ميلاد “إقليم المنطقة الوسطى” ودولة مصراتة العظمى
من محو الأقاليم إلى إحيائها: مشروع جديد يكرس التقسيم بدل التوحيد
ليبيا 24 – عبدالعزيز الزقم
“إقليم الوسطى” يولد من رحم الانقسام ومصراتة تعيد رسم خريطة ليبيا
إعلان مصراتة يفتح جرح الأقاليم من جديد والشارع الليبي يحذر من “دولة مصراتة العظمى”
في لحظة سياسية استثنائية تتسم بالغموض وتعدد القراءات، أعلنت بلدية مصراتة رسمياً عن ميلاد ما أسمته “إقليم المنطقة الوسطى”، في خطوة بدت للوهلة الأولى استكمالاً لمسار إداري تنموي، لكنها سرعان ما كشفت عن طبقات أعمق من الصراع الخفي حول طبيعة الدولة الليبية وشكلها المستقبلي.
الإعلان، الذي خرج في بيان مقتضب عبر الصفحة الرسمية للبلدية عقب اجتماع ضم عمداء عدد من بلديات المنطقة من بينها زليتن وبني وليد وترهونة والخمس وتينيناي والمردوم وقصر الأخيار، لم يمر مرور الكرام، بل فتح أبواباً من الجدل المحتدم الذي تجاوز حدود النقاش القانوني والإداري إلى عمق الهوية السياسية والتاريخية للدولة الليبية.
اللافت أن الإعلان حمل في طياته لغة حذرة ومحسوبة، تحدثت عن “تعزيز العمل المشترك وتوحيد الجهود وترسيخ مسار يستند إلى أهداف واضحة وتطلعات مستقبلية واعدة”، في محاولة واضحة لإضفاء طابع تنموي خدمي على الخطوة بعيداً عن الأبعاد السياسية.
غير أن هذا التوصيف لم يصمد طويلاً أمام عاصفة الانتقادات والتحليلات التي انطلقت من منصات التواصل الاجتماعي وغرف التحليل السياسي، والتي أجمعت في معظمها على أن ما حدث يتجاوز فكرة التنسيق الإداري بين البلديات إلى مشروع سياسي متكامل تعمل عليه قوى إقليمية وجهوية منذ سنوات.
جذور تاريخية مثيرة للجدل: عندما يتحول الإدماج إلى تفكيك
لفهم عمق الأزمة التي أثارها إعلان مصراتة، لا بد من العودة إلى الوراء وتفكيك البنية التاريخية لمفهوم “المنطقة الوسطى” ذاته. فبحسب شهادة الدبلوماسي الليبي الأسبق السفير محمد خليفة العكروت، فإن هذا المفهوم لم يكن موجوداً في التقسيم التاريخي التقليدي لليبيا الذي استقر طوال قرون على ثلاث مناطق كبرى هي طرابلس وبرقة وفزان.
ويؤكد العكروت في تحليله أن نظام العقيد الراحل معمر القذافي هو من استحدث فكرة “المنطقة الوسطى” في سبعينيات القرن الماضي، ليس بهدف خلق كيان إداري جديد، بل ضمن استراتيجية ممنهجة لمسح فكرة الأقاليم التاريخية الثلاثة من الذاكرة الجمعية الليبية وتفكيك الوعي بها.
كانت الفكرة الأساسية، كما يشرح العكروت، تقوم على رسم حدود جديدة تمتد من أجدابيا شرقاً إلى مصراتة غرباً وصولاً إلى الجفرة جنوباً، بحيث تقتطع أجزاء من كل إقليم من الأقاليم الثلاثة وتدمجها في كيان واحد هجين، في محاولة لخلق واقع جغرافي وسياسي جديد يقول لليبيين إنه لا توجد مناطق تاريخية ثابتة، وإن الدولة يمكنها رسم خريطتها الداخلية وفقاً لمصالحها وليس وفقاً للتاريخ.
كان الهدف هو الإدماج والتوحيد عبر التفكيك، وهي مفارقة تبدو اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
لكن المفارقة الأعظم والأكثر إثارة للسخرية السياسية، كما يضيف الدبلوماسي الأسبق، أن هذا الإقليم المصطنع الذي ولد من رحم سياسة محو الأقاليم وتذويبها، يعود اليوم بعد أكثر من أربعة عقود ليكون هو نفسه رأس حربة في حركة انفصالية جديدة تطالب بالاعتراف به كإقليم رابع منفصل له حدوده وسلطته وامتداده.
“المنطقة الوسطى التي صُنعت لتوحيد الليبيين صارت اليوم أداة لتقسيمهم”، هكذا لخص العكروت المأزق في شهادة تناقلتها منصات إخبارية وصفحات تحليلية واسعة المتابعة.
من التنسيق الخدمي إلى المشروع السياسي: قراءة في التوقيت والتحالفات
لا يمكن قراءة توقيت إعلان بلدية مصراتة عن ميلاد إقليم المنطقة الوسطى بمعزل عن السياق السياسي العام الذي تمر به البلاد. فالخطوة تأتي في فترة تتسم بانسداد الأفق السياسي وتجمد العملية الانتخابية واستمرار الانقسام الحكومي، وهو وضع يبدو أن قوى النفوذ في الغرب الليبي بدأت تشعر معه بضرورة إعادة تموضعها وتحصين مواقعها استعداداً لمرحلة ما بعد التسوية، أو ربما استعداداً لمرحلة اللاتسوية الدائمة.
تشير التحليلات المتعمقة المتداولة على المنصات الرقمية الليبية إلى أن التحرك يقف خلفه تحالف مصالح يجمع بين حكومة الدبيبة التي توصف بـ”منتهية الولاية” وبين قوى سياسية وعسكرية نافذة في مصراتة، في مقدمتها ما بات يعرف إعلامياً باسم “ميليشيات مصراتة” والتي تتهمها أوساط واسعة بالسعي لإنشاء ما تسميه منصات التواصل الاجتماعي بسخرية بالغة “دولة مصراتة العظمى”.
أحد المتابعين الليبيين كتب على صفحته تحليلاً لاذعاً قال فيه: “المدعو اصطيف حمزة كان دائماً ما يتشدق في خطاباته وصفحاته الممولة بحديثه عن ما أسماه قيام الدولة. فيا ترى أي دولة كان يسعى لقيامها؟ الإجابة: ها هي معالم دولة مصراتة العظمى بدأت تتضح وتتشكل أمام مرأى ومسمع الجميع”.
هذه القراءة التي تلقى رواجاً واسعاً في الشارع الليبي المناهض لحكومة الدبيبة تستند إلى شواهد عدة، أبرزها أن الإعلان لم يأت نتيجة حراك شعبي أو مدني حقيقي من داخل مدن الوسطى، بل خرج من رحم ترتيبات سياسية وأمنية تقودها مصراتة بالتحالف مع شخصيات توصف بأنها “منبطحه” للمشروع، في إشارة إلى عمداء بلديات ومسؤولين محليين تتهمهم هذه القراءة بالخضوع للإملاءات مقابل مكاسب ضيقة.
المحللون المؤيدون لهذه الرؤية يشيرون إلى أن مصراتة “أحسنت استغلال شخصيات مثل اصطيف حمزة ومن على شاكلته أحسن استغلال في إعادة تموضعها وترسيم حدودها، فقد وجدت فيهم انبطاحاً غير مسبوق وخسة ونذالة وخيانة لمدنهم غير متناهية، مقابل إطعامهم فتاتاً رمي لهم خارج حدود الشرف”، بحسب أحد المنشورات واسعة الانتشار.
مدن تحت الوصاية: بني وليد وترهونة في مرمى الصراع الخفي
التفاصيل الأكثر خطورة في ملف إعلان إقليم الوسطى لا تتعلق بالجوانب السياسية العامة فحسب، بل تمتد إلى إعادة رسم خريطة السيطرة الأمنية والعسكرية في مناطق حساسة ومتنازع عليها.
المعلومات المتداولة في دوائر قريبة من الملف تتحدث عن أن إنشاء الإقليم ليس مجرد غطاء إداري، بل هو جزء من خطة أوسع تهدف إلى إعادة توزيع الأدوار الأمنية وإضعاف قوة عسكرية صاعدة بدأت تهدد التوازنات القائمة، وتحديداً ما يعرف بـ”لواء 444 قتال” بقيادة محمود حمزة، الذي تحول إلى قوة يشار إليها بالبنان في معادلات العاصمة ومحيطها.
وفقاً لمصادر متطابقة نقلتها منصات التواصل الاجتماعي في ليبيا، فإن “ضم مدينتي بني وليد وترهونة تحت ما يسمى إقليم المنطقة الوسطى يعني عملياً تقليص نفوذ لواء 444 قتال وإخراجه من المنطقة بالكامل، لأنه من الناحية التنظيمية يتبع المنطقة العسكرية طرابلس”.
المصادر تضيف أن الترتيبات الأمنية الجديدة المرافقة لإعلان الإقليم تقضي بـ”تكليف مختار الجحاوي آمر قوة مكافحة الإرهاب بتأمين مدينة ترهونة بدلاً من لواء 444، وكذلك تكليف القاطع الحدودي الأول بقيادة ابهيجة بتأمين مدينة بني وليد بدلاً من اللواء ذاته”، في خطوة تقرأ على أنها إعادة هندسة كاملة للوجود العسكري في المنطقة بهدف تحجيم نفوذ حمزة وقصره على منطقة عمله الأساسية في قصر بن غشير وصلاح الدين جنوبي العاصمة.
هذه المعلومات الحساسة أثارت عاصفة من ردود الفعل في الشارع الليبي، خاصة في مدن مثل بني وليد وترهونة اللتين تشعران بأنهما وقعتا في فخ لعبة أمم بين قوى لا تعنيهما مصلحة سكانهما في شيء.
وقد خرجت مظاهرة احتجاجية في بني وليد أول أمس رفضاً لهذه الخطوة، معتبرة إياها “طمساً لهوية المدينة التي تعتبر مركزاً لإحدى أكبر القبائل الليبية”، ومحذرة من أن هذا الاندماج القسري “سيجعل مراكز الشرطة والنيابات المدنية والعسكرية تحت جهة خارج المدينة، وهو ما قد يؤثر على صحة إجراءاتها أو إخفائها وضياعها”.
في المقابل، حاولت بلدية بني وليد احتواء الغضب الشعبي بمنشور رسمي يتحدث عن “جدوى هذه الخطوة ويصفها بأنها ضرورية لتحسين الخدمات”، وهو ما قوبل بتشكيك واسع من الأهالي الذين رأوا فيه تبريراً لاحقاً لخطوة تمت دون استشارتهم.
انقسام الشارع الليبي: بين “فرق تسود” و”الشراكة المفروضة”
إذا كان ثمة ما يجمع عليه المراقبون فهو أن إعلان إقليم الوسطى فتح صندوق باندورا الخاص بالانقسامات الليبية على مصراعيه. فعلى منصات التواصل الاجتماعي، يمكن رصد تيارين رئيسيين متناقضين يعكسان عمق الاستقطاب الذي تعيشه البلاد.
التيار الأول، وهو الأكثر ضجيجاً في التعليقات واسعة الانتشار، يرى في الخطوة مؤامرة جديدة لتمزيق ليبيا وتكريس التقسيم، مستخدماً عبارات من قبيل “نبوا علم ونشيد وعملة غير الدينار كان تبونا نقعدوا امعاكم في الإقليم”، في إشارة ساخرة إلى أن الأمر يتجاوز التنسيق الإداري ليصل إلى مرحلة بناء دولة داخل الدولة.
أحد المعلقين لخص هذا الموقف بقوله: “ليبيا واحده وتتنقرا من جهتين يا انفصاليين يا جهويين يا…”. بينما أضاف آخر بلهجة تحذيرية: “فرحان واجد ماهي هذه بدية التقسيم يافالح. كانت ليبيا ثلاثة أقاليم واليوم قسموها إلى خمسة أقاليم وهذا ما يفرحك: فرق تسود”.
المعلقون المحسوبون على هذا التيار يرون أن ما يحدث هو “عقاب من رفضوا شعار ليبيا وحدة واحدة، فها نحن الآن في أقاليم، وبكرة يطلعلك إقليم برقة وبعدها إقليم فزان وبعدها إقليم طرابلس، يمكن مش بنفس التسمية ولكن بنفس المضمون”.
في الجهة المقابلة، يبرز تيار آخر أقل عدداً لكنه لا يقل وضوحاً، يرى أن مشكلة الليبيين ليست في التقسيم الفيدرالي بحد ذاته، بل في المركزية الجائرة التي تحتكر كل شيء في طرابلس.
أحد أبرز الأصوات المعبرة عن هذا التيار، الناشط عمر الطرشي، كتب تدوينة لافتة قال فيها: “إذا كنت تريد ليبيا واحدة يجب إلغاء المركزية ولا تنحصر مقدرات الدولة ومؤسساتها في إقليم واحد غير عادل.
يجب أن تكون سرت هي العاصمة. يجب توزيع المقدرات والسيادات على كامل الأقاليم بالعدل، أو الانفصال نحكيلك من برقة”.
الطرشي أضاف محذراً: “نحن في برقة ضد المركزية التي يهيمن عليها الخوارج والميليشيات، وإلا سوف نطبع عملة أخرى”، في تهديد صريح لا يحتمل التأويل.
بين هذين التيارين، يقف تيار ثالث أكثر اعتدالاً وأقل حدة، يرى أن الفكرة في جوهرها معيبة ليس لأنها تقسيم، بل لأنها “لم تأت من مدن ومكونات، بل أتت من مدينة واحدة عندها السلطة والقوة والمال”.
هذا التيار، الذي يعبر عنه محللون قانونيون وسياسيون، يرى أن التقسيم الإداري يجب أن يكون وفق رؤية وطنية شاملة وليس وفق منطق المغالبة وفرض الأمر الواقع. أحد المعلقين لخص هذه الرؤية بقوله: “قانون الحكم المحلي رقم 59 توجد فيه محافظات وليس أقاليم.
وخبر إعلان بدون صدور قرار. من حيث المبدأ، إنشاء الأقاليم أو إعادة تقسيم الوحدات الإدارية في ليبيا ليس من اختصاص مجلس بلدي منفرد، بل يعد من المسائل التنظيمية والإدارية التي تتطلب صدور تشريعات أو قرارات من الجهات المختصة على مستوى الدولة”.
الرد القانوني والدستوري: بلدية تتجاوز صلاحياتها
في خضم السجال السياسي والشعبي المحتدم، يبرز البعد القانوني كعنصر حاسم في تقييم شرعية الخطوة من عدمها. خبراء في القانون الدستوري والإداري الليبي استندوا إلى قانون الحكم المحلي رقم 59 لسنة 2012 ليؤكدوا أن إعلان بلدية مصراتة ومن معها يتجاوز بوضوح حدود الصلاحيات المخولة للمجالس البلدية.
فالنص القانوني، كما يشرح هؤلاء الخبراء، يحدد اختصاصات المجلس البلدي في “إدارة شؤون البلدية المحلية والتخطيط للخدمات والتنمية داخل نطاقه الإداري”، ولا يمنحه أي سلطة لإنشاء أقاليم جديدة أو تعديل التقسيمات الإدارية العليا للدولة.
“يمكن للمجلس البلدي المشاركة في اجتماعات أو مبادرات للتنسيق والتعاون بين البلديات أو طرح مقترحات بشأن التقسيمات الإدارية والتنموية، لكنه لا يملك بمفرده سلطة الإعلان الرسمي عن إنشاء إقليم إداري جديد ملزم للدولة”، هذا ما جاء في تحليل قانوني تناقلته منصات حقوقية وإخبارية ليبية. ويضيف التحليل أن “المسمى المعلن خاطئ، وهناك شيء اسمه المحافظات يتم تفعيلها وتضم مجموعة بلديات، وهذا يرجع للسلطة التنفيذية بشأن تفعيل المحافظات بحكم أن لها استناداً قانونياً في القانون 59”.
ويختم بدعوة صريحة: “أما المصطلح المعلن فليس من صلاحيات حكومة أن تعلنه فما بالك بمجلس بلدي؟ ويجب عليكم تدارك الأمر وتعديل المصطلح الذي قمتم بالإعلان عنه وتوضيح الأهداف والغايات منه”.
سؤال “من هو من صلاحيته إعلان هذا؟” تحول إلى مادة للسخرية الشعبية، خاصة مع غياب أي أثر للعملية الانتخابية التي من المفترض أن تسبق أي ترتيب إداري جديد.
أحد المعلقين علق ساخراً: “مافيش خبر عالانتخابات امتاع الإقليم”، في إشارة إلى أن من أعلنوا الإقليم لم يفكروا حتى في استشارة سكانه. هذه النقطة تحديداً تلامس إحدى أهم الإشكاليات التي يعاني منها المشهد الليبي ككل: غياب الشرعية الانتخابية وآليات التمثيل الحقيقي، مما يجعل أي قرارات مصيرية من هذا النوع عرضة للطعن والاعتراض بل والمقاومة.
ما بعد الإعلان: سيناريوهات مفتوحة على المجهول
في تقدير “ليبيا 24″، وبناءً على تتبع ردود الفعل الشعبية والتحليلات المتخصصة، فإن إعلان مصراتة عن إقليم الوسطى يفتح الباب أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية لا رابع لها.
السيناريو الأول يتمثل في تراجع الجهات المنظمة عن المسمى والمضمون السياسي للمبادرة، واستبداله بإطار تنسيقي خدمي يحترم حدود القانون وصلاحيات المجالس البلدية، وهو سيناريو يبدو الأقل ترجيحاً في ظل حجم الرفض الشعبي الذي قد يدفع بالجهات القائمة على المشروع إلى التشبث به كمسألة هيبة وكرامة.
السيناريو الثاني، وهو الأخطر، يتمثل في استمرار مشروع إقليم الوسطى في التبلور كمشروع سياسي وأمني، مما يدفع بمناطق وأقاليم أخرى إلى الرد بالمثل، ويغرق ليبيا في فوضى “الأقلمة” التي حذر منها معلقون كثر.
هذا السيناريو بدأت ملامحه تظهر فعلاً مع تداول أنباء عن استعداد مناطق أخرى “لحسم أمرها وإعلان أنها مناطق جديدة يفرضها المكون العرقي والاجتماعي والجغرافي”، كما كتب أحد المتابعين. وغرد آخر محذراً: “كل قبيلة هيا ولت دولة.. قعدت غير علي مناطق جغرافية هيا؟ تو يطلعوا التبو يبوا إقليم، والطوارق يبوا إقليم، والأمازيغ يبوا إقليم، وبرقة بكري، واتفتت لبلاد علي سطاش. برو راكم ماشيين صح”.
أما السيناريو الثالث، فهو سيناريو الرد العنيف من قوى إقليمية ترى في الخطوة استهدافاً مباشراً لمصالحها ووجودها.
في هذا السياق، يبرز التحذير الصارم الذي أطلقه ناشطون محسوبون على إقليم برقة، والذين وجهوا رسالة “إلى كل من يحاول إعادة رسم الخرائط على مقاس مصالحه الضيقة، وإلى كل من يتهاون في تقدير حجم ومكانة هذا الإقليم التاريخي”، قائلين: “نحن الأصل والأساس. عندما يتحدث إقليم برقة، فإنه يتحدث من موضع التاريخ والنضال والثقل الاستراتيجي والنفطي الذي قامت على أكتافه الدولة الليبية.
نحن لسنا طرفاً يمكن تجاوزه أو التهاون في حقوقه”. الرسالة التي بدت أقرب إلى بيان سياسي منها إلى تعليق على منصة اجتماعية، حذرت من أن “استمرار التلاعب بالثروات والمركزية المقيتة لن يزيدنا إلا تمسكاً بحقوقنا كاملة غير منقوصة. إما شراكة حقيقية تضمن لبرقة مكانتها التاريخية والاقتصادية، أو أن لكل حادث حديث… الانفصال قدام”.
الوطن الذي يلدغ من جحر الأقاليم مرتين
في المحصلة النهائية، يمثل إعلان “إقليم المنطقة الوسطى” أكثر من مجرد خطوة إدارية أو تنموية مثيرة للجدل.
إنه مرآة تعكس عمق المأزق الليبي، حيث تتحول حتى الأدوات التي صممت أصلاً لمحو التقسيم إلى أسلحة جديدة في حرب الاستقطاب.
فكرة ولدت في السبعينات لدمج الليبيين في كيان واحد ها هي تعود اليوم لتتحول إلى رأس حربة في مشروع تقسيم جديد، في مفارقة تكاد تكون سوريالية لولا أنها حقيقية ومؤلمة.
الشارع الليبي، الذي عبر عن موقفه بكل وضوح وشفافية على منصات التواصل الاجتماعي، يبدو هذه المرة أكثر وعياً بخطورة اللحظة وأكثر رفضاً لأي محاولة لفرض الأمر الواقع بقوة السلاح أو المال السياسي.
دعوات الوحدة ورافعي شعار “ليبيا وحدة واحدة” ليسوا هذا المرة مجرد مثاليين يحلمون، بل هم واقعيون يدركون أن الطريق إلى الوحدة الوطنية يبدأ من صناديق الاقتراع والدستور الدائم والتوافق الوطني، لا من “اجتماعات عمداء” تديرها حسابات القوة والمصلحة الضيقة.
ويبقى السؤال المعلق في الأجواء الثقيلة لسماء المنطقة الوسطى: هل كان هذا الإعلان مجرد مناورة تكتيكية في لعبة الأمم الدائرة في الغرب الليبي، أم أنه بالفعل بداية مسار لا رجعة فيه نحو تقسيم جديد للبلاد؟
الإجابة لن تتأخر كثيراً، فتفاعلات الأيام والأسابيع القادمة ستكشف إن كان “إقليم الوسطى” سيبقى مجرد حبر على ورق بيان بلدي، أم سيتحول إلى شوكة جديدة في جسد ليبيا المنهك أصلاً.



