ليبيا

 في عمق المأزق الليبي: إعادة انتخاب تكالة تكشف زيف “الديمقراطية”.. هيئة استشارية تحولت إلى “فاتيكان سياسي” والمواطن يسأل: أين الكهرباء؟

بين "دولارات إسطنبول" و"هيونداي".. إعادة انتخاب تكالة تكرّس تبعية المجلس للسلطة التنفيذية والشارع يسخر

ليبيا 24:

فوز تكالة بولاية ثالثة .. المال السياسي يحسم “مسرحية” انتخابات “مجلس” فقد بوصلته

في مشهد بات الليبيون يحفظون فصوله عن ظهر قلب، أسدل المجلس الأعلى للدولة الستار على مسرحيته الانتخابية السنوية، معلناً فوز محمد تكالة بولاية ثالثة على رأس هذه الهيئة التي لم تعد تخفي تبعيتها للسلطة التنفيذية.

وبينما احتفى فريق بالفوز، كشف آخر عن الوجه القبيح للسياسة الليبية: مال يُغدق لشراء الذمم، وسفريات إلى إسطنبول، وسيارات فارهة توزع على المعارضين، في بلد يغرق مواطنوه في ظلام دامس وأزمة مياه خانقة.

“ديمقراطية” مشروخة: فوز معلوم بالمال السياسي

جرت الانتخابات الأربعاء بحضور 138 عضواً، وأسفرت جولتها الثانية عن فوز محمد تكالة بـ80 صوتاً مقابل 56 لمنافسه بلقاسم قزيط. هكذا تقول الأرقام الرسمية.

لكن ما لا يقوله بيان المجلس هو أن هذا الفوز سبقته، وفق مصادر مطلعة، عملية شراء مكثفة للأصوات.

فقد كشفت معلومات أن تكالة أوفد 35 عضواً إلى إسطنبول في برنامج “تدريبي” بدا غطاءً رقيقاً لتوزيع 2500 دولار على كل منهم، بعد شهر من إغراق 14 عضواً معارضاً له بهدايا من نوع “هيونداي” بقيمة 100 ألف دينار للسيارة الواحدة.

هذه الممارسات تجعل الحديث عن “ديمقراطية المجلس وسلوكه الجماعي”، كما وصفها عضو المجلس أحمد اهمومة، أقرب إلى استهزاء بعقول الليبيين.

وهو ما عبر عنه سخط الشارع بقسوة، حين قال أحد المعلقين: “سمّوها قرعة، سمّوها فلاقة، سمّوها ترللي.. لكن تسموها ديمقراطية والله عيب وعار”.

إنه اعتراف ضمني بأن ما يجري ليس تداولاً سلمياً على السلطة، بل تداول للمال مقابل الأصوات داخل جسم فاقد لأي شرعية شعبية.

التابع ينتخب سيده: مجلس بين مطرقة الحكومة وسندان العجز

لم يكن فوز تكالة مفاجئاً لمن يتابع خيوط اللعبة. فهو، كما وصفه عضو مجلس النواب سعيد امغيب، “سيؤدي إلى إطالة أمد الخلاف مع مجلس النواب وتعقيد مسارات التوافق”.

والأخطر من ذلك، ما صرحت به عضو المجلس أمينة المحجوب بأن “انتخاب تكالة لن يقود إلى أي تقدم”، معتبرة أن بقاءه يضمن استمرار خضوع المجلس لحكومة عبد الحميد الدبيبة.

هذا الواقع دفع بعض المحسوبين على المجلس نفسه، كالعضو صالح اجعودة، إلى الإعراب عن استيائه من “بقاء المجلس على ما هو عليه”، متهماً إدارة تكالة السابقة بـ”التسبب في حالة جمود أمام المستجدات السياسية”.

لكن ثمة صوتاً نشازاً في هذا الجوقة، هو صوت جيهان خالد، عضو الحوار المهيكل، التي انبرت للدفاع عن تكالة، معتبرة أن “التيار الذي خسر يحاول تسويق حالة غير حقيقية”، وأن اتهامه بالتسبب في الجمود “يفتقر للموضوعية”.

ورأت أن الرئاسة الحالية “انتهجت سياسة المبادرة” عبر رفض مبادرة مسعد بولس والعمل على وثيقة المبادئ الثلاثية. غير أن هذا الدفاع يصطدم بواقع أن هذه “المبادرات” لم تنتج شيئاً ملموساً للمواطن الليبي، بل أبقت المجلس في فقاعته المنعزلة عن معاناة الناس.

“فاتيكان” طرابلس: جمهورية انتخابية خاصة بالدولة العميقة

ربما كان التوصيف الأكثر إيلاماً وواقعية هو ما ساقه أحد الليبيين الساخرين حين شبه المجلس بـ”الفاتيكان”: دولة داخل العاصمة، انتخاباته منفصلة عن شعب ليبيا، خاصة فقط بأعضائه.

هذا التشبيه يكتسب مشروعيته من التحليل العميق الذي قدمه عبدالله عثمان عبدالرحيم، حين أشار إلى “المفارقة الليبية” في أن “انتخابات هيئة استشارية تتحول إلى موسم سياسي يفوق في زخمه ما عجزت عنه الدولة”.

وأضاف أن “المؤسسات تُخلد بما تنجزه، لا بعدد مرات تغيير لوحة الاسم على باب مكتب الرئيس”.

هذا العبث المؤسسي لا يمكن فهمه دون إدراك ما وصفه مراقب آخر بقسوة: “انتخابات مجلس الدولة ليست وعياً ديمقراطياً.. إنها موسم تخفيضات وتوافقات”.

فالمجلس الذي لا يملك صلاحيات تنفيذية حقيقية، يحتاج إلى هذا “الموسم” السنوي “لتحريك الركود وإعادة توزيع المكاسب”. إنها لعبة الكراسي بنسخة ليبية، حيث “يدور الجميع حول الكرسي، لكن الجالس معروف سلفاً، بينما يواصل الآخرون الدوران ليكتمل المشهد فقط”.

الجثة السياسية: صفر إنجاز ووطأة معيشية قاتلة

فيما يتقاتل “القباطنة” على قيادة “السفينة الراسية”، يغرق الليبي العادي في بحر من الأزمات.

السؤال الذي يوجهه المواطن البسيط إلى تكالة وإدارته ليس عن القوانين الانتخابية أو وثائق المبادئ، بل هو: “ما هو تقييمكم لأزمة الكهرباء والمياه؟ وهل لديكم مبادرة لمعالجتها؟”.

هذا السؤال، الذي بقي بلا إجابة، يختزل المأساة الحقيقية.

السفير السابق محمد خليفة العكروت لخص هذا الشعور بمرارة حين قال إنه “لا يهمه من فاز ومن خسر”، مشغولاً بـ”الكهرباء والماء والغلاء ومكيف سيارته المعطل”.

وذهب إلى الجوهر قائلاً: “احموا ليبيا من أبنائها، فهم سبب خرابها ودمارها”. إنها صفعة مدوية لكل من يحاول تجميل وجه الانتخابات الفرعية، بينما الدولة العميقة تلتهم ما تبقى من مقدرات الليبيين.

أما الدبلوماسي عادل عيسى، فقد التقط التناقض الصارخ بين “المشهد الرسمي” الذي يظهر مسؤولين في جولات خارجية وصور تذكارية، و”الواقع المعيشي” الذي يبرز حجم التحديات.

متسائلاً: “أي ليبيا هي الحقيقية؟”. إنه سؤال يجب أن يطارد كل من شارك في مسرحية الأمس، من الفائز بولاية رابعة إلى آخر عضو صفق للنتيجة.

في الختام، يعود عبدالرزاق العرادي ليذكرنا بأن “المعركة الخفية” التي دارت في الكواليس، والتي “خاضتها أحزاب ومراكز قوة ورجال أعمال”، هي ما أنتج هذه النتيجة.

ويبقى التحذير الأهم: إذا استمر المجلس في حالة “الموات” السياسي، فإن مصيره سيكون التجاوز، كما حدث لمؤسسات كثيرة قبله.

 لكن السؤال الذي ينتظر إجابة ليس في أروقة المجلس، بل في الشارع: إلى متى يتحمل هذا الشعب جثة سياسية لا تجيد سوى تجديد نفسها، بينما الحل الوحيد الذي يبدو في الأفق، كما قال أحدهم بسخرية لاذعة، هو أن “دفنهم رحمة”؟ فالمجلس الأعلى للدولة، الذي لا دولة له، لم يعد يحكمه سوى منطق واحد: السخرية من المواطن، فيما تبقى “المرحلة الانتقالية الدائمة” هي “أطول مسؤول سياسي عمراً في البلاد”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى