ليبيا

كارثة في الطبق الليبي.. مبيدات مسرطنة تلوّث غذاء الملايين وحكومة الدبيبة في قفص الاتهام

فضيحة غذائية تهز ليبيا.. مبيدات محظورة تغزو المزارع والأسواق في ظل تقاعس حكومي وخلل رقابي فادح


ليبيا 24

النيابة العامة تكشف كارثة صحية: 65% من المحاصيل الزراعية في الأسواق الليبية ملوثة بمبيدات مسرطنة ومحظورة

تحقيق النيابة العامة يكشف عن نسب مذهلة من التلوث في المحاصيل الزراعية المعروضة للمستهلكين، وسط اتهامات بالتقاعس الرقابي والتواطؤ في دخول مواد محظورة إلى البلاد

قراءات مخبرية تهز الثقة بالغذاء الليبي

في تطور يضع الصحة العامة للمواطن الليبي في دائرة الخطر المحدق، كشفت تحقيقات النيابة العامة عن واقعة مزرية تمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الليبيين في غذاء آمن وصحي. فبعد أن رصدت معلومات استخباراتية دلّلت على مجاوزة النظم البيئية وقواعد حماية الأمن الغذائي، وجهت النيابة العامة فرقها الفنية إلى مزارع وأسواق في مدن طرابلس وبنغازي ومصراتة، حيث جُمعت عينات من المحاصيل الزراعية المعروضة للمستهلك مباشرة خلال شهر فبراير من العام الجاري.

ولم تكن النتائج سوى صدمة مدوية؛ إذ أكدت التحاليل المخبرية أن نسبة خمسة وستين في المئة من العينات تحتوي على متبقيات سبعة مبيدات محظورة بموجب التشريعات الوطنية، أو مشوبة بمواد مصنفة أنها مسرطنة أو مطفرة وفق الاتفاقيات الدولية وتوصيات المنظمات والمفوضيات الإقليمية والدولية.

والأكثر إثارة للذعر أن الخبرة الفنية كشفت عن متبقيات جاوزت الحدود المسموح بها وفق التوصيات المرعية، مما يعني أن المواطن الليبي لا يستهلك فقط غذاءً ملوثاً، بل جرعات زائدة من السموم تتجاوز كل المعايير الصحية المعمول بها عالمياً.

النيابة العامة تتوغل في جحور الفساد

لم تتوقف النيابة العامة عند حدود جمع العينات، بل شرعت في إجراءات موسعة لكشف خيوط هذه الجريمة التي تهدد حياة سبعة ملايين ليبي.

ففي خطوة متقدمة، انتقل محققو النيابة إلى قنوات التوزيع ومحال التخزين المشتبهة، حيث أسفرت المداهمات عن ضبط مبيدات تصنف ضمن المواد المسرطنة والمسببة لأمراض مزمنة للإنسان.

وبمؤازرة جهاز الحرس البلدي، بادر إطار التحقيق إلى حصر كميات المبيدات المبحوث عنها، والتحفظ عليها، وضبط الحائزين لها وإحضارهم، فيما مضى في تحديد المسؤولية عن توريد تلك المبيدات إلى البلاد.

هذه الإجراءات، وإن كانت متأخرة، فإنها تكشف عن حجم الخلل الرقابي الذي يتطلب مساءلة حقيقية للمسؤولين عن استيراد هذه السموم القاتلة إلى السوق الليبية. فالسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف دخلت هذه المواد المحظورة إلى الموانئ الليبية؟ وأين كانت أجهزة الجمارك والشرطة الزراعية والبيئية عن كل هذه الكميات التي تسربت إلى المزارعين والأسواق؟

لقاء تاريخي يفضح تقاعس حكومة الدبيبة

في اجتماع موسع عُقد الثلاثاء 30 يونيو 2026، جمع المستشار النائب العام وزراء الزراعة والاقتصاد والبيئة، إلى جانب قادة جهاز الحرس البلدي والشرطة الزراعية والشرطة البيئية والإدارة العامة لمكافحة التهريب والمخدرات والإدارة العامة لشؤون الإصحاح البيئي ومركز الرقابة على الأغذية والأدوية.

وقد طرح النائب العام نتائج بحث مؤشرات استعمال المبيدات المحظورة، والإجراءات التالية لمعاملة الأدلة، متناولاً الآثار الصحية والبيئية الناجمة عن استعمال هذه المواد، وأسباب طرحها في دائرة التعامل رغم تسجيل بعضها على قائمة المبيدات المحظورة أو الموصي بحظرها وفق المنظمات والمفوضيات الدولية والإقليمية.

وفي كشف صريح لواقع الفساد الإداري، تطرق المستشار إلى الإجراءات التي كشفت عن خلل رقابي يسّر مرور مبيدات لا تتوافر على بيانات المواد الداخلة في صناعتها.

ونبه إلى ضرورة تحديث القائمة المشتملة على أسماء المبيدات المحظور توريدها أو استعمالها، وإضافة بيان يوثق الاسم التجاري وفق آلية تضمن تعاوناً مؤسساتياً يهدف إلى الحد من الآثار السلبية الناجمة عن غياب حوكمة استعمال المبيدات في قطاع الزراعة.

حملة رقابية أم حملة تشويه؟

في تطور يعكس حالة الانقسام المؤسسي، خرجت الدكتورة منال أبوعميد، عضو لجنة الحوار المهيكل، بتصريح وصفت فيه ما جرى بأنه “حملة رقابية شاملة استهدفت جميع المناطق والقطاع الزراعي على مستوى ليبيا”، مؤكدة أن العينات تخضع للفحص المخبري، وفي حال ثبوت مطابقتها للمواصفات يتم الإفراج عنها وفقاً للقانون.

لكنها في الوقت ذاته اتهمت جهات لم تسمها بتوصيف الحملة “لأغراض سياسية” والزج باسمها “دون أي أساس قانوني أو واقعي، في محاولة لتضليل الرأي العام”【0†L52-L54】. وأعربت عن خشيتها من أن يعرضها هذا السلوك “لمخاطر تمس سلامتها الشخصية، في ظل إمكانية استغلال هذه الادعاءات الكاذبة للتحريض أو الاستهداف”.

اعترافات غير مباشرة بتجاوزات أمنية

وفي اعتراف غير مباشر بحجم التجاوزات التي رافقت الحملة الأمنية، قالت أبوعميد: “لا يجوز أن يكون تنفيذ القانون سبباً في ترويع الأهالي أو انتهاك حرمة المنازل”، مشيرة إلى ادعاءات موثقة من قبل الأهالي تتعلق بالدخول بطريقة غير قانونية، وتخويف العائلات والأطفال، ودخول منازل عائلية، وحدوث أضرار بالممتلكات، وصدور ألفاظ غير لائقة.
ودعت إلى التحقيق في هذه التجاوزات ومحاسبة كل من يثبت تورطه.

أما بخصوص المادة التي أثير حولها الجدل الأكبر، وهي غاز بروميد الميثيل، فقدمت توضيحاً قالت فيه إنه “غاز يُستخدم في المجال الزراعي في تعقيم وتبخير التربة قبل الزراعة، وذلك بهدف مكافحة بعض الآفات”【0†L75-L76】. ونفت أن يكون مصنفاً “عمومًا بأنه مادة مسرطنة مؤكدة للإنسان”، لكنها اعترفت بأنه “مادة سامة تحتاج إلى إجراءات سلامة وضوابط عند التعامل معها”.

كارثة وطنية بأبعاد مزلزلة

وفي موقف يعكس غضب الرأي العام، وصف الإعلامي خليل الحاسي ما كشفته النيابة العامة بـ”الخبر المرعب” و”الكارثة الوطنية المزلزلة”، متسائلاً بأسلوب حاد: “كيف دخلت كل تلك المواد الممنوعة إلى البلاد؟ كيف دخلت الموانئ؟ وكيف دخلت السوق؟ وكيف باعوها للمزارعين؟ أين الجمرك وأين الشرطة الزراعية؟”.

وأشار الحاسي إلى أن العينات شملت المحاصيل المعروضة في السوق وليس المزارع فقط، مما يعني أن المواطن الليبي يستهلك يومياً وبشكل مباشر منتجات ملوثة بمواد مسرطنة ومحظورة دولياً【0†L91-L93】. وتساءل عن العقوبة التي ينبغي إنزالها بـ”هؤلاء الذين يجعلون حياة 7 مليون إنسان عرضة للمصائب والكوارث وأخطر الأمراض الفتاكة.

غياب الحوكمة وحكومة منتهية الولاية

في قراءة موضوعية للأبعاد السياسية لهذه الكارثة، يبرز السؤال المحوري عن دور حكومة الدبيبة في هذه الفضيحة الغذائية.
فغياب الحوكمة في قطاع الزراعة، وتراخي الرقابة على المبيدات، وتسهيل مرور مواد محظورة عبر الموانئ الليبية، كلها مؤشرات على خلل هيكلي في إدارة الدولة، يتحمل مسؤوليته المباشرة المسؤولون عن ملفي الزراعة والصحة في الحكومة المنتهية ولايتها.

إن استمرار تداول هذه المواد السامة في الأسواق الليبية، رغم تحذيرات المنظمات الدولية والمفوضيات الإقليمية، يكشف عن تواطؤ أو تقاعس مريبين من قبل الجهات المعنية بالرقابة على الغذاء والدواء.

فكيف يمكن لمبيدات مصنفة كمواد مسرطنة ومطفرة أن تجد طريقها إلى المزارع الليبية، ومنها إلى موائد الليبيين، دون أن تثير أي تساؤل من قبل الأجهزة الرقابية؟

نحو مساءلة حقيقية وحماية للمواطن

ما كشفته النيابة العامة ليس مجرد تقرير رقابي، بل هو وثيقة اتهام لكل من تهاون في حماية صحة الليبيين وسلامتهم الغذائية. فالمطالبة اليوم ليست فقط بضبط المبيدات المحظورة ومحاسبة المتاجرين والحائزين لها، بل بفتح تحقيق شامل في كيفية دخول هذه المواد إلى البلاد، وتحديد المسؤولية عن كل حلقة من حلقات سلسلة التوريد، بدءاً من الموانئ وصولاً إلى الأسواق.

إن حق الليبيين في غذاء آمن وصحي هو حق مقدس لا يمكن المساس به. وأي تقصير في حماية هذا الحق يعتبر جريمة في حق الشعب الليبي بأسره.

واليوم، ومع كشف النيابة العامة لهذه الحقائق المروعة، آن الأوان لتحرك جاد وحقيقي لوقف نزيف السموم في الغذاء الليبي، ومحاسبة كل من تسبب في هذه الكارثة، مهما كانت مواقعهم ونفوذهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى