
ليبيا 24
عيسى: إعلان الأقاليم يتجاوز الصلاحيات ويفتقد للسند القانوني والتوافق الوطني
في خطوة أعادت إلى الأذهان سيناريوهات كانت حبيسة أوراق المراكز البحثية الغربية، أثار الإعلان عن تأسيس إقليم أو تجمع للبلديات وسط البلاد موجة عارمة من ردود الفعل السياسية والقانونية، متجاوزاً بذلك حدود الإجراء الإداري إلى دائرة الجدل الوطني العميق حول وحدة الأراضي والسيادة الليبية.
وبين تحذيرات من تجاوز قانوني صارخ ومخاوف من إحياء مشاريع التقسيم، يقف المشهد السياسي الليبي أمام منعطف خطير يهدد بتعميق حالة الانسداد والانقسام المؤسساتي التي تعاني منها البلاد.
تحذيرات من تجاوز الشرعية والدعوة إلى التوافق
من منظور قانوني وإداري، سلط الدبلوماسي السابق عادل عيسى الضوء على الإشكاليات الجوهرية التي تكتنف هذه الخطوة، مؤكداً أن الانفراد باتخاذ قرارات مصيرية وحساسة تمس بنية المدينة ليس الخيار الأمثل على الإطلاق.
وشدد عيسى على أن مثل هذه القضايا المصيرية تتطلب منطقاً مختلفاً قوامه التشاور وتوحيد الجهود، وإشراك الحكماء ومختلف المكونات الاجتماعية، والاستفادة من الخبرات المتنوعة، بما يفضي إلى قرارات أكثر حكمة وفاعلية ومتوافقة مع الأطر القانونية التي تحقق المصلحة العامة وتحفظ مصالح البلديات وأهلها.
وفي صلب التحليل القانوني، أوضح عيسى أن الإعلان عن تأسيس إقليم أو تجمع للبلديات يتجاوز بشكل قاطع الصلاحيات القانونية المخولة لعمداء البلديات.
وأشار إلى أن مثل هذه الخطوات، بما تحمله من أبعاد إدارية وسياسية عميقة، لا يمكن إقرارها إلا عبر السلطة التشريعية المختصة ومن خلال إطار قانوني واضح يحدد طبيعتها واختصاصاتها وآثارها، محذراً من أن أي مسار يتجاوز ذلك يمثل فراغاً قانونياً ويُدخل البلاد في نفق مظلم من الخلافات والتجاذبات.
وأضاف أن أي مشروع بهذا الحجم والأهمية كان يستوجب بالضرورة إشراك المواطنين والناخبين في البلديات المعنية، وفتح نقاش عام واسع حول أهدافه وتداعياته، احتراماً لمبادئ المشاركة الشعبية والشفافية في صناعة القرار.
وخلص عيسى إلى أن المضي في هذه الإجراءات في ظل حالة الانسداد السياسي والانقسام المؤسسي يُعد خطوة تفتقر إلى التوافق الوطني والسند القانوني، وتثير تساؤلات حول أهدافها الحقيقية، مما يجعل توقيتها غير مناسب ويستوجب التريث وإخضاعها لنقاش وطني مؤسساتي شامل.
الشروع في التنفيذ: شبح التقسيم يعود إلى الواجهة
من جانبه، ذهب المحلل السياسي الدكتور خالد الحجازي إلى ما هو أبعد من التحفظات القانونية، معتبراً أن إعلان إقليم المنطقة الوسطى يمثل خيانة للوطن ويعيد إلى الأذهان المشروع المنسوب للمفكر اليهودي الأمريكي برنارد لويس، والذي استهدف تفتيت الدول العربية والإسلامية إلى دويلات وأقاليم ليسهل السيطرة عليها. ويستند هذا التحليل إلى الأبعاد الجيوسياسية لمشروع التقسيم، الذي يقوم على خلق كيانات هشة تحت الوصاية الدولية، مستغلاً الإرث الاستعماري لحدود “الولايات الثلاث”، ومؤسساً على المرجعيات القبلية والمحلية لخلق كيانات متناحرة تدور في فلك التبعية للقوى الكبرى دون حاجة لجيوش احتلال.
واستحضر الحجازي بشكل لافت ما نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” عام 2013، في تحليل للكاتبة روبن رايت، والذي تنبأت فيه بتفكك ليبيا نتيجة التنافسات القبلية والإقليمية القوية، وإمكانية انقسامها إلى قسميها التاريخيين، طرابلس وبرقة، وربما دولة فزانية ثالثة، بل وذهبت التحليلات آنذاك إلى إمكانية ظهور ما بين خمس إلى سبع دول على خريطة ليبيا إذا استمر الوضع على ما هو عليه. وتساءل الحجازي مستنكراً: “فهل بدأنا في التنفيذ؟”، محذراً من أن الشروع في إقامة إقليم رابع ليس مجرد مشروع سياسي عابر، بل خطوة خطيرة تمس وحدة الوطن وسيادته، وتفتح الباب أمام المزيد من الانقسام والتفتيت.
ليبيا الموحدة: سياج السيادة الأخير
في خضم هذه التحذيرات، يبرز إجماع وطني على أن ليبيا دولة واحدة موحدة، وأن أي محاولة لفرض واقع سياسي أو إداري يهدد هذه الوحدة يُعد اعتداءً على إرادة الشعب ومصالحه العليا.
ويشدد المراقبون على أن الواجب الوطني يفرض الوقوف بحزم في مواجهة أي مشروع تقسيم تحت أي مسمى، فالأوطان لا تُبنى بالتجزئة ولا تُحمى بالمحاصصة، بل بالتوافق الوطني والحفاظ على وحدة الأرض والشعب والمؤسسات.
ويؤكد الإجماع نفسه على أن أي جهات أو أشخاص يثبت تورطهم في مخططات تستهدف المساس بوحدة ليبيا يجب أن يخضعوا للمساءلة القانونية عبر المؤسسات القضائية المختصة، صوناً لمستقبل الأجيال القادمة ودفاعاً عن وحدة المصير.



