“حكومة البرودة”.. حين يتحول الوعد إلى لعنة والمواطن إلى رهينة.. ست سنوات من العتمة.. والدبيبة يعود للمربع الأول
أزمة المحروقات والكهرباء تفاقم الغضب الشعبي ضد حكومة الوحدة المؤقتة

ليبيا 24
غضب ليبي متصاعد.. حكومة الدبيبة بين فشل الخدمات ومأزق الشرعية
تمر ليبيا اليوم بواحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ العام 2011، إذ يتقاطع الملف السياسي المعقد مع أزمة معيشية خانقة تتفاقم يوماً بعد يوم، وسط حالة من الإحباط الشعبي العميق إزاء استمرار حكومة عبد الحميد الدبيبة في إدارة شؤون البلاد رغم انتهاء ولايتها وفشلها المتكرر في تلبية أبسط متطلبات المواطن الليبي.
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي سليمان البيوضي أن الدبيبة “لن يستطيع الخروج من الوحل الذي غرق فيه”، مشيراً إلى أن “الخرق يتسع وتزداد فوضى المؤسسات كل يوم”، ومؤكداً أن إعادة تدويره في السلطة تمثل “أقصى درجات الاستفزاز لليبيين”.
هذا التصريح يعكس حالة من الغضب الشعبي المتراكم، إذ بات المواطن الليبي يدفع يومياً ثمن فشل الإدارات المتعاقبة في تأمين الخدمات الأساسية، من الوقود والكهرباء إلى السيولة النقدية والرعاية الصحية.
جودة الحياة المفقودة.. من أزمة البنزين إلى ظلام الكهرباء
منذ أكثر من ثلاث سنوات، أُعلن عن لقاء جمع وزيرة الخارجية في حكومة الدبيبة بنظيرها الإسرائيلي، في واقعة أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والشعبية الليبية، إلا أن نتائج التحقيق لم تُعلن بعد، ولم يصدر أي قرار رسمي بإقالة الوزيرة المعنية، وهو ما يعتبره مراقبون مؤشراً خطيراً على حالة الإفلات من المحاسبة التي تتمتع بها المنظومة الحاكمة.
ويشير البيوضي إلى أن القوى السياسية الراديكالية الداعمة للدبيبة “مستمرة في تطبيق المثل الشعبي: طابق حلال وطابق جيفة”، في إشارة إلى ازدواجية المعايير في التعامل مع ممارسات السلطة الحالية.
وفي مقابل ذلك، يعيش المواطن الليبي ما يصفه المحلل السياسي بـ”لعنة الحياة”، إذ يجد نفسه عاجزاً عن الحصول على أبسط حقوقه اليومية؛ فالوقوف في طوابير البنزين أصبح روتيناً يومياً، وانقطاعات الكهرباء التي تستمر لساعات طويلة تحولت إلى أمر معتاد، في حين تبقى السيولة النقدية في المصارف حلماً بعيد المنال بالنسبة للكثيرين.
من الوعود الستة إلى ست سنوات من الفشل
يعود البيوضي بالذاكرة إلى العام 2020، حين تعهد الدبيبة بحل أزمة الكهرباء في غضون ستة أشهر من توليه منصبه، لكن الواقع بعد ست سنوات كاملة يُظهر أن ليبيا عادت “للمربع الأول من البلاك آوت والتردي والفشل”، على حد تعبيره.
هذا الإخفاق المتراكم في معالجة الملفات الأساسية يقابله غياب واضح لأي رؤية استراتيجية لإدارة الدولة، وهو ما دفع المحلل السياسي للتساؤل: “هل يعقل أن يعاد تدويره في السلطة باتفاق سياسي جديد؟”، في إشارة إلى المخاوف المتزايدة من سيناريو إعادة إنتاج الوجوه ذاتها رغم فشلها المثبت.
الاتفاق الرباعي.. نافذة أمل أم إعادة إنتاج للأزمة؟
في مقابل حالة الإحباط السائدة، أبرق الاتفاق الرباعي الأخير بشأن تجاوز النقاط الخلافية في قوانين الانتخابات بارقة أمل لدى قطاع واسع من الليبيين، إذ اعتبره البيوضي خطوة “تفتح الباب أمام تغيير الحكومة وإعادة توحيد البلاد في سلطة جديدة”.
غير أن التحدي الأكبر يكمن في مدى التزام المجتمع الدولي والبعثة الأممية للدعم في ليبيا بدفع العملية السياسية إلى الأمام، إذ يطالب المحلل السياسي البعثة الأممية بـ”استكمال الاتفاق الرباعي وتوصيات اللجنة الاستشارية والحوار السياسي المهيكل”، محذراً من مغبة الركون إلى الحلول الترقيعية التي تكرس وجود “سلطات الأمر الواقع”.
ويرى البيوضي أن تشكيل “حكومة جديدة توحد البلاد وتمثل الجميع” بات ضرورة ملحة لتهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الوطنية، خصوصاً أن السلطات القائمة حالياً “تآكلت بتفشي الفساد والفوضى، وفقدت كل أسباب بقائها السياسية والأخلاقية”.
الطريق إلى المستقبل.. حوار شامل أم محاصصة جديدة؟
يبقى الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة على قدرة مختلف الأطراف الليبية على تجاوز حساباتها الضيقة والانخراط في حوار سياسي شامل يعكس تطلعات الليبيين إلى دولة موحدة ومؤسسات فاعلة، بعيداً عن منطق المحاصصة الذي أفرز النخب ذاتها منذ سنوات.
وإذا كان الاتفاق الرباعي يمثل خطوة إيجابية على طريق كسر الجمود، فإن تحويله إلى واقع ملموس يتطلب إرادة دولية حقيقية وضغطاً شعبياً متواصلاً، لا سيما أن الشارع الليبي لم يعد يحتمل مزيداً من الانتظار أو تجارب جديدة مع الوجوه القديمة ذاتها.
فالمواطن الليبي الذي وصفه البيوضي بأنه “ضحك عليه وغُبّن وعُبّي”، ينتظر اليوم أن تتحول الوعود إلى أفعال، وأن يُستعاد له حقه في عيش كريم يليق بثروات بلاده وتضحيات شعبه، بعيداً عن “حكومة البرودة” التي لم تمنحه سوى المزيد من الظلام والانتظار.



