ليبيا

الوساطة الباكستانية في ليبيا.. دوافع التحرك وحدود التأثير

دور باكستاني محتمل في الوساطة بين الأطراف الليبية

ليبيا 24- بقلم: إدريس احميد

أثار الحديث عن دور باكستاني محتمل في الوساطة بين الأطراف الليبية اهتمامًا واسعًا، خاصة بعد الاتصال الذي جرى بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية ورئيس أركان الجيش الباكستاني، في وقت تتواصل فيه الجهود الأمريكية والأممية لإيجاد تسوية تنهي الانقسام وتوحد مؤسسات الدولة.

ورغم تداول تقارير إعلامية عن وساطة باكستانية، فإن إسلام آباد لم تعلن رسميًا إطلاق أي مبادرة أو وساطة في الملف الليبي، وهو ما يشير إلى أن التحركات الحالية لا تزال في إطار الاتصالات واستكشاف فرص التقارب، دون الإعلان عن مسار تفاوضي رسمي.

ورغم أن باكستان لم تكن طرفًا مباشرًا في الأزمة الليبية منذ عام 2011، فإنها حافظت على موقف يدعم وحدة ليبيا وسيادتها والحل السياسي، وهو ما قد يمنحها مساحة للتحرك كوسيط يحظى بقدر من القبول لدى مختلف الأطراف.

ولا يمكن النظر إلى باكستان باعتبارها دولة هامشية، فهي قوة نووية، وتمتلك مؤسسة عسكرية وأجهزة أمنية ذات خبرة واسعة، كما ترتبط بعلاقات متوازنة مع عدد من القوى الدولية والإقليمية، الأمر الذي يمنحها قدرة على التواصل مع أطراف مختلفة في الأزمات الدولية.

وشهدت العلاقات بين باكستان والقيادة العامة للجيش الليبي تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، من خلال الزيارات المتبادلة، وفي مقدمتها زيارة المشير خليفة حفتر، وزيارة نائب القائد العام إلى باكستان، إلى جانب زيارة رئيس أركان الجيش الباكستاني الفريق أول عاصم منير إلى بنغازي، وهو ما يعكس مستوى متقدمًا من التعاون والثقة بين الجانبين.

وفي المقابل، فإن الاتصال الذي جرى بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية ورئيس أركان الجيش الباكستاني يحمل دلالات سياسية واستراتيجية مهمة، إذ يعكس حرص باكستان على فتح قنوات تواصل مع مختلف المؤسسات والأطراف الفاعلة في المشهد الليبي، بما قد يعزز فرص نجاح أي دور وساطة مستقبلي.

ومن العوامل التي قد تعزز فرص هذا التحرك، العلاقات الاستراتيجية التي تربط باكستان بالمملكة العربية السعودية، بما تمثله الرياض من ثقل سياسي وإقليمي في المنطقة. وقد يسهم هذا التقارب في دعم أي جهود تستهدف تقريب وجهات النظر بين الليبيين، ضمن إطار إقليمي يساند المساعي الدولية الرامية إلى تحقيق الاستقرار والحفاظ على وحدة ليبيا.

ويبقى السؤال الأهم: أين تقف الوساطة الباكستانية من المبادرة الأمريكية وجهود الأمم المتحدة؟

والأقرب إلى الواقع أن أي دور لباكستان سيكون أكثر فاعلية إذا جاء مكملًا لهذه الجهود، وليس منافسًا لها، خاصة أن الأزمة الليبية أصبحت جزءًا من توازنات إقليمية ودولية معقدة، وأن أي مبادرة جديدة تحتاج إلى الانسجام مع المسارات القائمة بدلًا من خلق مسارات موازية قد تزيد المشهد تعقيدًا.

ومن الناحية الجيوسياسية، يبدو أن باكستان تسعى إلى توسيع حضورها خارج جنوب آسيا، والبحث عن دور أكبر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فليبيا تمثل دولة محورية بما تمتلكه من موقع استراتيجي وثروات طبيعية، كما أن استقرارها قد يفتح آفاقًا واسعة للتعاون في مجالات التدريب العسكري، والصناعات الدفاعية، وإعادة الإعمار، والاستثمار.

ومن وجهة نظري، فإن نجاح باكستان في الإسهام بتقريب وجهات النظر بين الليبيين سيعزز مكانتها كوسيط دولي، وسيؤكد أن القوى الإقليمية الصاعدة أصبحت قادرة على أداء أدوار مؤثرة في دعم الاستقرار. كما أن علاقاتها المتوازنة مع عدد من الدول، وانتماءها إلى العالم الإسلامي، قد يمنحانها مساحة من الثقة، شريطة أن تلتزم باحترام سيادة ليبيا، وأن تجعل المصلحة الوطنية الليبية أساسًا لأي تحرك.

وفي ظل تقدم المبادرة الأمريكية والجهود الأممية، فإن حدود الدور الباكستاني ستبقى مرتبطة بقدرته على تقديم قيمة مضافة لمسار التسوية، والاستفادة من علاقاته مع مختلف الأطراف الليبية لتقريب وجهات النظر. فإذا نجحت إسلام آباد في دعم التوافق بين الليبيين، والمساهمة في توحيد مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، فإن ذلك لن يكون مكسبًا لليبيا وحدها، بل سيعزز أيضًا مكانة باكستان كقوة دبلوماسية صاعدة تسعى إلى الإسهام في صناعة السلام والاستقرار الإقليمي.

وفي النهاية، فإن نجاح أي وساطة لن يقاس باسم الدولة التي تقودها، بل بقدرتها على مساعدة الليبيين في الوصول إلى توافق حقيقي ينهي المراحل الانتقالية، ويعيد بناء دولة مستقرة وموحدة. وحتى الآن، تبقى الوساطة الباكستانية، إن وُجدت، في إطار المؤشرات والتحركات غير المعلنة رسميًا، بينما سيظل نجاحها مرهونًا بمدى قبول الأطراف الليبية، وتكاملها مع الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الأزمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى