أزمة الخبز تطحن الليبيين.. الدبيبة يغرد خارج السرب والمخابز على شفا الإغلاق
ارتفاع جنوني للدقيق والوقود والكهرباء.. حكومة الدبيبة ترفع راية الاستسلام أمام جوع المواطنين
ليبيا 24
خبز الليبيين على نار حكومة الدبيبة.. أزمة طاحنة تهدد الأمن الغذائي وسط صمت مطبق من طرابلس
في مشهد يعكس فداحة الأزمة التي تعصف بالبلاد، يجد المواطن الليبي نفسه عالقاً بين مطرقة انقطاع الكهرباء وسندان ارتفاع أسعار الدقيق، في وقت تكتفي فيه حكومة الوحدة الوطنية المنتهية الولاية بإصدار البيانات المنمقة بينما تتهاوى مقدرات الليبيين اليومية تحت وطأة الإهمال وسوء الإدارة.
فبينما كان من المفترض أن تكون السلعة الأكثر استهلاكاً في البلاد خطاً أحمر لا يمكن المساس به، بات الخبز سلعةً قابلة للابتزاز الاقتصادي، مسلماً بها أمام جشع التجار وعجز الحكومة عن توفير متطلبات الإنتاج الأساسية.
طوابير اليأس وعجز حكومي مكشوف
المخابز الليبية التي كانت تعتبر صمام أمان للأسر الفقيرة، أصبحت اليوم ساحة معركة يومية بين أصحابها الذين يكافحون من أجل البقاء، وبين المواطنين الذين يبحثون عن لقمة عيشهم وسط انهيار متسارع للخدمات.
نقيب الخبازين محمود العريبي لم يتردد في وصف المشهد بالكارثي، حيث كشف النقاب عن قفزات صاروخية في أسعار المواد الأساسية، إذ ارتفع كيس الدقيق من 110 دنانير إلى قرابة 140 ديناراً، بينما قفز سعر صندوق الخميرة من 150 إلى 185 ديناراً، وصندوق الزيت من 110 إلى 145 ديناراً، في انعكاس مباشر لسياسات اقتصادية فاشلة لم تنجح في حماية القدرة الشرائية للمواطن.
الكهرباء.. طاقة الظلام التي تلتهم آخر آمال الليبيين
الأمر لم يقتصر على غلاء المواد الخام، بل امتدت الأزمة لتشمل الطاقة التي أصبحت سلعةً نادرةً لا تقل خطورة عن نقص الطعام. ففي الوقت الذي يعاني فيه الليبيون من انقطاع الكهرباء الذي يصل إلى 20 ساعة يومياً في ذروة موجة الحر، أجبرت المخابز والمطاحن على تشغيل مولداتها بالديزل الذي ترفض الحكومة توفيره، ليجد أصحاب المخابز أنفسهم مجبرين على شراء الوقود من السوق الموازية بضعف سعره الرسمي.
هذا العبء الذي ألقته حكومة تصريف الأعمال على قطاع المخابز لم يكن مجرد إجراء تقشفي، بل كان بمثابة حكم بإعدام القدرة الإنتاجية للقطاع، حيث أكدت نقابة الخبازين أن العديد من المطاحن توقفت بالفعل عن الطحن، فيما البقية تعمل بحدها الأدنى لتجنب الإفلاس.
تكاليف الإنتاج تنفجر والمواطن يدفع الثمن
من المأساوي أن نرى حجم التضحيات التي يقدمها أصحاب المخابز لضمان وصول الرغيف إلى المواطن، بينما تبقى الحكومة في حالة من السبات العميق. فبحسب معطيات الميدان، ارتفع سعر قنطار الدقيق من 190 ديناراً في يناير الماضي إلى 275 ديناراً حالياً، كما أن ساعات انقطاع الكهرباء التي تتراوح بين 6 إلى 10 ساعات يومياً، رفعت تكاليف التشغيل بشكل جنوني، مما دفع بعض المخابز إلى تقليص عدد الأرغفة المباعة مقابل الدينار الواحد.
هذا التقليص الذي قد يبدو بسيطاً في الظاهر، لكنه في جوهره يعكس انهياراً في القدرة الشرائية يضرب الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع الليبي.
أصوات مكلومة من الشارع الليبي
في جولة بين أروقة العاصمة طرابلس، سمعت “ليبيا 24” أصواتاً لا تخطئها الأذن، حيث عبر الموظف الحكومي عبد السلام الورفلي عن مرارة واقع يعيشه يومياً، وهو يشاهد أسرته تستهلك أكثر من عشرة أرغفة يومياً، متحسراً على أن الزيادات المتكررة في أسعار الخبز لا تقل وطأة عن باقي السلع الغذائية التي أضحت حلماً بعيد المنال.
كما عبرت فاطمة الزنتاني عن استيائها مما وصفته بـ”انتهاء عصر السلع الرخيصة”، مشيرةً إلى أن الخبز الذي كان رمزاً للاكتفاء الذاتي، أصبح اليوم عصياً على حتى أصحاب الدخل المتوسط.
وفي زاوية أخرى، وقف سائق الأجرة محمد الشريف ليكشف النقاب عن صورة قاتمة للحياة اليومية في ليبيا، حيث قال إن الأزمة تجاوزت الخبز إلى سائر مناحي الحياة، مشيراً إلى أن غلاء الوقود وانقطاع الكهرباء وارتفاع أسعار المواد الغذائية، تشكل عاصفة لا تبقي ولا تذر.
منظمة الفاو تكشف الخطورة وأبو عزة يصفع الحكومة بالحقائق
وأظهرت بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن ليبيا تستورد أكثر من 90% من حاجتها من القمح، مما يجعل أمنها الغذائي رهينةً لتقلبات الأسعار العالمية وسعر صرف الدينار، الذي يواصل انهياره بفعل سياسات مصرف ليبيا المركزي الذي تسيطر عليه حكومة الدبيبة دون رقابة حقيقية.
ويرى الخبراء أن تراجع قيمة العملة الوطنية يلقي بظلاله الكئيبة على فاتورة استيراد القمح والخميرة والزيوت، بما يفاقم الأزمة بشكل متسارع.
وفي مشهد يعكس حجم الفضيحة الحكومية، لم يتردد المسؤول في نقابة الخبازين علي بوعزة في توجيه صفعة قوية للحكومة، حين أكد أن استمرار تثبيت سعر الرغيف عند 0.33 دينار لم يعد يحقق أي جدوى اقتصادية لأصحاب المخابز، مما يضعهم أمام خيارين مريرين: إما الاستمرار في خسائر متراكمة، أو إغلاق المخابز وترك المواطنين بلا طعام.
وأضاف أن عدم كفاية كميات الوقود المخصصة للمطاحن والمخابز، أجبر القطاع على الاعتماد على السوق الموازية التي تبتلع أرباحهم، وهو ما لم يعد ممكناً في ظل استمرار الأزمة.
رأي الخبراء: حلول معلقة بين برامج اقتصادية وسياسات حكومية
في المقابل، لم يتوان المحللون الاقتصاديون عن تشخيص الداء، حيث أكد المحلل طارق الصرماني أن التداخل بين أزمة سعر الصرف وأزمة الطاقة ونقص الوقود، يشكل حلقة مفرغة لا يمكن كسرها إلا بإرادة سياسية حقيقية.
أما المحلل عبد الهادي الأسود، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، مؤكداً أن الخبز سلعة ذات طلب غير مرن، مما يعني أن المواطن مجبر على شرائه مهما ارتفع سعره، وهذا ما يجعل أي زيادة في التكاليف تنتقل مباشرة إلى جيب المستهلك، في غياب أي رقابة حكومية أو دعم حقيقي لقطاع المخابز.
الخلاصة.. محاولات إطفاء الحرائق دون جذور
لعل الأكثر إثارة للقلق في المشهد الحالي، هو أن نقابة الخبازين ذهبت إلى حد المطالبة بإنشاء ديوان للحبوب يتولى إدارة مخزون استراتيجي، في إشارة إلى أن الوضع الحالي لا يحتمل المزيد من الترقيع.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تسمع حكومة الدبيبة هذه الأصوات؟ أم أن انشغالها بالصراعات السياسية وملاحقة الشرعية، جعلها تتناسى أن المواطن الليبي يموت جوعاً كل يوم، بينما ترفرف رايات الأمل كاذبة فوق مؤسسات الدولة العاجزة؟!
وفي انتظار تحرك جدي يبدو مستحيلاً في ظل انتهاء ولاية هذه الحكومة، يبقى الخبز الليبي رهينة بين أيدي التجار ومتقلبي الأسواق، بينما يبقى المواطن الليبي وحيداً في مواجهة هذه العاصفة الاقتصادية، مع القليل من الأمل في أن يأتي يوم ترى فيه ليبيا النور، دون أن يُحرق الخبز في أفواه أبنائها.



