ليبيا

انتخابات مجلس الدولة بين لعبة الكراسي وصراع النفوذ بـ«دولارات إسطنبول» و«هيونداي»

بين "مال سياسي" وصراع أجنحة.. معركة رئاسة مجلس الدولة تختبر شرعية الأجسام الانتقالية المنتهية الولاية

ليبيا 24

الدبيبة يتخلى عن تكالة قبيل انتخابات “الدولة”.. واتهامات بشراء ذمم عبر تركيا و”هيونداي” تسبق الاقتراع

لا يبدو أن المشهد الليبي قادر على مغادرة مربع العبث السياسي الذي يغذي الأزمة ويُبقي على الانسداد الأفقي. ففيما تتجه أنظار الليبيين نحو أي بادرة أمل لإنهاء المراحل الانتقالية وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تعيد الكلمة للشعب، تعود الآلة السياسية للأجسام المنتهية ولايتها إلى الدوران حول نفسها.

تتجه الأنظار غداً الأربعاء إلى جلسة انتخاب رئاسة المجلس الأعلى للدولة، وهو الجسم المنبثق عن اتفاق الصخيرات، الذي يصفه الكثيرون بأنه تحول من أداة توافقية مؤقتة إلى جزء عضال من الأزمة، بينما تستعر خلف الكواليس معركة شرسة بالمال والنفوذ، تاركة المواطن الليبي يتساءل عن جدوى هذا “الجسم الجدلي” الذي لم يحقق، وفق مراقبين، سوى “المزيد من التفرقة والفراغ”.

معركة الكراسي: تكالة بلا ظهير وتنافس خماسي

يستعد أعضاء المجلس لانتخاب رئيس جديد خلفاً لمحمد تكالة، الذي تنتهي ولايته رسمياً. وتضم قائمة المتنافسين البارزين، إضافة إلى تكالة، كلاً من عبد الرحمن السويحلي (الرئيس الأسبق للمجلس والمدعوم أيضاً من حكومة الدبيبة)، وصلاح ميتو من صبراتة، وأبو القاسم قزيط من مصراتة، ومصطفى التريكي من الزاوية. وبينما تشير التقديرات إلى أن حظوظ الأخيرين تبدو الأقل، تنحصر المنافسة الحقيقية بين مرشحين يمثلون امتداداً لنفس المنظومة السياسية التي تدير الأزمة.

ويكشف التحول الأبرز في هذا السباق عن هزة في بنية التحالفات القديمة. فقد أكدت مصادر مطلعة أن رئيس الحكومة منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، اتخذ قراراً مفاجئاً بالتخلي عن دعمه السياسي لمحمد تكالة.

فبعد سنوات كان يُنظر فيها إلى الدبيبة على أنه “عرّاب” بقاء تكالة على رأس المجلس، أبلغه صراحة بضرورة الاعتماد على تحركاته وتحالفاته الداخلية فقط، دون انتظار دعم خارجي من الحكومة.

هذا الموقف يمثل تحولاً لافتاً قد يعيد رسم موازين القوى داخل المجلس، ويُفسح المجال أمام سيناريوهات جديدة بعيداً عن الاصطفافات التي حكمت الانتخابات السابقة.

آلة المال السياسي: إسطنبول.. 2500 دولار و”هيونداي” بـ100 ألف دينار

لكن المعركة الحقيقية لا تُخاض فقط في أروقة السياسة. إذ تكشفت فضيحة جديدة من العيار الثقيل قبيل ساعات من الاقتراع. فقد كشفت مصادر مطلعة، تتحمل مسؤولية تصريحاتها، أن الرئيس الحالي محمد تكالة أوفد ما لا يقل عن 35 عضواً إلى مدينة إسطنبول التركية ضمن ثلاث مجموعات، للمشاركة في برنامج تدريبي ينظمه مركز “MID” للعلاقات الدولية والدبلوماسية.

وبحسب هذه المصادر، فإن البرنامج لم يكن سوى غطاء لشراء الذمم، حيث تقاضى كل عضو مخصصات مالية (مصروف جيب) بقيمة 2500 دولار أمريكي، في خطوة وُصفت بأنها محاولة مكشوفة لاستمالة الأصوات.

ولا تقف الاتهامات عند هذا الحد، فقبل نحو شهر من رحلة إسطنبول، طفت على السطح فضيحة توزيع سيارات من نوع “هيونداي” تُقدر قيمة الواحدة منها بنحو 100 ألف دينار ليبي، على 14 عضواً كانوا في عداد معارضي تكالة.

هذه الوقائع، التي لم تنفها أطراف رسمية بشكل قاطع، تعيد إلى الواجهة نمط إدارة المجلس الذي وصفه معارضون بأنه تحول إلى “جثة سياسية بدأت بانتهاء الشرعية الانتخابية”، وتغذت على المحاصصة والتواطؤ في ملفات الفساد، مع “صفر إنجاز سياسي دستوري”.

خيال الصخيرات: أزمة شرعية متجددة وجدل المشري

وتأتي هذه الانتخابات مثقلة بإرث مرير من الانقسامات. فالمجلس لم يتعافَ بعد من تداعيات انتخابات أغسطس 2024، التي شهدت واحدة من أكثر فضائحه إثارة للجدل حين تنافس تكالة وخالد المشري، وأُعلن فوز الأخير بفارق صوت واحد (69 مقابل 68).

وما أن أُعلنت النتيجة حتى انفجرت الأزمة بسبب ورقة اقتراع كتب فيها اسم مرشح في غير مكانه المخصص، مما أدى إلى انقسام عميق وتبادل للبيانات القانونية، ولجوء إلى القضاء، استمر لأشهر قبل أن تُعاد الانتخابات في نوفمبر 2024 ويُعلن فوز تكالة من جديد.

لكن شبح المشري لم يغب عن المشهد. فقبل يومين، كشفت مصادر عن توجيهه إخطاراً رسمياً عبر محضر من المحكمة إلى رئاسة المجلس، يُبدي فيه رغبته في حضور جلسة انتخاب الرئيس.

إلا أن مكتب الرئاسة، بقيادة تكالة، رفض استلام الإخطار، في استمرار للمواجهة القانونية بين الرجلين. ويُذكر أن تكالة كان قد اتخذ قراراً سابقاً بإسقاط عضوية المشري بدعوى انقطاعه عن الجلسات، وهو ما يُنذر بإمكانية تفجر أزمة جديدة تطعن في شرعية جلسة الغد.

التابع ينتخب سيده: مجلس بين مطرقة الحكومة وسندان الشارع

في خضم هذا الصراع، يبرز السؤال الأعمق الذي يطرحه الليبيون: أين دور المجلس كهيئة يفترض أنها رقابية وتشريعية؟ يجيب عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي بكلمات قاطعة قائلاً: “تكالة لا يفعل إلا ما يطلبه منه الدبيبة”.

هذا الرأي يتقاطع مع التحذيرات التي أطلقها رئيس الحزب الديمقراطي، محمد صوان، الذي رأى أن “الرئاسة الحالية قوّضت دور المجلس وتراجعت بتأثيره في المشهد السياسي حتى العدم تقريباً، وأصبح تابعاً لسلطة الأمر الواقع، ويُستخدم لعرقلة أي تسوية”.

ودعا صوان الأعضاء إلى اختيار من “يتوسمون فيهم الخير” لإنقاذ الوطن من أزمته، محذراً من أن إعادة انتخاب المنهج نفسه تأكيد على التمسك بنهج العرقلة.

لكن الدبلوماسي الأسبق عادل عيسى رد على صوان بسخرية لاذعة، معتبراً وصف انتخابات المجلس بـ”الاستحقاق الوطني” أمراً محل جدل عميق، طالما أن النتيجة محصورة بين “تكالة والسويحلي”، وكلاهما، في نظره، امتداد لنفس المسار.

أما عضو المجلس سعيد ونيس، رئيس لجنة الأمن القومي، فقد وجه نداءً دراماتيكياً، معتبراً أن الانتخابات “اختبار حقيقي لقدرة المجلس على استعادة دوره الوطني”، داعياً إلى التحرر من تبعية السلطة التنفيذية واستعادة الشراكة المتوازنة مع مجلس النواب.

طريق مسدود: هل من خلاص؟

الواقع أن ما يجري لا يعدو كونه، وفق توصيف متداول، “دوران سياسياً وعودة إلى المسار نفسه”. فالفائز في هذه الانتخابات، أياً كان، سيجلس على رأس جسم منقسم، فاقد للثقة الشعبية، وتنتهي ولايته القانونية في منظور قطاع واسع من الليبيين.

وبينما تغرق البلاد في أزمات معيشية كارثية، تبدو معركة الكراسي في المجلس الأعلى للدولة استمراراً لنهج المصالح الضيقة الذي يُغيّب السؤال الجوهري: متى يرد الأمر للشعب عبر انتخابات رئاسية وبرلمانية؟ إن أصوات المال السياسي وصراعات الأجنحة قد تحسم رئاسة المجلس غداً، لكنها، بكل تأكيد، لن تحسم مستقبل ليبيا، بل ستزيد من غضب شارع يرى في استمرار هذه الأجسام وهذه الوجوه، السبب الرئيس في معاناته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى