كنز تحت الرمال.. خزان الصحراء الشمالي شريان الحياة الذي تتنازعه ثلاث دول
ليبيا وتونس والجزائر .. صراع صامت على مياه أحفورية تروي الصحراء وتؤجج التنافس
ليبيا 24
ستون ألف مليار متر مكعب تحت الأرض.. هل تنجو آخر خزانات شمال إفريقيا من عطش الاستنزاف؟
مياه تحت الرمال تحكي قصة الزمن الجيولوجي
في أعماق الصحراء الكبرى، حيث تمتد الرمال الذهبية إلى ما لا نهاية، يختبئ واحد من أعظم الكنوز الطبيعية التي وهبتها الطبيعة لشمال إفريقيا. إنه نظام المياه الجوفية في الصحراء الشمالية، ذلك الخزان العابر للحدود الذي يُشبه بحرًا مدفونًا تحت الأرض، تشكّل عبر ملايين السنين، ليصبح اليوم شريان الحياة الوحيد لمناطق قاحلة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة المائية السطحية.
التكوين الجيولوجي: ذاكرة الأرض المخزونة
يتكوّن هذا النظام المائي الفريد من طبقات رسوبية تراكمت عبر عصور جيولوجية متعاقبة، حيث عملت الصخور المسامية، وتحديدًا الحجر الرملي، كمستودعات طبيعية احتضنت المياه عبر آلاف السنين. ويضم النظام طبقتين رئيسيتين: الطبقة المتداخلة القارية والمركبة النهائية، وكلاهما يشكّلان معًا بنية هيدرولوجية معقدة يعود جزء كبير من مياهها إلى فترات مطيرة قديمة عاشتها المنطقة خلال العصر الرباعي.
هذه المياه، التي يصفها العلماء بالمياه الأحفورية، تُعدّ بطيئة التجدد بشكل خطير، ما يعني أن كل قطرة تُضخّ اليوم قد لا تُعوَّض إلا بعد آلاف السنين، وهو ما يضع المنطقة أمام معادلة صعبة بين التنمية والاستدامة.
الامتداد الجغرافي: ثروة تتقاسمها ثلاث دول
تمتد منظومة الحوض الصحراوي الشمالي على مساحة تقارب مليون كيلومتر مربع، تتوزع بين ثلاث دول مغاربية كبرى. الجزائر تحوز النصيب الأكبر بنحو سبعمائة ألف كيلومتر مربع، تليها ليبيا بحوالي مائتين وخمسين ألف كيلومتر مربع، ثم تونس بثمانين ألف كيلومتر مربع. هذا التوزيع الجغرافي غير المتوازن يخلق ديناميكية سياسية معقدة، حيث تتشابك المصالح الوطنية مع ضرورة الإدارة المشتركة لمورد عابر للحدود.
الأهمية الاستراتيجية: بين ضرورة التنمية وخطر الاستنزاف
تُقدَّر مخزونات هذا الخزان بنحو ستين ألف مليار متر مكعب وفق الدراسات المنشورة، وهو رقم هائل يجعله موردًا استراتيجيًا بامتياز في منطقة تعاني شحًا حادًا في المياه السطحية. يُستخدم هذا الماء في الشرب والزراعة وريّ الواحات ودعم الأنشطة الاقتصادية، خصوصًا في المناطق الجنوبية من الدول الثلاث.
غير أن التجدد الطبيعي الضعيف جدًا لهذه الطبقات يجعل الإفراط في الضخ تهديدًا وجوديًا لاستدامتها. فكل بئر جديدة تُحفر، وكل مشروع زراعي موسّع، يقرّب المنطقة من نقطة اللاعودة، حيث قد ينضب الخزان قبل أن تجد الأجيال القادمة بديلًا.
البعد السياسي: تعاون ضروري وتنافس خفي
من منظور سياسي، يُشكّل هذا الخزان قضية سيادية بامتياز. فالحفاظ عليه يتطلب تعاونًا إقليميًا بين ليبيا والجزائر وتونس، وإدارة مشتركة لعمليات الضخ والاستغلال. إلا أن الواقع يشير إلى تفاوت كبير في معدلات الاستخراج بين الدول الثلاث، ما يثير مخاوف من استنزاف غير متوازن يضرّ بالجميع.
في ليبيا، حيث تمثل هذه المياه ركيزة أساسية لسكان الجنوب، تبرز الحاجة إلى سياسات وطنية صارمة لترشيد الاستهلاك، خصوصًا في ظل الانقسامات السياسية التي تعقّد أي جهد منسّق. أما الجزائر، التي تمتلك الحصة الأكبر، فتجد نفسها أمام مسؤولية مضاعفة في حماية هذا المورد الحيوي. وتونس، بمساحتها الأصغر، تسعى لتعظيم الاستفادة دون الإضرار بالتوازن الهيدرولوجي.
البعد الاقتصادي: ثروة تُحرّك التنمية أو تُفجّر الأزمات
اقتصاديًا، يُمثّل هذا الخزان رافعة تنموية هائلة. فالمشاريع الزراعية الكبرى في الجنوب الليبي والجزائري تعتمد عليه بشكل شبه كلي، كما أن الواحات التاريخية التي تشكّل جزءًا من الإرث الثقافي للمنطقة لا يمكنها البقاء دون هذا المورد.
لكن الإفراط في الاستغلال قد يحوّل هذه النعمة إلى نقمة، إذ يؤدي نضوب المياه إلى هجرة قسرية من المناطق الصحراوية، وانهيار اقتصادات محلية قائمة على الزراعة والرعي، وارتفاع حدة التنافس على ما تبقّى من موارد.
البعد الاجتماعي والأمني: مياه تساوي استقرارًا
اجتماعيًا، يرتبط وجود السكان في المناطق الصحراوية ارتباطًا وجوديًا بهذا الخزان. فأي تهديد له يعني تهديدًا مباشرًا لأنماط الحياة التقليدية، ويهدّد بتفكيك النسيج الاجتماعي في الواحات والمدن الصحراوية.
أمنيًا، يُعدّ شحّ المياه أحد أبرز محفّزات عدم الاستقرار في المنطقة. فالتنافس على الموارد المائية قد يتحوّل إلى توترات بين المجتمعات المحلية، بل وقد يُستغل من قوى غير دولة لتعميق الانقسامات. وفي ظل هشاشة الأوضاع في بعض مناطق شمال إفريقيا، يصبح تأمين هذا المورد أولوية قصوى لاستقرار الإقليم بأكمله.
خاتمة: مسؤولية مشتركة ومستقبل غامض
في النهاية، يبقى الحوض الصحراوي الشمالي كنزًا استراتيجيًا لا يقبل القسمة، وموردًا عابرًا للحدود يتطلب إرادة سياسية جماعية لحمايته. إن استدامته ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي قضية أمن قومي إقليمي بامتياز. ومن منظورنا كموقع ليبي يتابع الشأن المحلي والإقليمي، فإن الحفاظ على هذا الخزان واجب وطني وإنساني، يستدعي تعاونًا عاجلًا بين الدول الثلاث قبل أن تجفّ آخر قطرة تحت الرمال.



