من محاربة الإرهاب إلى تشجير الصحراء: مبادرة لتحويل بنغازي إلى “مدينة الحدائق المتوسطية” تفتح آفاق اقتصاد أخضر جديد
رؤية تنموية شاملة تتجاوز تجميل الشوارع لتؤسس لتحالف بين رأس المال والبيئة بعد عقد من استعادة الأمن
ليبيا 24:
خطة طموحة لتحويل بنغازي إلى غابة متوسطية بزراعة مليون ونصف شجرة
البركي تدعو لتشجير بنغازي عبر إلزام المصارف والنفط بمسؤولية مجتمعية مستدامة
في لحظة نادرة يتقاطع فيها الطموح البيئي مع ضرورات التنمية الاقتصادية وإرادة البناء بعد سنوات من الدمار، تبرز مبادرة أهلية تحمل في طياتها ملامح مشروع وطني متكامل.
إنها ليست مجرد دعوة لزراعة الأشجار، بل مخطط أولي لمحرك اقتصادي اجتماعي جديد لمدينة أنهكتها الحرب، تقدمه الإعلامية والباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي، التي طرحت تصوراً جريئاً قد يعيد رسم هوية مدينة بنغازي بالكامل.
تنطلق الرؤية من معادلة حسابية بسيطة في ظاهرها، ثورية في جوهرها، مفادها أن المدينة التي تأوي اليوم قرابة مليون ونصف المليون نسمة، تحتاج إلى مليون ونصف المليون شجرة لتتحول إلى مدينة خضراء مبهجة، بمعدل شجرة لكل مواطن.
وبينما قد يبدو هذا الرقم أقرب إلى الخيال، إلا أن تفكيكه وفق خطة زمنية ومنهجية مؤسسية يُظهر أنه هدف قابل للتحقيق بشكل كبير.
وتقترح البركي نموذجاً تنفيذياً لا يعتمد على الأماني، بل على الحسابات الدقيقة؛ فإذا تمت زراعة 500 شجرة يومياً، ومع تقدير فقدان واقعي يبلغ 150 شجرة بفعل العوامل المناخية والبشرية، فإن الرصيد الصافي اليومي سيكون 350 شجرة، مما يعني إضافة ما يقارب 128 ألف شجرة سنوياً.
وباستمرار هذه الوتيرة لعقد واحد، سيتجاوز العدد 1.2 مليون شجرة، ليقترب من الهدف الأسمى مع إمكانية تعويض الفاقد وزيادة وتيرة العمل لاحقاً. إنه تحول من الإعمار الإسمنتي المجرد إلى إعمار الروح والنظام البيئي.
إطار مؤسسي ملزم: من المسؤولية الفردية إلى فرض الالتزام على رأس المال
تتجاوز المبادرة فكرة الحملات التطوعية الموسمية لتدخل في صميم هندسة الاقتصاد المحلي عبر إلزامية ذكية. وتفصّل الخطة في محاورها التنفيذية تحويل التشجير من عبء على البلدية إلى مسؤولية مجتمعية واستثمارية.
تشمل المحاور تشجير الشرايين الرئيسية للمدينة والمرافق العامة مثل المدارس والجامعات والمساجد، وإنشاء أحزمة خضراء دفاعية للحد من زحف الرمال وتحسين المناخ، مع إلزام المشاريع السكنية الجديدة بتخصيص مساحات خضراء محددة.
لكن النقلة النوعية في التصور تكمن في ربط النشاط التجاري والمالي بالناتج البيئي بشكل صارم. حيث تدعو البركي إلى إلزام الشركات الناشئة بزراعة 20 شجرة ورعايتها لعقد كامل، بينما تُلزم الشركات الأجنبية العاملة في المدينة بزراعة 1000 شجرة سنوياً.
ويمتد هذا المبدأ ليشمل الشركات النفطية والمصارف التجارية، المُلزمة بزراعة 500 شجرة لكل منها ورعايتها، مع ربط حجم الالتزام بحجم رأس المال.
إنها رسالة واضحة: من يستفيد من اقتصاد المدينة ومواردها يجب أن يكون شريكاً في إعادة إحياء رئتها. ولم تغفل الخطة قطاع الضيافة والتجزئة، حيث يُلزم كل فندق بزراعة 5 أشجار مقابل كل غرفة، وكل مجمع تجاري “مول” بـ 5 أشجار مقابل كل محل سنوياً.
هذا الإلزام لا يُصاغ كضريبة، بل كاستثمار طويل الأجل في جاذبية المدينة وصحة زبائنها.
من الشتلة إلى الاقتصاد الكلي: سلسلة قيمة متكاملة تقاوم البطالة
تتجاوز المبادرة في جوهرها فكرة شراء الشتلات وغرسها، لتؤسس لـ “اقتصاد أخضر” عمودي. قدّرت الدكتورة البركي أن مشروعاً بهذا الزخم لن يقتصر على التجميل، بل سيخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة في آن واحد، مما يشكل حلاً عضوياً لمعضلة البطالة في صفوف الشباب.
تبدأ سلسلة القيمة بإنشاء وتوسعة المشاتل الزراعية لإنتاج ملايين الشتلات محلياً، مما يخلق طلباً على مهندسين زراعيين وفنيي ري.
ثم ينتقل الأثر إلى قطاع التصنيع، عبر الحاجة إلى مصانع لإنتاج شبكات الري وخزانات المياه ومعدات الزراعة، ويمتد إلى شركات النقل والخدمات اللوجستية.
وبخلاف الوظائف التقليدية، تفتح الخطة أبواباً جديدة لرواد الأعمال لإنشاء شركات ناشئة متخصصة في صيانة المساحات الخضراء والتقنيات البيئية الذكية. كما تتضمن بعداً علمياً عبر دعم مراكز البحث لتطوير أنواع الأشجار الأكثر ملاءمة لمناخ بنغازي، مما يخلق بيئة للابتكار.
هذه الدورة الاقتصادية تجعل من الشجرة الواحدة مصدراً لفرص عمل متعددة، من المشتل إلى الغرس والصيانة والبحث العلمي، محولة المشروع من مجرد مبادرة لتجميل الشوارع إلى برنامج وطني للتنمية الاقتصادية يحسن جودة الحياة، ويخفض درجات الحرارة، ويحد من زحف الغبار، ويرفع قيمة العقارات، ويجعل المدينة أكثر صحة وجاذبية للاستثمار والسياحة.
الاستدامة كمعيار للنجاح: البقاء هو التحدي الوحيد
في قلب هذا الطرح، يكمن شرط النجاح الوحيد الذي تختزله البركي في عبارة دقيقة: “النجاح لن يُقاس بعدد الأشجار التي تُزرع، بل بعدد الأشجار التي تبقى حية بعد سنوات”.
هذه العقلية تستدعي إنشاء نظام متابعة صارم، وقد اقترحت المبادرة آليات مبتكرة لضمان الاستدامة، أبرزها جعل زراعة شجرة ورعايتها لعام كامل جزءاً من مبادرات التخرج الجامعي، مما يخلق ارتباطاً وجدانياً طويل الأمد بين الجيل الجديد وبيئته.
كما دعت إلى إطلاق مسابقات وجوائز سنوية ضخمة للأفراد والمؤسسات التي تحقق أعلى معدلات بقاء ونمو للأشجار، محولة الرعاية إلى فعل تنافسي مجتمعي.
وُجهت الدعوة بشكل مباشر إلى صندوق إعادة الإعمار والجهاز الوطني للتنمية لتبني هذا المشروع الوطني الكبير، الذي وُصف بأنه ليس مجرد مشروع تشجير، بل مشروع حضاري يعيد تشكيل هوية بنغازي.
وتقترح البركي اسماً جذاباً للمبادرة هو “بنغازي… مدينة الحدائق المتوسطية”، كشعار يسهل تداوله ويمنح المبادرة هوية بصرية ومعنوية واضحة.

إنها رؤية تنقل بنغازي من نموذج مدينة ما بعد الصراع، التي أمضت عقداً في محاربة الإرهاب واستعادة الأمن، إلى نموذج مدينة ما قبل الازدهار، حيث يكون العقد القادم هو عقد التشجير وإعادة الحياة.
في هذا السياق، تصبح كل شجرة تُزرع عملاً من أعمال السلام، وكل فرع يخضر انتصاراً على الخراب، في انتظار أن تتحول المعادلة الصعبة إلى واقع يظلل الأجيال القادمة.



