ليبيا

أوروبا تعمق شراكتها الأمنية مع ليبيا في ملف الهجرة.. والشعب يرفض تحويل البلاد إلى وجهة لإقامة المهاجرين

مفارقة الهجرة الأوروبية في ليبيا: كلما اشتد التعاون الأمني ازدادت المخاوف الليبية من توطين المهاجرين

ليبيا 24

أوروبا تريد ليبيا سدًّا مانعًا للهجرة.. والداخل يرفض تحول البلاد إلى مقصد

استراتيجية أوروبية جديدة لنقل حدود الهجرة إلى جنوب المتوسط

في تحول استراتيجي غير مسبوق في سياسات إدارة الهجرة، ينقل الاتحاد الأوروبي جزءًا متزايدًا من مسؤولياته في مراقبة الحدود وإجراءات اللجوء إلى دول الجوار الجنوبي، وعلى رأسها ليبيا.

ففي خطوة تعكس تغيرًا جوهريًا في النهج الأوروبي، لم يعد التكتل مكتفيًا بدعم خفر السواحل الليبي لاعتراض المهاجرين في عرض البحر، بل تجاوز ذلك إلى إنشاء مراكز عمليات مشتركة على الأراضي الليبية، والسعي لتوطين إجراءات الترحيل وإعادة المهاجرين خارج حدوده الجغرافية.

ويصف خبراء الهجرة هذه الدول بـ”حراس بواب” أوروبا، حيث تحتل ليبيا موقعًا محوريًا في هذا النهج كونها نقطة الانطلاق الرئيسية للمهاجرين الذين يسلكون طريق وسط البحر المتوسط، وهو أحد أكثر ممرات الهجرة نشاطًا وخطورة في العالم.

ففي 21 يونيو 2026، أعلنت الحكومة الإيطالية رسميًا بدء المرحلة التجريبية لمركز العمليات المشترك في طرابلس، بمشاركة ضباط من ليبيا وإيطاليا وقطر وتركيا.

ويهدف المركز، الذي تديره حكومة الدبيبة منتهية الولاية، إلى تعزيز قدرات البحث والإنقاذ لقوات إنفاذ القانون الليبية، ودعم جهود مكافحة عصابات تهريب البشر، وتحسين تبادل المعلومات الاستخباراتية. وجاء إطلاق المركز كثمرة للقمة التي عُقدت في إسطنبول في أغسطس 2025 بين الأطراف المعنية.

وتعكس هذه الخطوات توجهًا أوروبيًا أوسع تجسد في تشريع جديد أقره البرلمان الأوروبي في يونيو 2026، يسمح للدول الراغبة بإنشاء مراكز خارج أراضي الاتحاد لإعادة المهاجرين غير النظاميين والأشخاص المرفوضة طلبات لجوئهم.

وتشير المصادر الدبلوماسية إلى أن ليبيا تندرج ضمن قائمة الدول التي يُنظر إليها كموقع محتمل لهذه المراكز، إلى جانب رواندا وأوغندا وتونس.

انخفاض الوافدين.. وتعاون أعمق في الأفق

وبحسب البيانات الرسمية، سُجل في النصف الأول من عام 2026 نحو 14 ألف وصول غير نظامي عبر وسط البحر المتوسط، وهو أدنى مستوى منذ عام 2020.

 وتنسب الحكومة الإيطالية هذا الانخفاض جزئيًا إلى التعاون المكثف مع دول شمال أفريقيا، وتسعى إلى تعميق هذا النهج عبر توسيع نطاق الشراكات الأمنية.

إلا أن هذا النجاح العددي، من المنظور الأوروبي، يحمل في طياته مفارقة عميقة من الناحية الليبية.

فكلما زاد اعتماد أوروبا على ليبيا في إيقاف تدفق المهاجرين، ازدادت داخل ليبيا المخاوف من أن يتحول بلد العبور التقليدي إلى بلد إقامة دائمة لمن لم يتمكنوا من مواصلة الطريق إلى أوروبا.

صدمة الواقع: نحو مليون مهاجر في بلد يعاني أصلاً

وتكشف الأرقام عن حجم التحدي الذي تواجهه ليبيا. فوفقًا لبيانات المنظمة الدولية للهجرة، بلغ عدد المهاجرين الموجودين داخل ليبيا 943 ألفًا و748 مهاجرًا خلال شهري مارس وأبريل 2026، في بلد لا يتجاوز تعداد سكانه الأصليين نحو سبعة ملايين نسمة.

وتشير تقديرات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن ليبيا تستضيف أكثر من 700 ألف لاجئ وطالب لجوء، غالبيتهم من السودانيين الفارين من الحرب المستمرة هناك منذ أبريل 2023.

ويشكل هذا العدد الهائل ضغطًا هائلاً على بنية تحتية منهكة أصلاً بسبب خمسة عشر عامًا من النزاع والانقسام السياسي. ففي ظل تدهور الخدمات الأساسية وتردي الأوضاع الاقتصادية، يجد الليبيون أنفسهم يتنافسون مع نحو مليون مهاجر على موارد شحيحة، في مشهد يغذي مشاعر القلق والرفض.

احتجاجات طرابلس: “ليبيا لليبيين” تتصدى لشائعات التوطين

وفي مشهد عكس عمق الأزمة، شهدت طرابلس في 4 يونيو 2026 احتجاجات حاشدة أمام مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، حيث رفع متظاهرون شعارات بينها “ليبيا لليبيين” و”لا لتوطين الأجنبي في ليبيا”، مطالبين بإغلاق مكاتب المفوضية.

واتهم بعض المحتجين المفوضية بإصدار وثائق لجوء تسمح للمهاجرين العالقين في ليبيا بالاستقرار الدائم.

غير أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا نفت هذه المزاعم بشكل قاطع، مؤكدة أنه “لا يوجد أي برنامج لإعادة توطين المهاجرين في ليبيا” وأن “مفوضية اللاجئين لا تنفذ أي برامج توطين في ليبيا”.

وأوضح المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أن المفوضية تعمل مع السلطات الليبية والمجتمع الدولي لتحديد حلول خارج ليبيا للأشخاص الفارين من الحرب والاضطهاد، تشمل الإجلاء إلى دول ثالثة والعودة الطوعية عند توفر الظروف المناسبة.

وعزت الأمم المتحدة الاحتجاجات إلى “انتشار المعلومات المضللة والمغلوطة” عبر منصات التواصل الاجتماعي، واصفة مهمة مواجهة هذه المعلومات في ليبيا بأنها “صعبة للغاية”.

أصوات ليبية: مخاوف اقتصادية وأمنية

وتنقل المحامية ثريا الطويبي، إحدى القيادات في الاحتجاجات الرافضة للتوطين، مخاوف شريحة واسعة من الليبيين، مطالبة بتسريع إخراج المهاجرين من البلاد. وبررت موقفها بصعوبة الوضع الاقتصادي والضغط على الموارد، إلى جانب الحديث عن “مخاوف أمنية وصحية” تثيرها وجود أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين.

ويزداد هذا الموقف الليبي الرافض وضوحًا على المستوى الرسمي، حيث كشفت مصادر دبلوماسية ليبية أن روما أبلغت طرابلس بمقترح إنشاء مراكز استقبال مؤقتة للمهاجرين على الأراضي الليبية، فردت الأخيرة برفض قاطع، مؤكدة أن “هذه دول عبور حاليًا، يسافر منها المهاجرون إلى أوروبا.

إن إنشاء مثل هذه المراكز سيحوّلها إلى دول مضيفة للمهاجرين، وهذا ما لا ترغب فيه ليبيا”. وكانت وزارة الخارجية الليبية قد أصدرت بيانًا في 1 يونيو 2026 أعربت فيه عن رفضها القاطع لتوطين المهاجرين غير النظاميين على أراضيها.

انتهاكات حقوقية في ظل حملات القمع

وفي الجانب الآخر من المعادلة، تتهم منظمات حقوقية دولية حكومة الدبيبة بارتكاب انتهاكات جسيمة في التعامل مع المهاجرين. فوفقًا لمنظمة العفو الدولية، صعدت السلطات الليبية حملة قمع عنصرية شملت آلاف العمليات من اعتقالات واحتجاز تعسفي وطرد جماعي للاجئين والمهاجرين.

وتقول هيومن رايتس ووتش إن السلطات الليبية استخدمت خطابًا تحريضيًا وشنّت حملة اعتقالات وطرد جماعية بحق مهاجرين وطالبي لجوء ولاجئين.

ووصفت حنان صلاح، المديرة المشاركة لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، الوضع قائلة: “السلطات الليبية أججت احتجاجات مناهضة للأجانب وإخضاع المهاجرين لاعتقالات جماعية واحتجاز تعسفي في ظروف لاإنسانية وعمليات طرد جماعي”.

وتتهم منظمة العفو الدولية الاتحاد الأوروبي بالتواطؤ في هذه الانتهاكات، مشيرة إلى أن التكتل يسعى إلى توسيع تعاونه في مجال الهجرة مع السلطات الليبية رغم سجلها الحافل بالانتهاكات الجسيمة.

وتؤكد المنظمة أن الدعم الأوروبي لخفر السواحل الليبي، الذي يتلقى تدريبًا وتمويلًا من الاتحاد الأوروبي، يسهم في إعادة المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر إلى ليبيا، حيث يواجهون خطر الاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة.

من سبتة إلى طرابلس: ديناميكيات الهجرة وتداعياتها

وتكشف وقائع الهجرة نفسها عن أسباب عميقة تدفع الشباب للمخاطرة بحياتهم في طريق الموت.

ففي مدن شمال المغرب القريبة من سبتة، يعيش شبان تركوا الدراسة مبكرًا وتنقلوا بين أعمال صغيرة بأجور متدنية. وبالنسبة إليهم، أصبح الوصول إلى إسبانيا مشروعًا يستحق تكرار المخاطرة، في مشهد يعكس ديناميكية تمتد تأثيراتها إلى ليبيا حيث تتشابه دوافع اليأس.

يقول أشرف، البالغ 18 عامًا، الذي حاول سابقًا الوصول إلى سبتة: “لا مشكلة في النوم في الشارع أو تحت جسر، نفعل ذلك هنا أصلًا… البؤس نعرفه. سواء في المغرب أو خارجه، سنكافح”.

 ويضيف سليماني، البالغ 19 عامًا والعاطل عن العمل، أنه يرفض “فقدان كرامته” في أعمال مقابل أجور يعتبرها متدنية.

وتتجلى الأسباب الاقتصادية بوضوح في تأثير توقف التجارة غير الرسمية حول سبتة ومليلية، وهي أنشطة كانت توفر مصدر دخل لأعداد كبيرة من الأسر. فقد أوقفت السلطات المغربية حركة التهريب المعيشي عبر باب سبتة في خريف 2019، ثم جاءت جائحة كوفيد لتغلق الحدود التجارية لفترات طويلة.

 وبحسب تقديرات الجمارك المغربية، كانت التجارة الموازية تدر بين ستة وثمانية مليارات درهم سنويًا (نحو 600 إلى 800 مليون دولار)، فيما كانت ما بين 12 ألفًا و15 ألف امرأة يعبرن الحدود يوميًا لنقل السلع.

ويقول أحمد الريسوني، المدير المشارك لمركز ثقافي في مرتيل: “بمحاولة خنق سبتة ومليلية، خنقنا الأقاليم المغربية المحيطة بهما”، مشيرًا إلى أن توقف هذا النشاط حرم أسرًا كثيرة من مصدر دخل كانت تعتمد عليه.

الشائعات والشبكات الرقمية: وقود للحشد الجماعي

ولعل الأكثر إثارة للقلق هو الدور الذي تلعبه الشائعات والشبكات الرقمية في تحويل الاستعداد الفردي للهجرة إلى تحرك جماعي سريع. ففي يوليو 2026، كان قرار المحكمة العليا الإسبانية بعدم تطبيق إجراء “الصد عند الحدود” على من تعترضهم السلطات في البحر نقطة انطلاق لحملة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي. أعيد تفسير القرار في المغرب على أنه إعلان عن “فتح الحدود”، وانتشرت رسائل تزعم أن الطريق إلى إسبانيا أصبح مفتوحًا.

وتتبعت تقارير صحفية مجموعات على فيسبوك وتيك توك وإكس وإنستغرام أعادت نشر الفكرة نفسها عبر النصوص والصور ومقاطع الفيديو، متزامنة مع تداول صور لأشخاص نجحوا بالفعل في الوصول إلى سبتة.

وتُعد هذه الرسائل إحدى الإشارات التي ساهمت في الحشد نحو الحدود، دون أن تكون الشائعة وحدها سببًا كافيًا لتفسير الحركة الجماعية.

وتقدر مجموعة الأبحاث الإسبانية مفتوحة المصادر “غولدن أول” أن ما حدث كان عملية منظمة لا مجرد تحرك عفوي، مشيرة إلى رصدها حملة وصلت إلى نحو مليون شخص، إلى جانب حسابات متشابهة ومفردات مشفرة وهوية بصرية وشعارات مشتركة.

وترى المجموعة أن هذه الشبكة استفادت من رغبة موجودة أصلًا في الهجرة، كما ربطت نشاطها بسوق مدفوع للاتجار بالبشر.

معادلة مستحيلة: بين الردع الأوروبي والمخاوف الليبية

وتطرح هذه التطورات سؤالاً أوسع: ماذا يبقى من قوة الردع عندما يُنظر إلى البقاء نفسه باعتباره امتدادًا لأزمة اقتصادية واجتماعية؟ ففي ليبيا كما في المغرب، تتضاءل قدرة مخاطر الهجرة على الردع أمام البطالة وتدني الأجور وضيق آفاق المستقبل فالمخاطرة، كما يراها هؤلاء الشبان، أقل كلفة من البقاء في واقع يئد الأحلام.

وهكذا تجد ليبيا نفسها في قلب مفارقة مركبة: فمن جهة، تسعى أوروبا إلى تعميق تعاونها الأمني معها لجعلها سدًا مانعًا للهجرة، ومن جهة أخرى، يزداد الرفض الليبي الرسمي والشعبي لتحويل البلاد إلى مقصد أو مستقر للمهاجرين.

وفي خضم هذا التشابك، تظل انتهاكات حقوق الإنسان للمهاجرين داخل ليبيا واقعًا مؤلمًا، وتظل دوافع الهجرة الاقتصادية والاجتماعية عميقة الجذور في بلدان المنشأ والعبور على حد سواء.

المعضلة التي تواجه صناع القرار في طرابلس وبروكسل معًا أن حل أزمة الهجرة لا يمكن أن يكون أمنيًا بحتًا. فهو يتطلب معالجة جذور المشكلة الاقتصادية والاجتماعية في بلدان المنشأ، وضمان احترام حقوق المهاجرين، مع مراعاة المخاوف المشروعة للدول المضيفة والعبور.

 وإلا فإن ليبيا، التي تحملت وحدها أعباء استضافة نحو مليون مهاجر، ستبقى رهينة معادلة تزداد تعقيدًا كلما اشتدت جهود احتوائها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى