ليبيا

الفنيش يفضح تنصل الدبيبة: استمرار المرتزقة السوريين ليس “إرث حرب” بل مسؤولية سلطة قائمة عاجزة عن إنهائه

"مملكة المنتظرين".. الفنيش يقرأ غياب الدولة بهيئة مؤسساتها ويدعو لتحالف ذكي بين الجغرافيا والمصلحة الوطنية دون تبعية

ليبيا 24

مملكة المنتظرين بين تنصل حكومي وغياب استراتيجي.. الفنيش يضع يده على جروح الدولة الغائبة

في منشور موسع على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي، أعاد المحلل السياسي حسام الفنيش تشخيص حالة اللاوطن التي تعيشها ليبيا، مانحاً إياها وصفاً جامعاً هو “مملكة المنتظرين”، في إشارة إلى الشعب الليبي الذي يترقب دولة لا تزال معلقة بين اسم مؤسساتها وغياب روح مؤسساتها.

وجاء تحليل الفنيش ليلامس تناقضاً حاداً بين واقع أمني تعيشه طرابلس بفعل استمرار وجود المجموعات المسلحة الأجنبية، وبيان أصدرته وزارة دفاع حكومة الدبيبة حاولت فيه التملص من مسؤولية استمرار هؤلاء المرتزقة على الأراضي الليبية.

بين النص الرسمي ومعاناة المواطن

استهل الفنيش تحليله بنظرة فلسفية لحالة الدولة في ليبيا، قائلاً إن مأساة ليبيا ليست في سقوط الدولة ذات يوم، بل في أن الدولة “بقيت واقفة دون أن تكون حاضرة”. وأشار إلى المفارقة التي يعيشها الليبيون يومياً، حيث توجد مؤسسات تحمل أسماء الدولة وحكومات تتحدث باسمها وسلطات تتنافس على تمثيلها، بينما يظل المواطن عاجزاً عن العثور على معنى لهذه الدولة في تفاصيل حياته المعيشية والأمنية.

وهنا يضع الفنيش يده على الجرح الاجتماعي والسياسي الأعمق، مؤكداً أن الدولة لا تُقاس بعدد الوزارات ولا بطول البيانات الرسمية، وإنما بقدرتها الفعلية على جعل المواطن يشعر بأن “القانون أقوى من السلاح، وأن المؤسسة أقوى من الشخص، وأن مستقبله لا يتوقف على هوية من يملك النفوذ في تلك اللحظة”.

وهذا النقد اللاذع يوجه بشكل غير مباشر إلى هيمنة الميليشيات المسلحة في العاصمة والمدن الغربية، والتي جعلت من المواطن رهينة لمزاجية أمراء الحرب المتصارعين على الغنائم والنفوذ، وهو ما تكرس بوضوح في احتجاجات المرتزقة السوريين الأخيرة التي عمت شوارع طرابلس.

من استقدمهم؟ أم من يسمح ببقائهم؟.. تفنيد بيان وزارة الدفاع

وفي قراءة قانونية وسياسية دقيقة، توقف الفنيش عند ما وصفه بـ “بيت القصيد” في بيان وزارة دفاع حكومة الوحدة الوطنية، حيث قالت الوزارة إن بعض الملفات ارتبط باتفاقيات دولية قائمة وتتجاوز اختصاصها الحالي.

لكن الفنيش قلب الطاولة على هذا المنطق، مشيراً إلى أن السؤال الجوهري ليس “من استقدم المجموعات الأجنبية إلى ليبيا؟” بل “من يتحمل مسؤولية استمرار وجودها اليوم؟”.

ويأتي هذا الرد ليكشف عن هشاشة ذريعة حكومة الدبيبة التي تتذرع بأن هذه الترتيبات تعود إلى مرحلة حكومة الوفاق الوطني وظروف الحرب للتبرير باستمرار احتضان مرتزقة أجانب على أراضيها.

ويرى الفنيش أن القول بأن هذه الترتيبات استثنائية ومؤقتة لا يفسر سبب استمرار بعضها بعد مرور سنوات على انتهاء الحرب، متسائلاً بوضوح: من يملك القرار السيادي لإنهائها اليوم؟ وهل أصبحت تلك الاتفاقيات السابقة مجرد غطاء سياسي لاستمرار واقع أمني فرضته الحرب، بدلاً من أن تكون وثائق قابلة للمراجعة والإلغاء؟

وهكذا، يفضح تحليل الفنيش التوجه الحكومي القائم على التهرب من المسؤولية المباشرة عن ملف بالغ الخطورة، إذ أن استمرار وجود هذه الفئات المسلحة الأجنبية لا يهدد الأمن الداخلي فحسب، بل يُبقي على حالة من السيادة المنقوصة ويعطي شرعية ضمنية لتدخلات خارجية في الشأن الليبي، وهو ما تتحمل تبعاته السلطة القائمة اليوم، وليس حكومة انتهت ولايتها القانونية والسياسية منذ زمن.

الجغرافيا قدر استراتيجي.. والتحوط لا يعني التبعية

انتقل الفنيش في جزئية ثالثة من تحليله إلى أفق استراتيجي أرحب، متناولاً علاقات ليبيا بجوارها الإقليمي في ضوء ما يشهده غرب البلاد من تحولات أمنية وتسلح متطور، حيث استعرض معادلة معقدة بين الجغرافيا التي لا تتغير والمصالح الوطنية التي تتطور. وأكد أن الجغرافيا لا تسمح للدول باختيار جيرانها، لكنها تفرض عليها تعلم كيفية إدارة علاقاتها معهم، مشيراً إلى أن التعاون مع دولة مجاورة يصبح ضرورة استراتيجية حتى في ظل وجود خلافات سياسية عارضة.

وهنا يقدم الفنيش رؤية متكاملة لإدارة الملفات العالقة، بدءاً من أمن الحدود ومكافحة الجريمة المنظمة والتهريب، مروراً بملفات الطاقة والمياه والهجرة، ووصولاً إلى مكافحة الإرهاب. فهذه الملفات تجعل التعاون بين الدول المتجاورة ليس خياراً دبلوماسياً فحسب، بل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي والمصلحة الوطنية العليا.

وفي نقد ضمني للسياسات الليبية المتقلبة في عهد حكومة الدبيبة، يرفض الفنيش النظرة إلى الجغرافيا باعتبارها مصدراً دائماً للتهديد، ويدعو بدلاً من ذلك إلى تحويلها إلى “رأس مال استراتيجي” من خلال بناء علاقات تعاون وثيقة ومستقرة تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

وشدد على أن التعاون الوثيق مع دول الجوار لا يعني الدخول في تحالفات سياسية مغلقة، بل بناء منظومة مصالح متشابكة تجعل الاستقرار مصلحة مشتركة للجميع، بحيث ترتفع تكلفة الصراع وتصبح فرص التعاون أكبر.

بين الاقتراب من الجوار والتحوط من التبعية

في ذروة تحليله الاستراتيجي، حاول الفنيش التوفيق بين فكرتين تبدوان متعارضتين ظاهرياً: الاقتراب من الجوار الجغرافي، والتحوط ضد مخاطر التبعية السياسية. وأكد أن الدولة بحاجة إلى علاقات وثيقة مع محيطها الجغرافي، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى تنويع علاقاتها خارج هذا المحيط، حتى لا يتحول الارتباط الجغرافي إلى احتكار استراتيجي يقيد حريتها في اتخاذ القرار السيادي.

وهنا يوجه الفنيش انتقاداً واضحاً للعقلية الميليشياوية التي تستورد الصراعات الخارجية إلى الداخل الليبي وتجعل من البلاد ساحة لتصفية حسابات إقليمية، داعياً بدلاً من ذلك إلى “التحالف الذكي” الذي يتعامل مع الجغرافيا كحقيقة ثابتة، ومع المصالح كمتغيرات قابلة للإدارة، ومع التحالفات كأدوات يمكن إعادة تشكيلها وفقاً للتحولات الدولية.

ويخلص الفنيش إلى أن الحكمة الاستراتيجية ليست في اختيار الأصدقاء وفقاً للخريطة وحدها، ولا وفقاً للمصالح الآنية وحدها، بل في إدراك أن الجغرافيا تحدد من لا تستطيع تجاهله، وأن المصلحة الوطنية تحدد مع من تتعاون، وأن التحوط الاستراتيجي يحدد كيف تحافظ الدولة على استقلالية قرارها أثناء هذا التعاون.

واختتم كلمته بعبارة تجمع خلاصة رؤيته، مؤكداً أن “الجوار قدر جغرافي، أما تحويل هذا القدر إلى شراكة استراتيجية فهو قرار سياسي بحاجة إلى عقل الدولة الاستراتيجي”.

إن ما يطرحه الفنيش في منشوره يمثل نقداً شاملاً لحكومة الدبيبة التي تعجز عن إدارة الملف الأمني الأكثر إلحاحاً (استمرار المرتزقة)، وتفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية الكفيلة بتحويل علاقات ليبيا مع محيطها الإقليمي من حالة الارتجال والفوضى إلى منظومة مصالح مستقرة تحمي السيادة الوطنية وتضع حداً لتدخلات الميليشيات والجماعات المسلحة في مقدرات الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى