معضلة الدعم ودروس دولية قاسية بانتظار التطبيق.. الشحومي يحذر من وهم الحل السحري لإصلاح دعم الوقود
الشحومي: التحويلات النقدية وحدها لا تنهي أزمة الدعم
ليبيا 24
الشحومي: إصلاح دعم الوقود يتطلب مؤسسات قوية وعدالة
في تحليل معمق يتجاوز سطحية الطروحات القائمة حول أخطر الملفات الاقتصادية المتفجرة في ليبيا، رسم المحلل المالي سليمان الشحومي خارطة طريق محفوفة بالمخاطر لعملية إصلاح دعم الوقود.
فبينما تتجه النية لدى صانع القرار إلى استبدال الدعم العيني بتحويلات نقدية مباشرة، يضع الشحومي هذه الفكرة تحت مجهر التجارب الدولية القاسية، محذراً من أن “الدعم النقدي ليس عصا سحرية”، وأن الفشل في فهم تعقيداته قد ينقل البلاد من فخ الدعم العيني إلى مستنقع تضخمي والتزامات مالية دائمة تفوق قدرة الدولة على الاحتمال.
وهم الحل السحري وثقل التاريخ
يستهل الشحومي أطروحته بتفكيك أسطورة الحلول السريعة، مستنداً إلى حقيقة دولية دامغة: استبدال دعم الوقود بدعم نقدي لا يضمن النجاح تلقائياً. ويكشف النقاب عن تجارب ثلاث دول تشكل مرآة لما يمكن أن يحدث في ليبيا.
فالتجربة الإيرانية، التي طالما نظر إليها البعض كنموذج، تحولت إلى درس بليغ في كيفية تحول الإصلاح إلى فخ مالي طويل الأمد. يوضح الشحومي أن طهران، التي وزعت في 2010 مداخيل رفع أسعار الطاقة نقداً وبشكل شبه شامل، وجدت نفسها سريعاً أمام ضغوط تضخمية مركبة، حيث التهم التضخم القيمة الحقيقية للتحويلات.
لم يعد المواطن ينتفع بالدعم النقدي، بينما ظل سعر الوقود مرتفعاً، مما دفع الدولة للعودة مجدداً إلى أشكال مختلفة من الدعم السعري.
هذا الانهيار في النموذج الإيراني، وفق تحليل الشحومي، يعود إلى خطأ استراتيجي قاتل: تحويل الدعم من أداة اجتماعية إلى التزام ريعي شامل يصعب سياسياً واجتماعياً المساس به أو تقليصه.
وهو يطرح سؤالاً محورياً: “إذا لم يُربط الدعم النقدي بقدرة مالية حقيقية ومستقرة، فإنه إما يضغط على الميزانية أو يفقد قيمته عبر التضخم. المواطن يدفع الثمن الأعلى للطاقة دون أن يحتفظ طويلاً بالقيمة الحقيقية للتعويض”.
هذا السيناريو المرعب يجد تربة خصبة في ليبيا، حيث الاقتصاد ريعي بامتياز، تعتمد شرعيته بشكل كبير على توزيع الثروة، مما يجعل احتمال تكرار المأزق الإيراني قائماً وبقوة.
إندونيسيا ونيجيريا.. بين النجاح النسبي والأزمة الاجتماعية
ينتقل الشحومي في تحليله إلى جنوب شرق آسيا حيث التجربة الإندونيسية، التي تقدم نموذجاً للنجاح الفني المصحوب بهشاشة سياسية.
فعلى الرغم من أن جاكرتا نجحت في خفض فاتورة دعم الطاقة بشكل كبير في 2014 عبر برامج تحويلات نقدية استهدفت الفقراء، وأثبتت الكفاءة الاجتماعية للدعم النقدي الذي يخفض الفقر بخمسة أضعاف ما يخفضه دعم الوقود بنفس التكلفة، إلا أن هذا النجاح لم يكن محصناً ضد النكسات.
فعندما ارتفعت أسعار السلع عالمياً في 2022، عادت الحكومة الإندونيسية لضخ دعم سعري على الوقود تحت وطأة الضغط الشعبي. هنا يبرز تحذير الشحومي من أن النجاح الفني وحده لا يصنع سياسة مستدامة، فـ”التحويل النقدي يخفف أثر الإصلاح، لكنه لا يحمي الإصلاح من التراجع إذا لم توجد قاعدة سياسية واضحة تقبل ربط الأسعار بالسوق”.
وعلى الضفة الأخرى من المعادلة، يقف النموذج النيجيري كشاهد على الوجه الكارثي للإصلاح غير المحمي. ففي 2023، أقدمت أبوجا على رفع الدعم بشكل مفاجئ في ظل تضخم مرتفع وأزمة عملة خانقة وغياب شبكة حماية اجتماعية فعالة، فكانت النتيجة قفزة هائلة في تكاليف المعيشة والنقل دفعت الحكومة لاحقاً إلى محاولة يائسة لاستيعاب الغضب عبر تحويلات نقدية مؤقتة.
يعلق الشحومي على هذا السيناريو بالقول إنه يكشف أخطر محاذير الإصلاح: “إذا جاء رفع الدعم قبل بناء شبكة حماية موثوقة، فإن الإصلاح يتحول من إصلاح مالي إلى أزمة اجتماعية”. وهي كلمات تلقي بظلالها مباشرة على الوضع الليبي الهش، حيث تختلط هشاشة المؤسسات بتحديات أمنية وسياسية تجعل أي صدمة سعرية قابلة للانفجار.
المعضلة الليبية.. بين فاتورة نار ومؤسسات هشة
لا يكتفي الشحومي بعرض التجارب الدولية، بل يربطها بشكل عضوي بالتشوه العميق في الجسد الاقتصادي الليبي. فالدعم لم يعد مجرد سياسة اجتماعية، بل تحول إلى ورم سرطاني يلتهم أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي.
الأرقام التي يستند إليها التحليل مفزعة: فاتورة الدعم بشقيه المباشر وغير المباشر تقفز إلى 17 مليار دولار سنوياً، في بلد تعتمد ميزانيته بشكل شبه كامل على عوائد النفط المتقلبة.
والأدهى، كما يكشف تقرير ديوان المحاسبة، أن ثلث الإنتاج النفطي الليبي تمت مبادلته بالمحروقات في مخالفة صريحة للقانون، بعمليات تجاوزت كلفتها 40 مليار دينار، لتغذي سوقاً سوداء وتهريباً يستنزف الثروة الوطنية.
وسط هذه الصورة القاتمة، يطرح الشحومي السؤال الجوهري الأصعب: “كيف نصمم التحويل النقدي بحيث لا يصبح دعماً جديداً أكثر صعوبة؟”. الإجابة في تحليله لا تحتمل المزيد من المسكنات، بل تتطلب إصلاحاً مؤسسياً شاملاً وغير مسبوق. فالدعم النقدي الناجح، من منظوره، ليس مجرد قرار بتوزيع الأموال، بل هو مشروع دولة متكامل.
إنه يحتاج أولاً إلى قاعدة بيانات دقيقة وسجل اجتماعي محصن ضد التلاعب، وهو تحدٍ هائل في ليبيا الحالية. ويحتاج إلى نظام دفع إلكتروني موثوق يضمن وصول الدعم لمستحقيه الفعليين، في وقت تعاني فيه البلاد من فوضى مصرفية وسيولة. والأهم، يحتاج إلى استهداف واضح للفئات المستحقة، فلا يتحول إلى دخل ريعي دائم للجميع.
من فيكتور هوغو إلى الحوكمة.. مكافحة الفقر كمشروع دولة
في نقلة تحليلية عميقة، يربط الشحومي المعضلة الاقتصادية بجذورها الفلسفية والأخلاقية، مستدعياً رواية “البؤساء” لفيكتور هوغو. فالفقر، كما يرى، ليس مجرد نقص في المال يمكن علاجه بتحويلات نقدية، بل هو “حرمان من الفرصة، ومن التعليم الجيد، ومن الرعاية الصحية، ومن السكن اللائق، ومن الإحساس بالأمان والكرامة”.
وهو بهذا ينتقد بشكل جوهري النظرة الاختزالية التي ترى في الدعم النقدي حلاً وحيداً. ويستشهد بالفكر الاقتصادي المؤسسي الذي يربط الفقر بجودة المؤسسات. هنا تكمن العقدة الليبية: “المشكلة لا تكمن دائماً في غياب الموارد، بل في غياب المؤسسات القادرة على إدارتها بعدالة وكفاءة”.
فدولة تمتلك موارد طبيعية هائلة ولكنها تعاني من ضعف الحوكمة والفساد والانقسام، ستعجز عن تحويل ثروتها إلى رفاه حقيقي، سواء كان الدعم عينياً أم نقدياً.
لذلك، يختتم الشحومي أطروحته بالتأكيد على أن أي إصلاح لا يمكن أن ينجح بمعزل عن مشروع وطني شامل لبناء الدولة العادلة. الدولة التي لا ترى الفقير عبئاً أمنياً، بل مواطناً له حق في الكرامة.
إن التحذير المركزي هنا هو أن ليبيا، ببنيتها المؤسسية الحالية، قد تكرر أسوأ ما في التجارب الدولية: تضخم إيران، وتراجع إندونيسيا، وصدمة نيجيريا.
فالتحويل من دعم عيني إلى نقدي دون الإصلاح المؤسسي المصاحب ليس حلاً، بل مجرد تغيير لاسم المشكلة، وربما يكون مقدمة لكارثة أعمق. فهل يمتلك صناع القرار في ليبيا الإرادة والأدوات لتجاوز “وهم العصا السحرية” وبناء نموذج إصلاح ليبي أصيل لا يستورد الفشل؟



