ليبيا

بن طابون: إخراج المرتزقة وتوحيد المؤسسة العسكرية جوهر توصياتنا السيادية

بن طابون: ستة أشهر من الالتزام الصعب أنتجت أفضل صيغة توافقية لليبيا

ليبيا 24

المصالحة عبر بوابات الأمن والاقتصاد: تشريح توصيات الحوار المهيكل وآليات إلزام الفرقاء بتنفيذها

في لحظة مفصلية من عمر الأزمة الليبية، حيث تتقاطع المصالح المحلية مع حسابات القوى الدولية، تبرز مخرجات الحوار المهيكل ليس كحدث عابر في روزنامة البعثة الأممية، بل كمحاولة جادة لإعادة تعريف مفهوم “الملكية الليبية” للعملية السياسية.

من وسط هذا المشهد، خرجت عضو لجنة المسار الأمني بالحوار المهيكل، إنشراح بن طابون، لتكشف النقاب عن كواليس صراع دام ستة أشهر داخل غرف النقاش المغلقة، وكيف تحولت الخلافات العميقة إلى توصيات قد ترسم ملامح الدولة الليبية المنشودة.

خارطة طريق للخروج من النفق: الحوار يتمسك بالأرض الليبية

يختلف هذا المسار الأممي عن سابقيه بكونه الأول الذي عُقدت جميع جلساته داخل الأراضي الليبية دون الحاجة إلى فنادق العواصم الأجنبية. هذا التحول الجغرافي، وفق تحليل بن طابون عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك ورصدته “ليبيا 24″، لم يكن رمزياً فحسب، بل شكل درعاً واقياً ضد التدخلات الخارجية المباشرة وأجبر الأطراف على مواجهة واقع الشارع الليبي بدلاً من التخفي خلف دهاليز الدبلوماسية الدولية.

هذه “الملكية الليبية”، كما وصفتها، عززت منسوب السيادة الوطنية في النقاشات، وجعلت أي محاولة للانحراف عن المصلحة العامة مكشوفة أمام ضغط المكونات الاجتماعية التي كانت تترقب النتائج من مسافة صفر.

تفاصيل التوافق: تفكيك العقدة الأمنية والاقتصادية

في صلب التوصيات، يكمن اتفاق ثلاثي الأبعاد يلامس جوهر الأزمة: الإخراج الفوري وغير المشروط للمرتزقة والمقاتلين الأجانب، المطالبة بحكومة موحدة جديدة تشرف على الانتخابات، وإنهاء الانقسام المؤسسي لتسريع المسار نحو قيادة عسكرية وأمنية واحدة تخضع للسلطة المدنية.

تكشف بن طابون أن “تغليب أغلبية أعضاء المسار الأمني لمصلحة ليبيا” هو ما أوصل إلى هذه الصيغة، مشيرة إلى أن النقاشات لم تكن نظرية، بل كانت أشبه بمعركة تفاوضية لإقناع كل طرف بأن تفكيك الميليشيات وتوحيد المؤسسة العسكرية هو الضمانة الوحيدة لعدم انهيار الاقتصاد الليبي الذي أنهكته الانقسامات الموازية للميزانيات والمصارف المركزية.

فالترابط بين المسارين الأمني والاقتصادي، وفق ما نوقش، لم يعد ترفاً أكاديمياً، بل أصبح شرطاً لبقاء الدولة، إذ لا يمكن تصحيح الإنفاق العام أو توحيد سعر الصرف في ظل وجود جيوش موازية تدير اقتصادات ظل تعرقل أي إصلاح مالي هيكلي.

في غرفة العمليات: ستة أشهر من إدارة الخلافات والصيام

تحمل شهادة بن طابون بعداً إنسانياً وسياسياً عميقاً حول إدارة الاختلاف. فعلى مدار نصف عام، لم تكن جلسات المسار الأمني مفصولة عن تركيبة المجتمع الليبي المنقسمة، حيث تروي كيف اشتعلت النقاشات وتحولت أحياناً إلى مشاحنات وصراعات حادة، لا تعكس فقط تباين الآراء، بل أيضاً اختلاف الخلفيات العلمية والمهنية والجغرافية.

ألقت بن طابون الضوء على الفترة التي تولت فيها منصب التنسيق داخل المسار، واصفة إياها بالأصعب. كان التحدي يتمثل في معادلة مستحيلة: احتواء الأطراف الرافضة والمُعَرْقِلة دون إقصائهم، مع الحفاظ على صرامة كافية تمنع انهيار المسار. ومما زاد المشهد تعقيداً، تزامن هذه المهمة مع شهر رمضان، مما ضاعف الضغط النفسي والذهني لضرورة إدارة الملف في أجواء روحانية تتطلب صبراً مضاعفاً.

إنجازها لهذه المهمة بنجاح، كما صرحت، أضاف إلى تجربتها الكثير، وهو ما يعكس أن القيادة النسوية في ملفات الأمن القومي لم تعد مجرد تمثيل شكلي، بل تحولت إلى فعل ميداني ومؤسسي قادر على الامتصاص والبناء في آن واحد.

الشباب يمسك بزمام المبادرة: من صياغة التوصيات إلى ضمان التنفيذ

بعيداً عن دهاليز النخب السياسية، وباستضافة من التكتل الوطني لشباب المنطقة الغربية، انتقلت المعركة إلى مربعها الأهم: الشارع. في جلسة حوارية حضرها موقع “ليبيا 24″، اجتمع خليط من النشطاء المدنيين وممثلي المكونات الثقافية والأحزاب، ليؤكدوا أن الحوار ليس حكراً على من يحملون صفة “عضو لجنة”.

أبرز توصيات الشباب كانت أكثر واقعية، إذ طالبوا بتحرك وطني موسع لدفع الأجسام السياسية لتطبيق التوصيات، وعدم الاكتفاء بها كوثيقة على الرف. كما دعوا البعثة الأممية إلى التحرك بسرعة لإصدار قرار دولي يضمن تنفيذ المخرجات ويشكل ضغطاً على المعرقلين، في إدراك واضح بأن السيادة الوطنية لن تكتمل دون ضمانات دولية تلجم أي محاولة لانقلاب الأجسام القائمة على مخرجات الحوار.

ما بعد التوصيات: اختبار الإرادة السياسية والأمن الاقتصادي

في التحليل النهائي، تضع توصيات الحوار المهيكل الليبيين أمام اختبار حقيقي. فالمطالبة بحكومة واحدة تشرف على الانتخابات تعني عملياً إزاحة أو دمج الأجسام التنفيذية الحالية، وهو ما يتطلب ضغطاً شعبياً هائلاً يمنع تكرار سيناريوهات تمديد المراحل الانتقالية.

أما إخراج المرتزقة، فهو الامتحان الأكبر للسيادة، حيث سيتطلب توافقاً إقليمياً ودولياً نادراً. تربط بن طابون كل هذه الملفات بخيط رفيع من الحذر والتفاؤل، مؤكدة أن الوصول إلى أفضل نسخة من التوصيات لم يكن سهلاً، لكن مرحلة التأكد من جدواها بدأت الآن.

إنه سباق بين قدرة الليبيين على استثمار زخم الحوار وبين القوى التي تجيد صيد الفرص في مياه الفوضى العكرة. وبينما يترقب الليبيون انفراجة اقتصادية تعيد قيمة الدينار وتوحد ميزانية التنمية، يبقى نجاح المسار السياسي والأمني هو المفتاح الوحيد لذلك، وهو ما عبرت عنه روح جلسة الشباب بوضوح: “لا تنمية دون استقرار، ولا استقرار دون جيش واحد وسلطة مدنية منتخبة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى