مصرف ليبيا المركزي بين نهب النفط وصمت الدبيبة.. أين أموال الشعب؟
أزمة مصرف ليبيا المركزي.. صراع الأرقام يفضح غياب الشفافية
ليبيا 24
بين بيانات متضاربة وغياب الرقابة.. أين تذهب إيرادات الليبيين؟
في مشهد يعيد إلى الأذهان أجواء الفوضى التي عصفت بالعراق بعد عام 2003، حيث نهبت ثروات الشعوب تحت غطاء الصراعات السياسية، يشهد المشهد المالي الليبي فصلاً جديداً من التضارب والغموض، يكشف عن حجم الفجوة بين ما يعلن رسمياً وما يحدث على أرض الواقع في إدارة المال العام.
فبينما يصرح مسؤولو المؤسسة الوطنية للنفط بتحقيق إيرادات نفطية ضخمة، يخرج مصرف ليبيا المركزي بأرقام مختلفة تماماً، ليكشف النقاب عن أزمة ثقة حقيقية بين مؤسسات الدولة، ويعيد إلى الواجهة تساؤلات المواطن الليبي المكلوم: أين تذهب عائدات النفط؟ ولماذا تعجز المؤسسات عن تقديم بيانات مالية دقيقة وشفافة؟
فضيحة الأرقام.. خلاف “المركزي” ومؤسسة النفط يفضح إدارة المال العام
أثار الخلاف الأخير بين مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط حول أرقام الإيرادات النفطية لشهر فبراير الماضي موجة من الاستياء الشعبي، ودفع الخبراء الاقتصاديين إلى وصف المشهد بأنه “غير مقبول في إدارة المال العام”.
ففي الوقت الذي أعلنت فيه المؤسسة الوطنية للنفط تحقيق إيرادات نفطية بلغت 1.8 مليار دولار خلال فبراير، مع تجاوز الإنتاج 36 مليون برميل خام، خرج مصرف ليبيا المركزي ليؤكد أن إجمالي الإيرادات النفطية الموردة إليه خلال الشهر نفسه لم تتجاوز 906 ملايين دولار فقط.
هذا التضارب الصارخ في الأرقام، والذي بلغت فجوته نحو 900 مليون دولار، دفع الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي إلى التأكيد بأن “نشر الأرقام ثم الدخول في جدل حولها يكشف أن ما عُرض على الرأي العام ليس بيانات مالية دقيقة؛ بل تقديرات أولية غير مدققة وليست حقيقة مالية”.
وأضاف الشحاتي أن “القاعدة المهنية واضحة: أي أرقام مالية لا تمر عبر تدقيق طرف مراجع ثالث مستقل تبقى مجرد أرقام بلا مصداقية، ولا يجوز تقديمها للرأي العام على أنها حقائق”.
قراءة في التناقض.. المؤسسة الوطنية للنفط توضح والمركزي يصمت
في محاولة لردم الهوة بين الرقمين، أصدرت المؤسسة الوطنية للنفط بياناً توضيحياً أوضحت فيه أن جزءاً من التناقض في البيانات يعود إلى آلية تغطية تكاليف استيراد المحروقات للسوق المحلية.
وأشارت المؤسسة إلى أن إيرادات فبراير الخام تعود في الأساس إلى مبيعات النفط الخام التي تمت في يناير، وفق آلية التحصيل المتبعة في القطاع.
وبحسب البيان، فإن مصرف ليبيا الخارجي قام بخصم مبلغ 295.7 مليون دولار لتغطية جزء من تكاليف استيراد المحروقات، فيما تم تحويل المبلغ المتبقي وقدره 705.4 مليون دولار إلى مصرف ليبيا المركزي.
وأضافت المؤسسة أن إجمالي الإيرادات المحولة إلى المصرف الليبي الخارجي سجل ملياراً ومليوناً و88 ألف دولار، بينما خصص مبلغ 768 مليوناً و457 ألف دولار لتغطية المحروقات.
هذا التفسير، رغم محاولته تقديم صورة أوضح، يثير تساؤلات أكبر حول شفافية آلية توزيع الإيرادات النفطية ودور مصرف ليبيا المركزي في مراقبة هذه التدفقات المالية الضخمة، خاصة في ظل غياب جهة رقابية مستقلة تتابع هذه العمليات وتضمن حقوق الشعب الليبي في معرفة مصير أمواله.
حكومة الدبيبة.. إنفاق منفلت وتحذيرات المركزي تذهب أدراج الرياح
في سياق متصل، حذر مصرف ليبيا المركزي في رسالة رسمية وجهها إلى وزارة المالية بحكومة الدبيبة منتهية الولاية من استمرار ارتفاع الاعتمادات المالية المخصصة للمرتبات خلال العام الجاري، مؤكداً أن مواصلة هذا الاتجاه قد تؤدي إلى عجز في مخصصات الباب الأول من الميزانية العامة بنهاية السنة المالية 2026.
وكشف المصرف أن متوسط الاعتمادات الشهرية للمرتبات ارتفع من 6.113 مليار دينار خلال عام 2025 إلى نحو 6.211 مليار دينار خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، محذراً من أن استمرار هذه الزيادة سيترتب عليه حدوث عجز في المخصصات المعتمدة.
ودعا المصرف وزارة المالية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة هذه الانحرافات، أو العمل على توفير مصادر تمويل إضافية.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل تتعامل حكومة عبد الحميد الدبيبة، التي توصف بأنها منتهية الولاية، بجدية مع هذه التحذيرات؟ أم أنها تواصل سياسة الإنفاق المنفلت التي تستنزف المال العام، وتغذي بها آليات الفساد ودعم المليشيات وعائلات الاعتمادات المالية، على حساب المواطن الليبي الذي يعاني من تدهور متواصل في قيمة عملته وارتفاع جنوني في الأسعار؟
المواطن الليبي.. الضحية الأكبر في صراع المؤسسات
في خضم هذه الصراعات والأرقام المتضاربة، يبقى المواطن الليبي هو الخاسر الأكبر.
فهو الذي يدفع ثمن غياب الشفافية والرقابة على المال العام، ويعاني من تردي الأوضاع المعيشية نتيجة لسياسات نقدية ومالية غير مسؤولة.
ويزداد الوضع تعقيداً مع تصريحات رئيس المجلس الأعلى للدولة سابقا خالد المشري، الذي هاجم سياسات مصرف ليبيا المركزي محذراً من تداعياتها الكارثية على الاقتصاد الوطني.
وكان المشري قد انتقد في تصريحات سابقة ما وصفه بـ”سياسات المركزي التي تسبب تدهور الدينار والاقتصاد الليبي”، مؤكداً أن هناك حاجة ماسة لتفعيل دور مجلس إدارة المصرف ووقف ما أسماه “التعنت” في مسار توحيد المؤسسة.
ويبدو أن الأزمة تتجاوز حدود الخلاف على الأرقام، لتلامس جوهر مشروعية الحكومة القائمة وسياساتها المالية. ففي ظل غياب مرجعية دستورية واضحة وميزانية عامة مصادق عليها، تبقى قرارات الإنفاق رهينة لتقديرات حكومة موقتة، تنفق أموال الشعب الليبي وكأنها ملك لها، دون رقابة أو محاسبة.
نحو مصرف مركزي موحد.. حلم بعيد المنال؟
في تطور لافت، كشفت مصادر مطلعة عن توقيع اتفاق حول برنامج موحد لإدارة المال العام، يعكس رغبة في تجاوز الأزمة المفتوحة المتمثلة في وجود حكومتين متوازيتين وبرامج إنفاق متعددة.
غير أن هذا الاتفاق، رغم أهميته، يبقى مرهوناً بتوافر الإرادة السياسية الحقيقية لإنجاحه، وتجاوز الخلافات الضيقة التي تعيق أي تقدم حقيقي على طريق توحيد المؤسسات.
إن استمرار حالة الانقسام المؤسسي، وغياب الشفافية في إدارة الإيرادات النفطية، واستمرار سياسات الإنفاق غير الخاضعة للمساءلة، كلها عوامل تدفع البلاد نحو هاوية اقتصادية قد يكون الخروج منها صعباً إن لم نقل مستحيلاً. فليبيا، التي تمتلك واحدة من أكبر احتياطيات النفط في العالم، أصبحت اليوم نموذجاً للدولة الغنية التي يعاني شعبها من الفقر والتدهور المعيشي، بسبب فشل النخبة السياسية في إدارة ثروات البلاد وحمايتها من النهب والعبث.
ختاماً:
ما يحدث في مصرف ليبيا المركزي اليوم ليس مجرد خلاف حول أرقام أو اختلاف في تقديرات مالية، بل هو أزمة حكم وشفافية وثقة بين الشعب ومؤسساته.
فمع كل بيان متضارب، ومع كل تحذير يطلقه المصرف دون أن يلقى آذاناً صاغية، يزداد إحساس المواطن الليبي بأن ثروات بلاده تُنهب أمام ناظريه، وأن مستقبل الأجيال القادمة يُرهن لمصلحة فئة قليلة تستحوذ على مقدرات الوطن.



