مليارات الدولارات للاعبين.. وجوعى المواطنين يبحثون عن رغيف الخبز في زمن انعدام الأمن والكهرباء
الدوري الليبي يسجل أرقاماً قياسية في الإنفاق على الصفقات وسط انهيار البنية التحتية وتجاهل حكومة الدبيبة للمطالب الجماهيرية
ليبيا 24
بين الملاعب الفارغة وصناديق الانتخابات الغائبة
في مشهد يعكس التناقض الصارخ بين واقع يعيشه المواطن الليبي وأحلام تروّجها أندية تسابق الزمن لاستقطاب نجوم كرة القدم، يطل الدوري الليبي الممتاز بموسمه الجديد حاملاً في جعبته صفقات خيالية الأرقام، تصل فيها رواتب اللاعبين الواحد إلى خمسة ملايين دولار سنوياً، في وقت لا يجد فيه المواطن الليبي لقمة عيشه، ولا كهرباء تضيء منزله، ولا أمناً يحميه من فوضى السلاح التي تعمّ البلاد.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه تقارير غير رسمية عن إنفاق أندية الدوري الليبي للمحترفين مئات الملايين من الدولارات على صفقات انتقالات، تبقى الملاعب خاوية على عروشها، والبنية التحتية في حال مزرية، والمشاكل الجماهيرية تهدد بانفجار أي لحظة، والمواطن الليبي يعيش أزمة معيشية طاحنة تجعله يسأل نفسه: أين تذهب هذه الأموال الضخمة؟ ولماذا يُصرّ المسؤولون وعلى رأسهم حكومة الدبيبة المنتهية ولايتها على تغليب منطق الإسراف والتبذير في قطاع الرياضة، بينما تتداعى كافة القطاعات الحيوية الأخرى؟
الإسراف بعيون الرياضة بين الفقر المدقع
لقد بات واضحاً للعيان أن سوق انتقالات الكرة الليبية هذا الموسم قد شهد حركة غير مسبوقة في تاريخ الرياضة الليبية، حيث تجاوزت قيمة بعض الصفقات حاجز المليوني دولار، وهو رقم خرافي في بلد يعاني أبطاله من انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، وتهاوي قيمة العملة الوطنية، وارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية الأساسية، وعلى رأسها رغيف الخبز الذي أصبح حلماً بعيد المنال لكثير من الأسر الليبية.
وتأتي في مقدمة الأندية المنفقة، السويحلي بطل الموسم الماضي، والأهلي طرابلس، والأهلي بنغازي، والاتحاد طرابلس، حيث دخلت هذه الأندية في سباق محموم لاستقطاب أسماء من العيار الثقيل من الدوريات التونسية والمصرية والأوروبية، وكأن البلاد تعيش في وادٍ والمواطن في وادٍ آخر تماماً.
فالأهلي طرابلس لم يتردد في إنفاق مليوني دولار للحصول على خدمات المدافع الجزائري محمد أمين توغاي من الترجي التونسي، إضافة إلى راتب سنوي يتجاوز ثلاثة ملايين ونصف المليون دولار للاعب، بينما تعاقد مع المهاجم الكونغولي فيستون مايلي في صفقة انتقال حر لكن براتب سنوي خيالي يبلغ خمسة ملايين دولار، وهو رقم يفوق دخل ميزانيات بلديات بأكملها في ليبيا.
كما دفع السويحلي أكثر من عشرة ملايين دولار للتعاقد مع الغاني كواسي سيبو، نجم ريال أوفييدو الإسباني السابق، في صفقة مثيرة، بالإضافة إلى تعاقده مع الجناح الزامبي لاميك باندا الذي يحصل على ثلاثة ملايين ونصف المليون دولار سنوياً، ومعهم المهاجم الدولي الليبي محمد صولة الذي لم يكن من قبل في دائرة الضوء بهذا الشكل، إضافة إلى المغربي أيمن الحسوني.
ويبدو الاتحاد طرابلس بدوره وقد دخل حلبة الإنفاق من بابها الواسع، معيداً نجمه الدولي علي يوسف من نانت الفرنسي براتب سنوي يبلغ مليونين ونصف المليون دولار، ومتعاقداً مع النيجيري أونيتشي أوغبيلو والمالي جاك ديارا والمدافع التونسي حمزة بن عبدة، فضلاً عن مهاجمه الفرنسي فلوريان دانهو الذي كلّف خزينة النادي حوالي مليون ومائتي ألف دولار.
أما الأهلي بنغازي فلم يغب عن المشهد، متعاقداً مع التونسيين فراس شواط وفهد المسماري والمغربي أمين أبو الفتح، معززاً صفوفه بلاعبين محليين أمثال محمد نشنوش وعماد سويري، وفي كل هذه الصفقات أموال طائلة تذهب إلى لاعبين سيؤدون مباريات أمام مدرجات شبه خالية، وعلى ملاعب لا تتوفر فيها حتى أبسط مقومات السلامة.
معاناة المواطن.. الحقيقة التي لا يريدون رؤيتها
في المقابل، يقف المواطن الليبي حائراً أمام هذا الكم الهائل من الأموال التي تُنفق على كرة القدم، بينما هو يعاني من انقطاع الكهرباء لساعات متواصلة، وغياب الأمن في شوارع مدنه، وتفشي ظاهرة انتشار السلاح بين أيدي الميليشيات التي تسيطر على مفاصل الدولة، واضطراره للوقوف في طوابير الخبز لساعات لعله يحصل على رغيف يسد به رمق أطفاله الجائعين.
فالمشهد في ليبيا اليوم هو مشهد متناقض بامتياز، حيث الملاعب التي يفترض أن تكون متنفساً للشعب الليبي هي ذاتها التي شهدت الموسم الماضي اشتباكات ومشاكل جماهيرية، وتحتاج إلى صيانة شاملة وتطوير في البنية التحتية، ناهيك عن ضعف النقل التلفزيوني الذي يجعل معظم المباريات بعيدة عن أعين المشاهدين، في تناقض صارخ مع ما يشهده الدوري السعودي من تطور في منظومة النقل والإنتاج التلفزيوني التي جعلت منه علامة فارقة في الكرة العالمية.
ورغم ذلك، لا يزال المسؤولون في الاتحاد الليبي لكرة القدم وحكومة الدبيبة يتحدثون عن موسم استثنائي، وعن تطوير لمنظومة الدوري، في تجاهل تام لمعاناة المواطن الحقيقية التي تستوجب وقفة جادة وحلولاً جذرية، لا مجرد أضواء كاشفة على صفقات مثيرة قد تبهر البعض ولكنها لا تسمن ولا تغني من جوع.
أزمة البنية التحتية والتنظيم الهش
لعل من أبرز المؤشرات التي تعكس حجم الفجوة بين ما يُنفق وما يُقدّم، أن الملاعب في ليبيا أغلبها غير جاهز لاستضافة المباريات بالشكل المطلوب، ففي الموسم الماضي، اضطر الاتحاد إلى إقامة مرحلة التتويج في مصر، وهذا وحده كافٍ للدلالة على حجم التراجع والانهيار في المنشآت الرياضية، في الوقت الذي تواصل فيه الأندية إنفاق الملايين على صفقات قد لا تجد ملاعب تليق بها، وهو استهتار واضح بمشاعر الجماهير التي تريد أن تستمتع بمباريات على أرضها، لا في بلاد الغير.
كما تظل قضية النقل التلفزيوني حجر عثرة أمام تطوير الدوري، فالمنتج التلفزيوني الليبي لا يزال بعيداً كل البعد عن المستوى الذي وصلت إليه قنوات الدوري السعودي، ما يجعل المتابعة صعبة، ويحد من وصول المباريات إلى أكبر عدد من المشاهدين، وهو ما يقلل من القيمة التسويقية للدوري بأكمله، ويجعل المقارنة مع الدوري السعودي مجرد “كلام في الهواء”، كما يقال.
ويضاف إلى ذلك، المشاكل الجماهيرية المتكررة، والتي كانت آخرها الاشتباكات التي شهدها الموسم الماضي، في وقت يخلو فيه الدوري السعودي من مثل هذه الممارسات التي تؤثر على صورة المسابقة وتضعف الإقبال عليها، وهو ما يتطلب وقفة جادة من المسؤولين لإيجاد حلول جذرية وعملية تضمن سلامة الجماهير وتوفير الأجواء المناسبة في الملاعب وخارجها.
العودة إلى الجذور.. أين رغيف الخبز؟
من هنا، يطرح السؤال نفسه وبإلحاح: لماذا هذا الإسراف في قطاع كرة القدم بينما تعاني القطاعات الحيوية من نقص حاد في التمويل؟ ولماذا تتجاهل حكومة الدبيبة المنتهية ولايتها مطالب المواطنين المشروعة في توفير أبسط مقومات الحياة من أمن وكهرباء وخبز وماء، بينما تسمح بإنفاق مئات الملايين على لاعبين أجانب قد لا يمثلون إضافة حقيقية للكرة الليبية؟
إن المواطن الليبي الذي لا يجد قوت يومه، والذي ينام في الظلام بسبب انقطاع الكهرباء، ويخشى على حياته من الفوضى الأمنية، ليس بحاجة إلى مشاهدة نجوم يتقاضون رواتب خيالية بينما هو يعاني الأمرّين، بل هو بحاجة إلى دولة تضع احتياجاته الأساسية في مقدمة أولوياتها، لا دولة تلهيه بالصفقات الكروية بينما تسرق حكومتها أمواله وتنهب ثروات بلاده.
والحق يقال، إن الرياضة في ليبيا يمكن أن تكون أداة للوحدة والتغيير الإيجابي، إذا ما تمّ استثمارها بالشكل الصحيح، من خلال الاهتمام بالبنية التحتية وتطوير الملاعب وبناء أكاديميات لاكتشاف المواهب المحلية بدلاً من الإنفاق المفرط على اللاعبين الأجانب، وإذا ما تمّ ربط هذا الاستثمار بخطة تنموية شاملة تستهدف تحسين حياة المواطن الليبي أولاً وأخيراً.
سباق مع الزمن في ظل حكومة منتهية الولاية
واللافت في الأمر، أن هذا الإنفاق غير المسبوق يأتي في وقت تعيش فيه البلاد حالة من الغموض السياسي، مع استمرار حكومة الدبيبة في ممارسة مهامها رغم انتهاء ولايتها، وسط اتهامات متزايدة بالفساد والإسراف وسوء إدارة المال العام، وهو ما يدفع إلى التساؤل عن مصادر تمويل هذه الصفقات الضخمة، وهل هناك أي رقابة مالية على إنفاق الأندية التي هي في الأساس كيانات رياضية كانت تعاني من العجز في الموازنات في الأعوام السابقة؟
والأغرب من ذلك، أن الاتحاد الليبي لكرة القدم أرسل خطاباً إلى الأندية يدعوها فيه إلى تسوية ديونها العالقة وسداد رسوم تسجيل اللاعبين الجدد، في مشهد يؤكد أن الإنفاق المفرط لم يصاحبه أي تخطيط مالي سليم، وأن الأندية قد تكون دخلت في سباق التعاقدات دون أن تسوّي أوضاعها المالية مع الاتحاد، مما قد يعرضها لعقوبات قد تطال مشاركتها في الموسم الجديد، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على العشوائية التي تسود الرياضة الليبية.
خلاصة: ليبيا تستحق الأفضل
في ختام هذا المشهد، لا يسعنا كموقع ليبي معني بشؤون المواطن وقضاياه، إلا أن نؤكد على ضرورة مراجعة سياسة الإنفاق الرياضي في ليبيا بشكل جذري، والعمل على توجيه جزء من هذه الأموال الطائلة نحو تطوير البنية التحتية الرياضية ودعم المواهب المحلية وبناء ملاعب تليق بالجماهير الليبية، وأن تكون الأولوية دائماً للمواطن الليبي الذي أنهكته الأزمات السياسية والاقتصادية المتعاقبة.
كما نؤكد على ضرورة محاسبة المسؤولين عن أي فساد أو إسراف في المال العام، وأن تضع الدولة خطة شاملة تستهدف إعادة الثقة بين المواطن ومؤسساته، وأن تكون الرياضة وسيلة للوحدة والتلاحم، لا مادة للإعلاميين ومجالاً للتنافس على من يبدد أموال الشعب أكثر من الآخر.
فليبيا تستحق أن يكون فيها دوري كروي كبير، ولكن بشروط المواطن الليبي الذي يريد أن يرى بلاده تزدهر في كل المجالات، لا أن يظل يشاهد الآخرين يلهون بالكرة بينما هو يعاني في الظلام، يبحث عن رغيف الخبز وعن أمنه المفقود.
فهل يدرك صناع القرار في ليبيا أن كرة القدم ليست مجرد صفقات وأموال، بل هي رسالة أمل وانتماء؟ وهل سيأتِ اليوم الذي نرى فيه الملاعب الليبية تعج بالجماهير وسط أجواء أمنية مستقرة وبنية تحتية متطورة، ومواطن يعيش حياة كريمة؟ أم أن الأحلام ستبقى أحلاماً، وتبقى الكرة الليبية في سباق لا نهاية له مع الصفقات، بينما تتهاوى قيم الإنسان والأخلاق؟



