ليبيا 24
انقطاع الكهرباء يغرق ليبيا في ظلام دامس والغضب يتصاعد
فيما تسجل درجات الحرارة في ليبيا أرقاماً قياسية تتجاوز الخمسين درجة مئوية، لا يجد ملايين الليبيين سوى الظلام الدامس والماء المتقطع واحتقان يتحول تدريجياً إلى مواجهة مفتوحة مع سلطة لم تعد تخفي عجزها.
إن أزمة انقطاع التيار الكهربائي التي تحولت إلى مأساة يومية في طرابلس، وتمتد في بعض مناطق الجنوب والشرق إلى أيام متتالية، ليست حدثاً طارئاً ولا مجرد خلل تقني؛ إنها الحصيلة المباشرة لغياب الشرعية وإدارة الموارد العامة بأدوات المحاصصة والارتجال، وهي في الآن ذاته الشاهدة الأبلغ على أن استمرار الوضع السياسي الراهن إنما يُمعن في تفكيك ما تبقى من عقد الدولة.
أرقام تتحدث وصمت يصم الآذان
تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي إلى أن نفقات الشركة العامة للكهرباء بلغت منذ مطلع العام وحتى نهاية شهر أغسطس نحو 2.5 مليار دينار ليبي.
وهو مبلغ لو قورن بأداء الشبكة لبدا وكأنه اختفى في فراغ، إذ لم ينعكس على استقرار التيار أو تقليل ساعات طرح الأحمال، بل على العكس تماماً؛ فمنطقة الزيغن في وادي البوانيس لا تزال تفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار الكهربائي، إذ تظل المنطقة الوحيدة في الجنوب الليبي بلا محطة تخفيض جهد 66 كيلو فولت، وتعتمد على خط وحيد بجهد 11 كيلو فولت قادم من سمنو، وهو ما يجعل أي عطل بسيط كفيلاً بإغراق آلاف العائلات في ظلام يفتك بالمزارع والممتلكات.
وفي غرب البلاد، أعلنت إدارة جهاز مشروع النهر الصناعي أن انقطاع التيار الكهربائي عن حقل آبار الحساونة أوقف جميع الآبار العاملة في حقول السرير وتازربو والحساونة عن الخدمة، وهو إنذار خطر يهدد استمرارية إمدادات المياه ويضرب في الصميم مرافق حيوية يفترض أن تكون بمنأى عن التجاذبات، إنْ وجدت دولة بمعناها الحقيقي.
هذه الأرقام والوقائع لا تحتاج إلى كثير من التحليل لتكشف عن فجوة هائلة بين ما يُصرَف وما يُنتَج، فجوة لا تُختزَل في تقادم الشبكة أو ارتفاع الاستهلاك، بل تشير إلى نمط من أنماط الإفلات من المساءلة لا يمكن فهمه خارج سياق غياب سلطة موحدة تخضع للمراقبة وتعمل وفق رؤية وطنية.
جغرافيا الأزمة: من يدفع الثمن؟
بحسب شبكة مراسلي «ليبيا 24» في مختلف المدن الليبية، فإن سكان طرابلس يواجهون ساعات انقطاع طويلة، تتزامن مع مشاهد تحشيدات الميليشيات واستعراضات القوة في شوارع لا يصلها التيار الكهربائي إلا بقدر ما تسمح به حسابات الأمر الواقع.
أما في الشرق، فرغم انضباط أمني أوفر، إلا أن ساعات الانقطاع تسجل تسع ساعات يومياً في بعض المناطق، ما يعطل حركة التجارة ويثقل كاهل العائلات ويربك عمل المستشفيات والمخابز ومحطات الوقود.
ولعل بلدية جنزور تقدم نموذجاً صارخاً لانعدام العدالة في توزيع الأحمال، إذ يشتكي الأهالي من أن بعض الأحياء تظل غارقة في الظلام بينما تنعم شوارع أخرى بالتيار دون انقطاع، في إشارة لا تخطئها العين إلى أن شبكة الكهرباء تحولت، في بعض المناطق، إلى أداة عقاب أو مكافأة وفقاً لاعتبارات لا علاقة لها بالهندسة الكهربائية.
الفساد المنظم: «السيناريو المفضوح» بلسان المواطنين
يتداول الليبيون على منصات التواصل الاجتماعي توصيفاً مراً لما يحدث: «عودتنا الشركة العامة للكهرباء خلال الخمس عشرة سنة الماضية بتفننها في جلب الأموال بطرق أقرب إلى أن نسميها بالخبيثة، فمع بداية فصل الصيف تختلق الأعذار والأساليب المفضوحة كي تتحصل على فلكية الأرقام المالية وتلجأ إلى أسلوب الاستفزاز».
هذه الكلمات المتداولة بكثافة لا تنبع من فراغ، بل هي خلاصة تجربة متراكمة صاغها المواطن الليبي الذي يدفع فاتورة الإنفاق دون أن يحصل على الخدمة، ويرى بعينيه كيف يتحول الغاز والنفط الليبي إلى إيرادات طائلة لا ينعكس أثرها على حياته.
ويكشف متابعون أن بعض المناطق تُعامَل باعتبارها «درجة ثانية» في حسابات الشركة، حيث يتركز طرح الأحمال على أحياء بعينها بينما تُستثنى أخرى، وهو إجراء لا يمكن تفسيره فنياً بقدر ما يحيل على استخدام الكهرباء كورقة ضغط سياسية ومجتمعية، ولا سيما في ظل حكومة لا تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع بل من توازنات الميليشيات والصفقات الإقليمية.
عندما تتحول الأزمة إلى سلاح: سياسة الأمر الواقع من الكهرباء إلى الماء
ليس خافياً أن تزامن انقطاع الكهرباء مع توترات أمنية وتحشيدات عسكرية يطرح أسئلة لا يمكن لمراقب جاد أن يتجاهلها. فحين يخرج الليبيون للاحتجاج على التوطين أو على تردي الأوضاع المعيشية، يفاجأون بأن ساعات القطع ترتفع فجأة، وكأن رسالة ما تُوجّه من خلف ستارة الظلام: «تعالى من الأخير». هذا الربط الذي يلمسه المواطن العادي وترجمته عبارة «هذه هي أفعال المخانب»، يكشف أن قطاع الكهرباء لم يعد قطاع خدمة عامة محايداً، بل أمسى امتداداً لأدوات الضبط الاجتماعي التي تستخدمها سلطة منتهية الولاية لإخماد أي صوت معارض.
والأخطر أن انقطاع الكهرباء لم يعد يهدد الراحة فقط، بل يهدد الأمن المائي. فتوقف آبار النهر الصناعي يعني أن مئات آلاف الليبيين سيواجهون قريباً أزمة مياه شرب إلى جانب أزمة الكهرباء، وهو سيناريو تتقاطع فيه الكارثة الإنسانية مع الفشل الإداري على نحو ينذر بانفجار اجتماعي لا تحمد عقباه.
المقاربة المصرية: درس لا يُستفاد منه
قبل أقل من عقد، واجهت مصر أزمة كهرباء طاحنة بلغت ذروتها في صيف عام 2014، لكن الفارق أن القاهرة تحركت وفق خطة عاجلة أسندت إلى خبراء وطنيين ومكاتب استشارية أجنبية، وضخت استثمارات تجاوزت سبعة وعشرين مليار دولار، أُبرمت في إطارها تعاقدات كبرى مع شركة سيمنز الألمانية لإنشاء ثلاث محطات عملاقة في بني سويف والبرلس والعاصمة الإدارية، أضافت للشبكة ما يناهز أربعة عشر ألفاً وأربعمئة ميغاواط، إلى جانب تطوير شبكات النقل وتنمية حقول الغاز والتوسع في الطاقة المتجددة عبر مجمع بنبان للطاقة الشمسية ومزارع الرياح، وتعزيز خطوط الربط الكهربائي مع دول الجوار ومنها ليبيا نفسها.
هذه التجربة تؤكد أن العائق في ليبيا ليس تقنياً ولا نقصاً في الموارد، فليبيا تمتلك من الغاز الطبيعي واحتياطيات النقد الأجنبي ما يمكّنها من تكرار النموذج المصري وأكثر، لو توفرت الإرادة السياسية وسلطة موحدة تملك حق التوقيع والتنفيذ بلا منازع.
غير أن استمرار الانقسام المؤسساتي، وفي القلب منه سيطرة حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية على مصرف ليبيا المركزي في طرابلس، يحول دون أي استثمار جاد في قطاع الطاقة، لأن كل دينار يُنفَق يمر عبر ممرات لا تخضع للرقابة، ويُصرَف بمنطق شراء الولاءات وتمويل أجسام مسلحة لا بمنطق بناء المحطات وتأهيل الشبكات.
الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد: البديل المحاصر
في الجانب الآخر من المشهد، تقف الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد، المنبثقة عن مجلس النواب صاحب الشرعية الانتخابية، لتقدم رؤية مختلفة لإدارة الأزمة.
فمنذ تشكيلها، سعت الحكومة الليبية إلى وضع خطة طارئة لإعادة هيكلة قطاع الكهرباء تعتمد على ثلاثة محاور: الصيانة العاجلة لوحدات التوليد القائمة، وإبرام عقود مباشرة مع شركات دولية متخصصة لإنشاء محطات جديدة في الشرق والجنوب، وتنويع مصادر الطاقة عبر فتح الاستثمار في الطاقة الشمسية والرياح في مناطق لا تنازع عليها الميليشيات.
غير أن هذه الخطط تصطدم بجدارين سميكين: الجدار الأول هو حصار مالي خانق، حيث تظل عائدات النفط الليبي، الذي تحرس الحكومة الليبية حقوله وموانئه بمسؤولية عالية، تُورَد إلى مصرف ليبيا المركزي الذي يخضع عملياً لسلطة الأمر الواقع في طرابلس، ما يحرم الحكومة من التمويل اللازم لتنفيذ مشاريعها.
والجدار الثاني هو الرفض الدولي الضمني، حيث تستمر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وبعض القوى الغربية في التمسك بـ«حكومة الوحدة» التي انتهت ولايتها بموجب اتفاق جنيف وخارطة الطريق، متجاهلةً أن الحكومة الليبية هي الجهة الوحيدة التي تحظى بتفويض من البرلمان المنتخب وتسيطر على غالبية الأراضي الليبية، بما فيها منابع الطاقة.
دبلوماسياً، لا تطلب الحكومة الليبية امتيازات استثنائية، بل إنصافاً: فهي لا تزال تتعامل بمسؤولية مع المجتمع الدولي، وتؤمن بأن استقرار ليبيا يبدأ من تمكين سلطة موحدة قادرة على أن تقول للسكان «إن التيار لن ينقطع».
لكن استمرار تغييب هذه الحكومة عن مفاوضات الحل السياسي، وحرمانها من الوصول المباشر إلى الموارد، إنما هو تغييب لإرادة ملايين الليبيين الذين يرون فيها ممثلهم الدستوري الوحيد.
وليس خافياً أن كثيراً من الليبيين يرون في هذا التجاهل سبباً رئيساً لاستفحال الأزمة، وعبارة «لو تم دعم الحكومة الليبية لكانت أزمة الكهرباء من الماضي» صارت تتردد في الشارع كما في مجالس النخبة.
صوت الشارع: الغضب يتحول إلى احتجاج
في تطور لافت، تحول غضب المواطنين إلى دعوات منظمة للاحتجاج السلمي. فقد دعت بيانات متداولة أهالي مناطق الخلة وعين زارة وقصر بن غشير ووادي الربيع إلى التجمع عند محطة «التبة» المغذية لعدد من الأحياء بعد صلاة المغرب للتعبير عن رفضهم استمرار طرح الأحمال، مؤكدين على حضارية التحرك وسلميته.
هذه الدعوات تمثل تحولاً نوعياً: فبدلاً من الشكوى الافتراضية، ينتقل المواطن إلى الفضاء العام ليقول لصانع القرار إن الكهرباء حق والحصول عليها ليس منّة.
ويكشف رصد «ليبيا 24» لآراء المتابعين أن ثمة إجماعاً شعبياً نادراً على تشخيص الداء: «مافيش أزمة كهرباء في ليبيا، احنا عندنا كهرباء يغطي حتى دول الجوار، بس في حكومات فاسدة وخنابة وهما الي يفتعلوا الأزمة».
ويذهب بعض المعلقين إلى أبعد من ذلك حين يعتبرون أن الأزمة مُفتَعلة بالكامل لاستدرار الأموال تحت يافطة الصيانة وقطع الغيار، مستشهدين بأن الموازنات التي أُعلن عنها تكفي، لو أُنفقت بحوكمة رشيدة، لإنارة ليبيا وعدد من دول الجوار.
ثمة أيضاً إدراك متنامٍ بأن الحلول الترقيعية لن تجدي، وأن استمرار الانقسام يخدم أجندة خارجية تريد إبقاء ليبيا ضعيفة مستنزَفة.
إذ يلخص أحد المتابعين المشهد بقوله: «هم حاليا مستفيدين مما يحدث في ليبيا بل هم وراء ما يحدث، لأن اتفاق الليبيين ليس من صالحهم في شيء، فوجود عدة أجسام سياسية هو من صنعهم، وهمهم الوحيد استنزاف ثروات ليبيا وإيصالها لسيناريو النفط مقابل الغذاء». هذا الوعي الشعبي العميق، وإن اتسم أحياناً بطابع الغضب، يشكل ركيزة لأي حل مستقبلي قائم على السيادة الوطنية.
الطريق إلى النور: حلول لا تحتمل التأجيل
إن معالجة أزمة الكهرباء في ليبيا لا يمكن أن تبدأ من المحطات والأسلاك وحدها، بل تبدأ من تسوية سياسية حقيقية تعيد بناء مؤسسات الدولة على أساس الشرعية الدستورية والشفافية المالية. وفي هذا السياق، تبرز ثلاثة محاور لا غنى عنها:
الأول: توحيد المؤسسة النقدية. فطالما أن هناك مصرفاً مركزياً منقسماً، أو خاضعاً لجهة واحدة دون رقابة برلمانية فعلية، سيبقى الإنفاق على الكهرباء مرتهناً للمزاج السياسي، وستظل مئات الملايين تتبخر في صفقات مشبوهة.
والبديل يتمثل في تمكين الحكومة الليبية من الوصول إلى حصتها العادلة من الإيرادات، وفق آلية شفافة تُقرها لجنة مالية مشتركة بين الشرق والغرب، لتتمكن من تنفيذ خطتها الاستثمارية في قطاع الطاقة دون عرقلة.
الثاني: فتح المجال أمام شركات دولية محايدة، تُبرم معها الحكومة الليبية عقوداً مباشرة لبناء محطات دورة مركبة في مدن لا تشهد نزاعاً مسلحاً، مثل طبرق والبيضاء وسبها، على غرار النموذج المصري، مع ضمانات سيادية تقدمها الدولة الليبية من خلال المؤسسة العسكرية الموحدة.
مثل هذه المشاريع قادرة على إضافة آلاف الميغاواط خلال فترة وجيزة نسبياً، شريطة أن تخرج من دائرة الصراع بين حكومتين.
الثالث: إعادة هيكلة الشركة العامة للكهرباء بصورة جذرية، تبدأ بتعيين مجلس إدارة كفؤٍ ومستقل، وتفعيل ديوان المحاسبة لمتابعة كل دينار يُنفَق، ونشر تقارير دورية عن الإنتاج والتوزيع والصيانة، بحيث يتحول ملف الكهرباء من غرفة عمليات سرية إلى وثيقة عامة يطلع عليها كل مواطن.
ولا يغيب عن هذه الحلول البُعد الاجتماعي؛ فالمواطن الليبي الذي يعاني اليوم من وقع الحرمان، يحتاج إلى رسالة طمأنة من دولة جادة، لا إلى وعود جديدة من حكومة فقدت صلاحيتها وباتت عبئاً على من يفترض أن تخدمهم.
وفي استطلاعات الرأي التي يرصدها «ليبيا 24»، تتكرر مقولة: «الشرعية هي شرعية الإنجاز، والحكومة هي الخدمات». فإذا كانت حكومة الدبيب قد أظهرت على مدى سنوات أنها غير قادرة على تحقيق أبسط الخدمات، فما المبرر لاستمرارها؟
الاستقرار يبدأ من الإنارة
لقد أثبتت تجارب دول مرت باضطرابات مشابهة أن الكهرباء ليست ترفاً، بل هي العمود الفقري للاستقرار الاقتصادي والأمني.
فالمستشفيات التي تنطفئ، والمخابز التي تتوقف، والمياه التي تنقطع، كلها عوامل تؤجج مشاعر الإحباط وتصنع بيئة خصبة للتطرف والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، وهو ما يضر بمصالح ليبيا كما يضر بمصالح جيرانها والقوى الدولية المعنية بالاستقرار في المتوسط.
لذا، فإن أي قوة دولية تتعامل بجدية مع الملف الليبي، مدعوة إلى أن تنظر إلى أزمة الكهرباء بوصفها الجرس الأخير: فالشعب الليبي لم يعد يحتمل حكومة تصرف المليارات على الورق وتتركه في الظلام، وهو يتطلع إلى سلطة شرعية واحدة قادرة على أن تقول له «لن ينقطع التيار الليلة».
وتلك السلطة لا يمكن أن تكون إلا حكومة تحظى بثقة البرلمان المنتخب وتسيطر فعلياً على الأرض، وتدير موارد البلاد بشفافية.
في الأثناء، يبقى صوت الأهالي في الزيغن وجنزور وقصر بن غشير وكل المدن المنكوبة هو الفيصل: «كفى ظلاماً… الكهرباء حق». وهي كلمات تختزل برنامجاً وطنياً كاملاً، إن أراد صانعو القرار أن يسمعوا.



