فقر متصاعد وعدالة مقلوبة.. عيسى يرصد اتساع الهوة الاجتماعية وإقصاء مدن السلام
من فجوة الرواتب إلى «عدالة توزيع الظلام».. شهادة عادل عيسى تكشف تشظي ليبيا بين الانهيار الاقتصادي وتجاهل المستقرين
ليبيا 24:
في إطلالة تقرأ الواقع الليبي بعين الاقتصادي والمحلل السياسي والدبلوماسي الذي خبر دهاليز الملف الليبي، نشر الدبلوماسي الأسبق عادل عيسى منشوراً مطولاً عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، رصدته ليبيا 24 حمل تشريحاً متعدد الأوجه للأزمة الوطنية، ممتزجاً بأسئلة وجودية حول مفهوم العدالة، وجدوى التمثيل، ومعنى الاستقرار في بلد يبدو أنه يكافئ الفوضى ويعاقب الهدوء.
وجاء طرح عيسى، الموزع بين لغة الأرقام الجافة ومرارة الشواهد الميدانية، ليرسم خريطة لأزمة متشابكة تمتد من جيب المواطن إلى أعلى مراتب الحوار الدولي، ومن عتمة انقطاع التيار الكهربائي إلى مفترق الطرق التاريخي الذي تقف عنده الدولة.
43% تحت خط الفقر.. زحف القاع نحو الطبقة الوسطى
استهل عيسى منشوره بضربة بيانية قاسية، ناقلاً تقديرات خبراء الاقتصاد بأن نحو ثلاثة ملايين وأربعمئة وأربعين ألف ليبي، ما يعادل 43% من السكان، سيصبحون تحت خط الفقر خلال العام الجاري 2026. ويشكل الرقم قفزة حادة مقارنة بنحو 32.4% سجلت عام 2023، بما يعكس في نظره “اتساع رقعة الفقر وتدهور الأوضاع المعيشية” بشكل يفتت ما تبقى من الطبقة الوسطى.
ولم يقف عيسى عند صدمة الرقم الإجمالي، بل ترجمه إلى أرض الواقع اليومي، حين حدد أن أي أسرة ليبية لا يتجاوز دخلها الشهري ثلاثة آلاف دينار تُعد فعلياً تحت خط الفقر. هذا المعيار وحده ينقل الأزمة من لغة الاقتصاد الكلي إلى مأساة منزلية تلامس الغالبية الصامتة.
الجدارة المعكوسة.. تقاعد بمئة دولار ورواتب رقابية بألف
لم يكتف الدبلوماسي الأسبق برصد النسب، بل انحدر إلى صلب الإحساس بالظلم المجتمعي متسائلاً: “كيف نطلب من الناس أن يشعروا بالرضا، بينما آباؤنا وأمهاتنا أفنوا أعمارهم في خدمة هذا الوطن، ثم لا يتجاوز دخلهم الشهري ما يعادل مئة دولار، في حين يتقاضى شاب لم يتجاوز الثلاثين من عمره أكثر من ألف دولار، فقط لأنه عُيّن في جهة رقابية؟”.
وسارع عيسى إلى ضبط بوصلة النقد بقوله إن المشكلة ليست في راتب الشاب الذي من حقه العيش الكريم، بل تكمن في “غياب العدالة في توزيع الدخل، وفي الظلم الذي لحق بالمتقاعدين وأصحاب الرواتب المحدودة”. ووصف المفارقة بعبارة دبلوماسية جارحة حين قال إن “سنوات العطاء تُكافأ بالفقر، بينما تحدد الجهة التي تعمل بها قيمة الإنسان لا جهده ولا خبرته”.
وخلص إلى خلاصة تمسك بمفتاح الاستقرار المجتمعي: “لا يمكن أن يستقر مجتمع تغيب فيه العدالة الاجتماعية، ولا يمكن أن نبني وطناً قوياً إذا ظل كبار السن هم الحلقة الأضعف في معادلة الرواتب”. وجاءت عبارته المقتضبة “العدالة لا تبدأ من الشعارات.. بل تبدأ من إنصاف من بنوا هذا الوطن قبلنا” أشبه ببيان سياسي اقتصادي يربط الشرعية الاجتماعية بالذاكرة الوطنية.
زليتن.. ثمن السلام في دبلوماسية الأزمات
في منعطف لافت، انتقل عيسى من الاقتصاد إلى هندسة التمثيل السياسي في ليبيا، كاشفاً عن واقعة دبلوماسية قال إن صديقاً له من مدينة زليتن رواها له. فقبل سنوات، التقى المسؤول ذاته بالمبعوثة الأممية السابقة ستيفاني ويليامز، واشتكى لها تجاهل البعثة للمدينة وعدم اختيار ممثل عنها ضمن لجنة الحوار في جنيف، رغم أن زليتن – كما يؤكد – تُعد من المدن المؤثرة في المشهد الليبي وتمثل ثقلاً سكانياً واجتماعياً.
وهنا سجل عيسى الرد الذي استوقفه طويلاً، ونقله عن ويليامز بالقول: “زليتن مدينة مسالمة، وليس لديها مشاكل”. ودفعه هذا التصريح إلى إطلاق سؤالين مشروعين يخدشان سطح الممارسة السياسية: “هل أصبح معيار الحضور في المشهد السياسي هو كثرة الأزمات وارتفاع الصوت؟ وهل على المدن الهادئة والمستقرة أن تدفع ثمن استقرارها بالتهميش، بينما تحظى المدن الأكثر توتراً بنصيب أكبر من الاهتمام والتمثيل؟”.
ووضع عيسى الرواية في إطار مبدئي يتجاوز الحالة الفردية، داعياً إلى مراجعة مفهوم المشاركة الوطنية إذا صحت، لأن “التمثيل ينبغي أن يقوم على الثقل السكاني والدور الوطني والكفاءة، لا على حجم الأزمات التي تشهدها أي مدينة”. واختتم هذه الجزئية بسؤال مفتوح يصلح عنواناً لورقة تحليلية: “هل أصبح الهدوء في ليبيا سبباً للتجاهل؟”.
حراك محموم ومفترق طرق وجودي
لم تغب عن عين الدبلوماسي الأسبق سخونة المشهد السياسي، فأشار إلى تسارع الإيقاع الإقليمي والدولي بقوله: “تشهد الساحة الليبية تطورات متسارعة، تتصاعد وتيرتها يوماً بعد يوم، الأسبوع الماضي كانت الأنظار إلى واشنطن، وأول أمس روما وأمس فاليتا، واليوم إلى مصراتة، في مشهد يعكس حجم الحراك السياسي وتسارع الأحداث”.
وأضفى على هذا التوصيف جرعة واقعية ممتزجة بإيمان قدري بقوله: “ويبقى الإنسان مخيّراً فيما يعلم، ومسيّراً فيما لا يعلم، ولا نملك أمام هذه المتغيرات إلا أن نسأل الله أن يحفظ ليبيا”. ثم انتقل إلى تشخيص بنيوي عميق حين وصف المرحلة بأنها “الأخطر سياسياً ومؤسساتياً، بعدما طال الانقسام جميع مؤسسات الدولة”، مستخدماً عبارة مركزة وموجعة هي “تجزئة المجزأ”.
من الصوملة إلى المحاسبة العراقية.. رهان على الدولة
في واحدة من أكثر فقرات المنشور كثافة، قارن عيسى بين خطاب التشاؤم الذي يتحدث عن “صوملة ليبيا”، وتصوره الشخصي المستند إلى أمل حذر بقوله: “لكننا نقول: بإذن الله ستكون ليبيا ‹عراقية المحاسبة›، تتحقق فيها المصالحة، ويُصان فيها حق الوطن والمواطن”. وهذا التوصيف، الذي يزاوج بين الخوف من التفتت والأمل في مسار مساءلة ومصالحة وطنية، حمل مزيجاً نادراً بين القلق الاستراتيجي والتفاؤل المشروط، مذكراً بأن الاستقرار المنشود لا يمر إلا عبر بوابة إنصاف الضحايا ومحاسبة المتسببين في الانهيار.
«عدالة توزيع الظلام».. أزمة الكهرباء بوصفها سياسة
ولم تخلُ شهادة عيسى من مساحة للعبث المؤسساتي اليومي، إذ توقف عند أزمة شركة الكهرباء التي تمر بواحدة من أسوأ مراحلها، مستغرباً ما خرجت به الحكومة من تشكيل لجنة أوصت بـ”تحقيق العدالة في تنظيم الأحمال”. وبسخرية لاذعة علّق: “وكأن المطلوب هو توزيع المعاناة بعدالة، لا لإنهاء أزمة الكهرباء أو التخفيف منها”.
وتكشف هذه الفقرة، في جوهرها، عن خلل أعمق في العقلية الحاكمة للأزمة؛ فبدلاً من مقاربة الحل الجذري، يتم التفنن في إدارة الهشاشة وتقنينها، ليصبح الظلام مؤشراً على ضمور فكرة الدولة القادرة على تقديم أبسط الخدمات.
بهذه الشهادة المفتوحة، قدم عادل عيسى ما يشبه الإفادة المركبة أمام محكمة الرأي العام، متنقلاً بين الفقر وفجوة الدخل، ومن إقصاء مدن السلام إلى تسارع الحراك الدولي، ومن أمل المحاسبة إلى عبثية إدارة العجز. تاركاً السؤال معلقاً: هل تملك النخبة وأطراف الحوار الدولي أدوات ترجمة هذا التشخيص إلى مسار علاجي، أم إن المعاناة ستظل مجرد مادة للتحليل ثم للنسيان؟



