً أسعار المواد الغذائية والأدوية والخضروات وجميع الخدمات، وسيضغط على سعر صرف الدينار بفعل زيادة الطلب على العملات الأجنبية لتغطية فواتير الاستيراد المتضخمة.
وتابع: «المواطن وحده سيتحمل الجزء الأكبر من الكلفة، بينما سيكون المستفيد الأكبر التجار وموردو السلع من الخارج، لأنهم سيمررون الزيادات كاملة إلى المستهلك النهائي مع إضافة هوامش أرباحهم».
الدائرة المفرغة: الاقتصاد الليبي على حافة الهاوية
استخدم الفيتوري مصطلح «الدائرة المفرغة» أو ما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بالحلقة الجهنمية، حيث تؤدي زيادة التكاليف إلى ارتفاع الأسعار، مما يضعف القوة الشرائية ويدفع المواطن إلى تقليص استهلاكه، فتتراجع عوائد الأسواق ويضيق النشاط الاقتصادي، في الوقت الذي يواصل فيه التضخم تآكل قيمة العملة الوطنية.
ورأى أن الاقتصاد الليبي، في ظل اعتماده شبه الكامل على الإيرادات النفطية، سيدخل في هذه الدائرة ولن يستطيع الخروج منها سالماً ما لم تُقترن أي إجراءات سعرية بحزمة إصلاحات هيكلية عميقة، أبرزها محاربة الفساد وضبط المنافذ الحدودية وإعادة بناء مؤسسات الرقابة.
وهم الدعم النقدي للجميع: لماذا تختلف علاوة الزوجة عن دعم البنزين؟
وانتقد الفيتوري بشدة الأطروحات التي تروّج لإمكانية تطبيق الدعم النقدي المباشر للوقود بنفس بساطة علاوة الزوجة والأطفال. وأوضح الفرق الجوهري: «علاوة الزوجة تُمنح لفئات محددة وفق شروط واضحة، فالزوجة التي تعمل في الحكومة لا تستلمها، والأطفال فوق سن الثامنة عشرة لا يشملهم الدعم.
أما ما يطرحه البعض في الدعم النقدي للبنزين فهو منح مبالغ لجميع أفراد الأسرة، سواء كانوا يملكون سيارات أم لا، وكأنه دخل شامل لا صلة له بالوقود». وأشار إلى أن إحدى الصيغ المقترحة تتحدث عن تخصيص ما يصل إلى ألف دينار شهرياً لكل فرد، أي ما مجموعه ستة آلاف دينار لأسرة مكونة من ستة أشخاص، وعندها قد تحصل أسرة لا تمتلك أية سيارة على ستة آلاف دينار، في حين تحصل أسرة تمتلك ست سيارات على المبلغ ذاته، في غياب تام لأي منطق استهدافي.
وأضاف: «إذا افترضنا أسرة مكونة من ستة أفراد تتقاضى 72 ألف دينار سنوياً، فمن أين ستوفر الحكومة هذه المبالغ؟»، محذراً من أن ضخ سيولة بهذا الحجم سيؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع وتدهور أسرع في قيمة الدينار بفعل التضخم المفرط.
وخلص إلى أن هذا الطرح ليس له علاقة حقيقية بدعم البنزين، بل هو وعود وهمية تستهدف استمالة الفئات الهشة، وتسويق لأغراض شخصية من قبل بعض المستفيدين من بقاء الوضع على ما هو عليه، وفي مقدمتهم التجار الذين سيجنون أرباحاً مضاعفة مع كل موجة تضخمية.
الخبير الحقيقي بين مصلحته الشخصية والمصلحة الوطنية
في سياق متصل، رسم الفيتوري صورة للخبير الاقتصادي الحقيقي، وهو من يمتلك الخبرة الكاملة في الشؤون الاقتصادية ويستطيع أن يعطي رأياً ضد مصلحته الشخصية المباشرة في سبيل تحقيق المصلحة العامة.
وضرب مثلاً افتراضياً: لو أن الحكومة أرادت توزيع كامل الاحتياطيات من العملات الأجنبية على أفراد المجتمع وطلبت رأي خبير، فإن مصلحته الشخصية كمواطن قد تدفعه للموافقة لأنه سيحصل على حصة لا يستهان بها من الدولارات.
لكن وضعه المهني سيجعله يرفض الفكرة ويشرح الكارثة التي ستنجم عن إفراغ الاحتياطي وتدمير سعر الصرف. وأكد أن الخبير الذي يرجّح صوته كمواطن عادي على صوته العلمي يفقد مصداقيته تماماً، وهذا ما ينطبق على من يغازلون الجماهير بوعود الدعم النقدي السخي دون الإفصاح عن العواقب المريرة.
الحل ليس في السعر وحده… بل في القانون
اختتم الفيتوري تصريحاته برسالة واضحة: الحل الجذري يكمن في محاربة الفساد المنتشر في القطاعين العام والخاص، وفي مكافحة التهريب المنظم الذي يحرم الخزانة من مليارات الدنانير، وفي تطبيق القانون بصرامة على معابر التهريب وشبكات الاستيراد الوهمي.
وأوضح أن رفع الدعم دون هذه الإجراءات سيكون بمثابة عقاب جماعي للمواطن، بينما يظل الفاعلون الأساسيون في الأزمة بمنأى عن المساءلة. وأضاف: «ينبغي أن نترك المصالح الشخصية جانباً، وألا نعِدَ الفقراء بدخول وهمية لا تستطيع الدولة توفيرها، فبعض الفئات لن تخسر شيئاً من هذه الفوضى، بل ستزيد أرباحها، والمواطن البسيط هو الخاسر الأوحد»



