ليبيا

الغرياني يصعّد هجومه على مسار التسوية الليبية.. والحوار المهيكل يرد: التخوين لن يوقف الاستحقاق السياسي

الغرياني يصعّد هجومه على مسار التسوية: "عدوان" على الشعب وتحريض على الاحتجاج ضد مؤسسة النفط

ليبيا 24:

تشهد الساحة الليبية جولة جديدة من الجدل السياسي الحاد عقب الهجوم الذي شنه المفتي المعزول الصادق الغرياني على مخرجات الحوار المهيكل الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في وقت رد فيه أعضاء من لجنة الحوار باتهامات مضادة اعتبروا فيها أن حملة التشكيك تستهدف عرقلة أي مسار سياسي يقود إلى تغيير السلطة التنفيذية والذهاب نحو انتخابات عامة.

ويأتي هذا التصعيد في مرحلة حساسة تشهد حراكاً سياسياً متزايداً لإعادة ترتيب المشهد الليبي، وسط محاولات أممية ودولية لدفع الأطراف نحو توافقات جديدة تنهي حالة الانقسام المؤسسي الممتدة منذ سنوات.

الغرياني: الحوار “عدوان” على الشعب الليبي

وفي أحدث مواقفه تجاه المسار السياسي الجاري، وصف الصادق الغرياني مخرجات الحوار المهيكل بأنها “عدوان على الشعب الليبي”، معتبراً أن المشاركين فيه لا يملكون أي تفويض شعبي يسمح لهم بالحديث باسم ملايين الليبيين أو تقرير مستقبل البلاد نيابة عنهم.

وانتقد الغرياني الآلية التي اعتمدتها البعثة الأممية لاختيار المشاركين في الحوار، معتبراً أن اللجوء إلى مجموعات مختارة بدلاً من الاحتكام المباشر إلى صناديق الاقتراع يمثل تجاوزاً للإرادة الشعبية ومحاولة لإعادة إنتاج تجارب سياسية سابقة لم تحقق الاستقرار المنشود.

كما شبّه مخرجات الحوار الحالي بمسارات سياسية سابقة شهدتها البلاد منذ اتفاق الصخيرات، معتبراً أن البعثة الأممية لا تسهم في حل الأزمة بقدر ما تعمل على إنتاج صيغ جديدة لإدارة الأزمة وإطالة أمدها.

اتهامات بوجود ترتيبات سياسية جديدة

وربط الغرياني بين مخرجات الحوار وما وصفه بمحاولات إعداد ترتيبات سياسية جديدة تتضمن تشكيل حكومة انتقالية جديدة ومجلس رئاسي بصلاحيات موسعة، معتبراً أن المسارات الاقتصادية والأمنية والعسكرية المطروحة ليست سوى غطاء لتمرير هذه الترتيبات.

وتعكس هذه التصريحات استمرار حالة الشك التي تبديها بعض الأطراف تجاه أي ترتيبات سياسية جديدة قد تعيد تشكيل موازين القوى القائمة أو تفتح الباب أمام إعادة توزيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة.

ويرى متابعون للشأن الليبي أن الخطاب الذي يتبناه الغرياني لا يقتصر على انتقاد تفاصيل الحوار، بل يتجاوز ذلك إلى التشكيك في شرعية العملية السياسية برمتها، الأمر الذي يضعه في مواجهة مباشرة مع الأطراف الداعمة لمسار التسوية.

دعوات للاحتجاج ضد مؤسسة النفط

وفي سياق متصل، دعا الغرياني إلى تنظيم اعتصامات سلمية ومخيمات احتجاجية أمام المؤسسة الوطنية للنفط، مطالباً بتغيير إدارتها ومتهماً إياها بالفشل والفساد.

وأثارت هذه الدعوة جدلاً واسعاً بالنظر إلى المكانة المحورية التي تحتلها المؤسسة الوطنية للنفط باعتبارها المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة الليبية، حيث حذر مراقبون من أن أي استهداف للمؤسسات السيادية قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية إضافية في ظل الأوضاع المعقدة التي تمر بها البلاد.

أعضاء الحوار المهيكل يردون

في المقابل، خرج عدد من أعضاء لجنة الحوار المهيكل للرد على الاتهامات الموجهة إليهم، مؤكدين أن الحملة التي تستهدف اللجنة تقوم على التشويه والتخوين أكثر من استنادها إلى وقائع حقيقية تتعلق بمضمون المخرجات.

وقال عضو اللجنة أشرف بودوارة إن وصف المشاركين في الحوار بأنهم أدوات في يد البعثة الأممية أو القوى الغربية يمثل خطاباً تخوينياً يضر بالنسيج الوطني ويعمق الانقسام السياسي.

وأكد أن الوطنية لا يمكن احتكارها من قبل أي طرف، وأن المعيار الحقيقي للحكم على أي مشروع سياسي يجب أن يكون قدرته على إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات وتمكين الشعب من اختيار ممثليه عبر انتخابات حرة ونزيهة.

وأضاف أن استمرار الأوضاع الحالية لم يعد يخدم سوى تكريس حالة الجمود السياسي وإطالة أمد الأزمة التي يدفع المواطن الليبي ثمنها يومياً.

أبوعميد: السيادة لا تُستخدم وفق المصالح

من جانبها، اعتبرت عضو اللجنة الدكتورة منال أبوعميد أن جزءاً من الاعتراضات المثارة حول الحوار يعكس حالة من الازدواجية السياسية، مشيرة إلى أن بعض الأطراف التي تتحدث اليوم عن السيادة الوطنية سبق أن اتخذت مواقف مختلفة تجاه ملفات مشابهة في مراحل سابقة.

وأكدت أن الوطنية والسيادة لا ينبغي أن تتحولا إلى أدوات للمزايدة السياسية أو وسائل لتخويف الرأي العام، مشددة على أن تقييم مخرجات الحوار يجب أن يتم بناءً على مضمونها وقدرتها على معالجة الأزمة وليس وفق حسابات سياسية ضيقة.

زهيو: جوهر الاعتراضات هو رفض تغيير السلطة

أما عضو اللجنة أسعد زهيو فقد قدم أكثر الردود مباشرة، معتبراً أن كثيراً من الادعاءات التي تم الترويج لها بشأن مخرجات الحوار لا أساس لها من الصحة.

وأوضح أن الحديث عن تفريط في السيادة أو منح صلاحيات لجهات دولية أو فرض حكومة من الخارج لم يكن مطروحاً ضمن نقاشات اللجنة، واصفاً هذه الادعاءات بأنها “أراجيف” جرى استخدامها لتشويه صورة الحوار أمام الرأي العام.

وكشف زهيو أن الخلاف الحقيقي، من وجهة نظره، يتمثل في رفض بعض الأطراف لفكرة تشكيل حكومة جديدة أو إدخال تغييرات جوهرية على البنية السياسية الحالية، معتبراً أن التمسك بالوضع القائم هو الدافع الأساسي وراء كثير من التحفظات التي أُثيرت بشأن المخرجات.

صراع الشرعية أم صراع النفوذ؟

ويعكس السجال الدائر حول الحوار المهيكل استمرار الانقسام العميق بشأن شكل المرحلة المقبلة وآليات إدارتها، حيث يتمسك مؤيدو الحوار بضرورة الانتقال إلى ترتيبات سياسية جديدة تقود إلى الانتخابات وتوحيد المؤسسات، بينما ينظر المعارضون إلى هذه الترتيبات باعتبارها إعادة إنتاج لمراحل انتقالية جديدة قد تزيد المشهد تعقيداً.

وفي ظل هذا الانقسام، تبدو معركة الشرعية السياسية أكثر تعقيداً من مجرد خلاف حول آليات الحوار، إذ ترتبط في جوهرها بصراع أوسع حول النفوذ وموازين القوى ومستقبل السلطة التنفيذية في البلاد.

ومع استمرار تبادل الاتهامات بين الأطراف المختلفة، يبقى التحدي الأكبر أمام أي مسار سياسي هو قدرته على بناء حد أدنى من التوافق الوطني يسمح بتحويل الحوارات والوثائق السياسية إلى خطوات عملية تنهي الانقسام وتفتح الطريق أمام استحقاقات دستورية وانتخابية طال انتظارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى