ليبيا

أبوعميد توجّه انتقاداً لاذعاً لـ«انتقائية الدولة»: سرعة في ملاحقة المواطن وصمت مؤسساتي حيال انهيار الكهرباء والدواء

عضو بـ«الحوار المهيكل»: اختبار الدولة الحقيقي في مساءلة مسؤوليها لا في استعراض القوة أمام الحلقة الأضعف

ليبيا 24

بين المواطن والمؤسسة.. أبوعميد ترسم خريطة «الأمن القومي المفقود» في ليبيا

في تدوينة مقتضبة حَمَلت نبرة نقد حاد للسياسات الرسمية، فتحت الدكتورة منال أبوعميد، عضو لجنة الحوار المهيكل، نافذة على واحدة من أكثر الإشكاليات التصاقاً بالحياة اليومية لليبيين، حين وضعت إزاء بعضها سرعة الأجهزة في ملاحقة «المخالفات الصغرى» وصمتها المطبق إزاء انهيار المرافق الحيوية.

التصريح، الذي نُشر على صفحتها بموقع فيسبوك، لم يكن تعليقاً عابراً بقدر ما كان تفكيكاً لبنية المساءلة في دولةٍ تتصارع على جبهاتٍ عدة، وتُغفل – بحسب تعبيرها – جبهةَ الثقة بين الحاكم والمحكوم.

ازدواجية المعيار: المواطن البسيط في الواجهة والمؤسسات في الظل

ترى أبوعميد أن ما يثير القلق ليس ضخامة الأزمات وحدها، بل «انتقائية الدولة في اختيار الملفات التي تعتبرها من الأمن القومي أو الأمن الغذائي والصحي».

وتضرب مثالاً حياً بالوتيرتين المتناقضتين في التحرك الرسمي: فعندما يتعلق الأمر بالمواطن البسيط، تتحرك الأجهزة بسرعة، وتُفتح التحقيقات، وتُوجه الاتهامات في لمح البصر.

 في المقابل، حين يكون الخلل في أداء مرفق عام أو مؤسسة مسؤولة عن خدمة تمس حياة الملايين، مثل الكهرباء وما يترتب عليها من آثار على الصحة وسلامة الدواء، تصف أبوعميد المشهد بأن «الصمت هو سيد الموقف».

هذه الازدواجية، وفق تحليلها، ترسم صورة دولةٍ تُمعن في استعراض القوة أمام الحلقة الأضعف، بينما تتراجع إلى الخلف عندما تقتضي المسؤولية محاسبة من أوكلت إليهم إدارة المرافق العامة التي يتوقف عليها نبض الحياة اليومية.

الأمن القومي يتجاوز الثكنات.. الكهرباء والدواء وجهان لعملة واحدة

في صياغة تدمج بين أبعاد السياسة والاقتصاد والصحة، ترفض أبوعميد المفهوم التقليدي المحصور للأمن، وتؤكد أن «الأمن القومي لا يقتصر على الحدود والسلاح»، وأن الأمن الغذائي لا ينفصل عن الأمن الدوائي.

 ومن منظور فني صرف، ترى أن انقطاع الكهرباء ليس مجرد أزمة خدمية عابرة، بل هو تهديد مركب يضرب سلسلة التبريد التي تحفظ الدواء والغذاء، ويدفع نحو انهيار صامت في مخزون الصحة العامة.

لذا تعتبر أن أي حديث عن حماية المواطن يصبح منقوصاً ما دامت الخدمات الأساسية تُترك تتهاوى دون محاسبة أو شفافية.

المساءلة من القمة.. اختبار السيادة الحقيقي

تختزل أبوعميد فلسفة الحكم الرشيد في جملة مكثفة: «الدولة لا تُختبر في قدرتها على ملاحقة الحلقة الأضعف، وإنما في قدرتها على مساءلة مسؤوليها ومؤسساتها عندما يكون التقصير سبباً في تهديد حياة المواطنين».

ومن هذا المنطلق، تطالب بأن تبدأ المسؤولية من القمة، لا من قاعدة الهرم الاجتماعي.

ففي نظرها، المواطن لا يريد استعراضاً للقوة على الضعفاء، بل يريد دولة تُطبق القانون بعدالة، وتجعل من مساءلة المسؤول عن المرفق العام الخطوة الأولى في إعادة بناء مفهوم الدولة القادرة على صون أمن مواطنيها من بوابة الخدمة والغذاء والدواء، لا من بوابة الملاحقة الانتقائية وحدها.

رسالة من عمق الأزمة

يعكس تصريح أبوعميد، في جوهره، مأزقاً بنيوياً تعيشه ليبيا يتجاوز تردي الخدمات إلى أزمة شرعية في آليات المساءلة.

وبينما تتعالى الأصوات المطالبة بإصلاح قطاع الكهرباء وضمان سلامة الدواء، يظل السؤال المعلق: هل تمتلك مؤسسات الدولة الجرأة الكافية لوضع المسؤولين الكبار تحت مجهر التحقيق، أم أن الانتقائية ستبقى عنوان المرحلة، فلا يدفع الثمن إلا من لا يملك في لعبة التوازنات سوى حضوره كحلقة أضعف؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى