تحت رماد التوطين: تفكيك أطروحة عبدالرحيم حول أزمة ليبيا المزمنة من الشارع إلى الدولة
عبدالرحيم: ليست الأحزاب ولا الصناديق تنقذ ليبيا بل المؤسسات
ليبيا 24
عبدالرحيم: احتجاجات التوطين تكشف صدع الدولة الليبية لا سياساتها
في خضم التحليلات المتسارعة التي أعقبت موجة الاحتجاجات الشعبية، يبرز طرح عضو ملتقى الحوار السياسي السابق، عبد الله عثمان عبد الرحيم، كإطار تحليلي مركب يتجاوز القراءات السطحية للأحداث.
لا يتعامل عبد الرحيم مع الاحتجاجات كظاهرة معزولة، بل كمؤشر تشخيصي عميق يكشف، طبقة بعد أخرى، عن طبيعة الأزمة الليبية التي تختزلها العناوين العاجلة في ملف “التوطين”، بينما يرى هو أنها تختزل أصل الداء في غياب الدولة القادرة وإدارة الصراع الدولي على السيادة الوطنية.
هذه القراءة التي تقدمها “ليبيا 24″، تقدم تفكيكاً لأبرز محاور أطروحته التي تلامس صدعاً بنيوياً لا مجرد أزمة عابرة.
ما وراء الغضب: تشريح حدث سياسي مزدوج
في صلب أطروحة عبد الرحيم، تتحول المظاهرات من فعل احتجاجي إلى مختبر سياسي واجتماعي مفتوح. فهو لا ينظر إليها بصفتها رفضاً شعبياً لمبدأ التوطين فحسب، بل يغوص في تحليل ديناميكياتها الداخلية، متسائلاً: هل تحرك الشارع بناءً على وقائع مكتملة، أم أن الغضب كان انزياحاً تراكمياً بحث عن قضيته الجاهزة؟
إن السؤال الذي يطرحه حول مدى تحقق الجمهور من المعلومات قبل الاندفاع، يشير إلى مأزق أعمق يتجاوز القضية الأم: تحول الفضاء العام إلى ساحة تفاعل مع الانطباعات والمخاوف بدلاً من الحقائق.
يتقدم التحليل خطوة أخرى نحو فهم طبيعة الموجة الثانية لوسائل التواصل الاجتماعي. يرى عبد الرحيم أن هذه المنصات لم تعد مجرد ناقل للخبر، بل أصبحت “فاعلاً مستقلاً” في المجال العام الليبي.
هي قادرة على صناعة الحدث وتضخيمه وتحديد توقيته، بل وتحويل قضية هامشية إلى مركزية والعكس. هذا التشخيص يفسر التحول السريع من تسريب تصريح إلى تعبئة غاضبة، ويكشف هشاشة الفضاء العام الليبي أمام أدوات التوجيه الرقمي التي تخلط بين التعبئة الوطنية والتضليل السياسي.
لكن الجوهر الأعمق يكمن في كون هذه المظاهرات اختباراً لطاقة احتقان اجتماعي متراكم أوسع بكثير. يجادل عبد الرحيم بأن المواطن الذي لا يستطيع الاحتجاج على انفلات السلاح أو الفساد أو الانقسام السياسي، وجد في ملف التوطين قضية “جامعة وآمنة نسبياً” لتفريغ حالة الغضب العامة.
وبذلك، فإن أهمية الحدث لا تكمن في موضوعه فقط، بل في كونه بروفة لاختبار مدى استعداد الشارع لاستخدام الاحتجاج حول قضايا أعمق وأشمل مستقبلاً. هذا ما يمنح التحركات عفوية من جهة، كونها تعبر عن المزاج الشعبي مباشرة، ويجعلها في الوقت نفسه عصية على الضبط والتوجيه من جهة أخرى، لأن أحداً لا يستطيع تحديد سقفها أو مسار تطورها.
سيادة ممزقة بين الداخل المحتقن والخارج المتدخل
ينتقل عبد الرحيم من تحليل الديناميكيات الداخلية إلى رسم خريطة التداخلات الدولية التي تجعل من الملف السيادي مسرحاً لصراع الإرادات. هو يكشف عن تناقض مركزي: رفض التوطين من منظور السيادة الوطنية يصطدم بواقع أن قضية الهجرة واللجوء تُدار دولياً وإقليمياً بدرجة كبيرة.
التوطين، إن وُجد، يعالج في كثير من الأحيان أزمات دول المقصد أكثر مما يعالج أزمات دول العبور، مما يضع السيادة الوطنية في مواجهة مباشرة مع ضغوط السياسات والمصالح الدولية.
ولهذا، يرى أن تحول الاحتجاجات نحو سفارات دول بعينها لم يكن مستغرباً، بل هو انعكاس لوعي شعبي بأن هذه السفارات جزء من المشكلة أو صناعة القرار المتعلق بها، لتتحول الأزمة من ملف داخلي إلى ساحة تفاعل بين الإرادات المحلية والخارجية.
هذه الهيمنة الدولية تتجسد، بحسب التحليل، في لغة استعلائية متكررة لمسؤولين أمميين تتجاوز الحدود الدبلوماسية، وتصريحات تحمل نبرة “ابتزاز وتهديد” مبطنة، كما في تصريح مسؤولة المفوضية السامية الذي تحدث عن عقوبات ومنع سفر مقابل تسوية أوضاع المهاجرين.
يرى عبد الرحيم أن هذا خطاب يتجاوز البعد الحقوقي إلى سؤال أعمق: من يملك القرار داخل ليبيا؟ ومن يحدد أولويات سياساتها السكانية والأمنية؟ إنه ما يسميه “الاستعلاء البيروقراطي الدولي” الذي يتعامل مع ليبيا كمساحة فراغ قابلة لإعادة التشكيل، لتتحول إلى ما يشبه “مخزناً بشرياً” لمعالجة أزمة أوروبية، سياسة تحويلية تصدّر بها أوروبا حدودها جنوباً، مفضلةً الحل الأسهل على معالجة جذور المشكلة في إفريقيا.
وفي مقابل هذا التدخل الخارجي، يسلط عبد الرحيم الضوء على “محدودية حضور الخطاب الرسمي” الليبي الذي لم يتعامل مع الظاهرة باعتبارها قضية وطنية تستوجب التفسير ووضع السياسات، بل كفرصة للمزايدة السياسية المتبادلة.
تغلبت الحسابات السياسية على المخاطر الوطنية، حيث انشغل الجميع في تحميل المسؤولية للآخر بدلاً من معالجة الظاهرة نفسها.
في هذا الفراغ النقدي، يعود إلى السؤال الأكثر حساسية والأقل حضوراً: عن دور الأجهزة الليبية نفسها في إدارة ملف الهجرة، متسائلاً إن كانت تقوم بمنع التدفقات فعلاً، أم أنها جزء من منظومات التشابك مع اقتصاد التهريب الذي تحول إلى نشاط مالي ضخم.
هنا تكمن الفرضية المركزية: قبل الحديث عن رفض التوطين، يبقى ضبط الحدود واحتكار الدولة لأدوات السيادة هو الشرط الأول لأي سياسة وطنية مستقلة.
أوهام الوصفات الجاهزة: الأحزاب والانتخابات خارج سياق الدولة
يمتد تشريح أطروحة عبد الرحيم ليشمل أسس العملية السياسية ذاتها، حيث يقدم نقداً لاذعاً لـ “مظاهر السطحية السياسية” التي تختزل بناء الدولة في تأسيس أحزاب أو إجراء انتخابات.
بالنسبة له، السؤال الحقيقي لا يتعلق بعدد الأحزاب، بل بجوهر الحاجة إليها. ما لم تكن هناك مصالح اجتماعية واقتصادية متقاطعة تسعى هذه الأحزاب للتعبير عنها، فإنها تتحول إلى مجرد إطارات انتخابية مؤقتة أو منصات لأشخاص يبحثون عن موقع في السلطة.
ويشخص ظاهرة “الأحزاب الانتخابية لا السياسية” التي تدور حول شخص المترشح أكثر مما تدور حول فكرة أو برنامج، ولا يُسمع عنها إلا مع اقتراب الاستحقاقات.
في قلب هذه الرؤية، هناك تحذير من استنساخ النموذج الغربي دون عملية تبيئة حقيقية. الأحزاب في التجربة التاريخية الغربية لم تنشأ كوصفة جاهزة، بل كانت نتاج تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة أفرزت طبقات ومصالح متعارضة، جاءت كنتيجة لتطور الدولة والمجتمع، لا نقطة البداية التي صنعت هذا التطور.
فالقفز فوق مراحل بناء الدولة والمؤسسات والعقد الاجتماعي لن ينتج أحزاباً قوية، بل سيعيد إنتاج الانقسامات نفسها بأسماء وشعارات جديدة.
وينسحب هذا المنطق على التعامل مع الانتخابات. يجادل عبد الرحيم بأنه لا ينبغي اختزال التحول الديمقراطي في صندوق الاقتراع، محذراً من الاعتقاد بإمكانية الفصل الحاد بين مسار بناء المؤسسات والتحول الديمقراطي.
في الحالة الليبية، حيث المطلوب إعادة بناء الدولة بعد تآكل قدرتها على احتكار القوة، يصبح الحد الأدنى من المؤسسات الأمنية والقانونية ضرورة لحماية العملية السياسية نفسها، “لأن الانتخابات وحدها لا تنتج دولة إذا كانت أدوات احتكار العنف الشرعي منقسمة أو متنازعة”. العلاقة جدلية متبادلة: المؤسسات توفر إطار الحماية للعملية الديمقراطية، والديمقراطية توفر الشرعية والرقابة لمنع تحول المؤسسات إلى أدوات هيمنة.
الدولة أولاً: من ردة الفعل إلى صناعة القرار
يعود عبد الرحيم في خاتمة أطروحته إلى السؤال الجوهري الذي يخترق كافة المحاور: هل تملك ليبيا اليوم دولة قادرة على إدارة ملفاتها السيادية وفق رؤية وطنية موحدة؟
إن التحذير الاستراتيجي الأكبر يتمثل في أن “الدول القوية هي التي تحدد سياساتها ثم تتعامل مع العالم من خلالها (الفعل)، أما الدول المنقسمة فإنها تجد نفسها غالباً تتفاعل مع سياسات الآخرين أكثر مما تصنع سياستها بنفسها (رد الفعل)”.
في هذا السياق، يكتسب البعد الديموغرافي خطورته. فليبيا، بمساحتها الشاسعة وثرواتها وموقعها كأقل دولة سكاناً بين جيرانها الذين يبلغ تعدادهم نحو 280 مليون نسمة، تمثل حالة جذب واستهداف دائمين. مستقبلها، وفقاً لهذه الرؤية، مرتبط بقدرتها على استعادة الدولة قبل أي شيء آخر.
الأوطان المنهكة تصبح أكثر قابلية لتمرير المشاريع الكبرى فوق أرضها، لا لأنها اقتنعت بها، بل لأنها فقدت القدرة على الرفض.
إنها خلاصة مركبة تنتقل من تحليل حدث آني إلى كشف مأزق وجودي: الصراع الحقيقي في ليبيا ليس على السلطة فحسب، بل هو صراع من أجل إعادة بناء الدولة الوطنية القادرة على صياغة عقدها الاجتماعي، وحماية حدودها، وتحديد مصيرها الديموغرافي والسياسي والاقتصادي دون وصاية.



