
ليبيا 24
اعتقال عصابة أجنبية استدرجت ليبية وسرقت مركبتها بطرابلس
استدراج تحت قناع الصداقة.. تفاصيل جريمة هزت العاصمة
لم تكن الليلة التي خرجت فيها الشابة الليبية (ق.ع) ظناً منها أنها في طريقها إلى لقاء ودي مع صديقات، سوى فخ محكم نسجته أيادٍ امتهنت الإجرام تحت أغطية الشهرة والترف.
ففي واقعة هزت الرأي العام في طرابلس، تمكن جهاز دعم المديريات من فك لغز عصابة نسائية متخصصة في استدراج الضحايا والاعتداء عليهن، قبل أن تتكشف خيوط القضية لتلامس ملفات أخطر، من القتل العمد إلى تزوير الهوية وانتحال الصفة الوطنية.
المشهد الأول للجريمة بدأ ببلاغ وارد إلى رجال الشرطة يفيد بتعرض فتاة ليبية لعملية استدراج إلى إحدى الاستراحات في حي الأندلس الراقي.
هناك، تحول اللقاء إلى كابوس استمر لساعات، حيث تم حجز حريتها، والاعتداء عليها بالضرب المبرح والسب والشتم، وتهديدها بتصويرها واغتصابها. لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى الاستحواذ على مركبتها وهواتفها المحمولة، ليس بغرض السرقة المؤقتة، بل لتفتيش محتواها وابتزازها بصورها الخاصة، بينما تجول أفراد العصابة بسيارة الضحية في شوارع المدينة وكأنهم فوق القانون.
ولم تغب عن المشهد جريمة التحرش الجنسي التي نفذها شخص كان برفقة المتهمات، ليكتمل عقد الانتهاكات الجسدية والنفسية بحق المجني عليها، التي تعيش أصلاً أوضاعاً أسرية هشة بعد فقدانها لوالدتها، واعتمادها على شقيقين فقط لا يملكان سنداً يحميهما من بطش هؤلاء.
جهاز دعم المديريات.. استجابة فورية تفكك شبكة معقدة
لم يكن رد فعل الأجهزة الأمنية تقليدياً. فور ورود البلاغ، باشر رجال التحريات عملاً استخباراتياً دقيقاً جمعوا فيه الخيوط من كاميرات المراقبة وإفادات الشهود، رغم محاولات بعض الجيران التغاضي عن الصراخ الذي سمعوه بحجة أنها “دعاية لبيع العبايات”، في مشهد يعكس ثقافة “من خاف سلم” التي ما تزال تحكم سلوك البعض.
عملية التتبع أسفرت عن نصب كمائن متزامنة أربكت عناصر الشبكة، لتسفر عن ضبط المدبرة الرئيسية وتدعى (أ.أ.هـ) وشقيقتها (آ.أ.هـ)، وهما من جنسية أجنبية، قبل أن تتسع دائرة المقبوض عليهم لتشمل في نفس التوقيت شخصاً آخر يدعى (أ.س.ع).
لكن المفاجأة الكبرى كانت في الكمين الموازي الذي أوقع باثنتين أخريين، من بينهم من تدعى (ف.م.ن)، المطلوبة على ذمة قضية أخرى أشد بشاعة، وهي التورط في تصفية وقتل الشاب زكريا المرغني الذي عثر على جثمانه مدفوناً في مقبرة بأبوسليم قبل أشهر.
واختتم المشهد بتسليم أخرى لنفسها تدعى (ف.ك.إ)، ليكتمل عدد الموقوفين عند ستة أشخاص، كلهم من جنسيات أجنبية رغم حملهم لأرقام وطنية ليبية.
من هي “أميرة الهدار”.. القناع الذي سقط
التحقيقات الأولية كشفت أن العقل المدبر ليس مجرد جانحة عادية، بل هي الناشطة التونسية أميرة الهدار، المولودة في عام 2001، والتي لطالما قدمت نفسها عبر شاشات القنوات الفضائية ومنصات التواصل بصفتها “خبيرة تجميل” ولقبت نفسها بـ”عروسة النور”.
كانت أميرة، بمساعدة شقيقتها آية (مواليد 2005) وفتاة سورية تدعى فاطمة (مواليد 2004)، تدير واجهة براقة من الدعايات التجارية ومقاطع الترندات التي تجتذب آلاف المتابعات الليبيات، بينما تستخدم هذه الشعبية المزيفة لاصطياد ضحاياها.
اعترافها المبدئي باستدراج البنات وخطفهن قلب صورة “البلوغر” البريئة التي كانت تتلقى الدعم والترحيب حتى من بعض الجهات الرسمية في مناسبات كبرى، وهو ما أعاد طرح السؤال المؤلم: كيف يمكن لأشخاص هذا مستواهم الفكري والأخلاقي أن يصبحوا وجهاً إعلامياً مقرباً من دوائر القرار، في بلد يزخر بالكفاءات العلمية والأكاديمية الحقيقية؟
جيل ما بعد 2011.. إحصاءات الجريمة المؤنثة تتحدث
بعيداً عن تفاصيل هذه القضية وحدها، تبرز معطيات خطيرة باتت تفرض نفسها على طاولة المحللين الأمنيين وعلماء الاجتماع. إذ تشير تقارير غير رسمية تداولتها أوساط حقوقية إلى ارتفاع منسوب الجريمة بين الفئة العمرية التي كانت في مقتبل العمر خلال أحداث سنة 2011. الجيل الذي ولد بعد عام 2000، وتحديداً الإناث منهن، بدأ يظهر في سجلات الشرطة بشكل متزايد، سواء كضحايا أو كجناة.
هذه الظاهرة ليست معزولة عن السياق العام للانهيار التعليمي والتربوي الذي ضرب البلاد، حيث تركت الحروب والنزاعات ملايين الأطفال دون رقابة أسرية حقيقية أو قدوة مجتمعية، فتشكل وعيهم في فضاء افتراضي تسوده قيم المادة والشهرة السريعة والاستهتار بالقانون.
حالة أميرة الهدار ليست سوى قمة جبل الجليد. الشابة التونسية التي دخلت ليبيا رفقة الآلاف من العمالة الوافدة، وجدت في انفلات الهوية منفذاً للتحول إلى مواطنة ليبية بالأوراق، وهو ما يطرح إشكالية أمن قومي من الدرجة الأولى.
كيف حصلت هذه العناصر على أرقام وطنية؟ ومن هي الشبكات التي تقف خلف تزوير المستندات الرسمية؟ الأسئلة تتوالى، فيما تكتفي الجهات المعنية بالرد عبر بيانات القبض، دون أن تقدم إجابات شافية عن جذور الكارثة التي تهدد النسيج الديموغرافي للبلاد.
البعد الاقتصادي والقانوني: عصابات الدعاية الوهمية
اقتصادياً، خلقت الظروف التي تمر بها ليبيا سوقاً موازية قوامها الدعاية عبر منصات التواصل. فتيات مثل أميرة الهدار كن يجنين آلاف الدنانير شهرياً من إعلانات المكياج والعباءات ومنتجات التجميل، في بلد يئن مواطنوه تحت وطأة أزمة سيولة خانقة.
هذا التدفق المالي السريع منحهن قوة شرائية مكنتهن من استئجار استراحات فخمة بأموال المعلنين الليبيين الذين لم يسألوا أنفسهم: من هي هذه التي ندفع لها دماء قلوب زبائننا؟ والأدهى أن هؤلاء المعلنين، ومعهم شرائح من المتابعين، هم من خلقوا الوحش الذي انقلب عليهم.
قانونياً، يكشف ملف التحقيق عن تراكم مخيف للجرائم على ذات الأشخاص. فالمتهمة الثانية (ف.م.ن) كانت مطلوبة في قضية قتل سابقة ولم يتم القبض عليها إلا صدفة خلال الكمين الخاص بحادثة الاستدراج.
هذا يعني أن بيئة الإفلات من العقاب ما تزال خصبة، وأن المجرمين يتنقلون بحرية بين الجرائم طالما امتلكوا المال والقدرة على تغيير الهوية.
النيابة العامة اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن تحول ملف هذه العصابة إلى درس قضائي رادع ينتهي بأقصى العقوبات التي يجيزها القانون، بما فيها المؤبد أو الإعدام لجريمة الخطف المقترنة بالسرقة والتهديد بالاغتصاب وقتل نفس بغير حق في القضية الأخرى، وإما أن يتسرب الملف في دهاليز التسويات والمحسوبيات لتعود المتهمات إلى الشارع بعد أشهر.
المطلوب من الدولة والمجتمع.. معركة استعادة السيادة الأخلاقية
في قلب هذه العاصفة، يقف المواطن الليبي البسيط حائراً. فالرجل الذي يخالفونه في مركبته ذات الزجاج الخلفي “السلفر” بسبب مخالفة بسيطة، يرى اليوم فتيات أجنبيات يقدن سيارات فارهة “سوداء اللون” دون لوحات واضحة، ويتجولن ليل نهار دون رادع، وسط صمت مطبق من دوريات المرور وأجهزة الأمن التي تنشط فقط في ملاحقة الغلابة.
هذا الشعور بفقدان العدالة هو ما أجج غضب الرأي العام على منصات التواصل، حيث طالب مواطنون بأن لا يتم تحويل المتهمين للنيابة بسرعة، بل أن تطبق عليهم إجراءات تأديبية صارمة داخل مراكز الاحتجاز “لتربية” من هن دون سن الرشد، في إشارة إلى شقيقة أميرة التي لم تتجاوز العشرين عاماً بعد.
لكن الحل لا يكمن في الإعدامات الشعبوية وحدها. المطلوب اليوم، من منظور محافظ يصون كرامة الليبيين، هو حزمة إجراءات سيادية وأخلاقية.
أولاً، تفعيل الرقابة الصارمة على الأجانب المقيمين، ومراجعة منظومة منح الأرقام الوطنية التي باتت “بيزنس” يدار في الغرف المظلمة. ثانياً، فرض ضوابط على تأجير الاستراحات والعقارات، بحيث لا يتم التسليم إلا بعقود موثقة وأسماء عائلات ليبية معروفة، وليس لأي عصابة تدعي التنزه.
ثالثاً، إطلاق حملة وطنية تستهدف أولياء الأمور بمتابعة هواتف أبنائهم وعلاقاتهم، فالتوجيه الأسري هو خط الدفاع الأول، كما ناشد جهاز دعم المديريات في بيانه. رابعاً، ملاحقة المعلنين والممولين الذين يضخون الأموال في حسابات هؤلاء الناشطات دون تدقيق، ومحاسبتهم على دعم أنشطة تهدد الأمن المجتمعي.
بين مطرقة الجريمة وسندان الصمت.. دروس من قضية “أميرة”
قضية أميرة الهدار لا تخص فتاة تونسية خرجت عن المسار، بل تخص مجتمعاً ليبياً ضربته النزاعات في مقتل، ففقد بوصلته الأخلاقية وأصبح يمجد كل ما هو لامع ولو كان زائفاً.
حين وقفت هذه الفتاة إلى جانب مسؤولين كبار في مناسبات عامة، لم يسألها أحد عن مؤهلاتها، لأن سطوة المتابعين والترند كانت كافية لجعلها “شخصية عامة”. وحين استغاثت الضحية المسكينة، وجدت أن الجيران فضلوا الصمت خوفاً من “القالة”، في مشهد يلخص المأساة الليبية: فرد يخاف على سمعته أكثر من خوفه على حياة جاره.
إن استعادة هيبة الدولة تبدأ من هنا، من حي الأندلس حيث أُلقي القبض على العصابة، ومن أبوسليم حيث دفن زكريا المرغني.
تبدأ حين يُعرف كل أجنبي أن ليبيا ليست مرتعاً للمجرمين، وحين يتأكد كل مواطن أن القانون سيف ذو حدين يحمي الضعيف قبل أن يطارد المخالف البسيط. فليكن سقوط “عروسة النور” في بئر الجريمة التي حفرتها بيديها، إيذاناً بفجر جديد للعدالة في بلاد مزقتها الفوضى طويلاً.



