ليست أزمة كهرباء فقط… حكومة منتهية الولاية تُغرق ليبيا في العتمة وتُبقي نوابها في “رقاد أرياح”
الكهرباء التي تحرق الليبيين: كيف انقلبت دولة النفط إلى "عصر حجري" تحت حكم الدبيبة؟
ليبيا 24
في ليبيا.. الظلام يُحاصِر البيوت والنواب يُحاصِرون الحقيقة: رقاد أرياح برواتب خمسة آلاف دولار وشعب يبحث عن خبزة
البركي تفضح “هندسة الطفية”: لا طرح أحمال بل إفقار مُمنهج.. والشمس وحدها من لا يستطيعون حجبها
ليبيا بين عتمة الكهرباء وسماء النواب: شعب يدفع الثمن ونواب “رقاد أرياح” يحصّنون الامتيازات
أزمة بنيوية لا عارضة: شبكة تنهار ومواطن يُطفأ
في مشهد يُلخّص مأساة المواطن الليبي المكلوم، لم يكن انقطاع الكهرباء مجرد أزمة خدماتية عابرة، بل كشفاً موجعاً لهوة متسعة بين سلطة منتهية الولاية تتشبث بكراسيها، وشعب يُصارع يومه بلا ضوء ولا ماء ساخن ولا اتصالات.
الإعلامية والباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي، وفي منشورات متتالية عبر منصتها على فيسبوك، قدّمت قراءة صادمة لبنية الأزمة، رافضةً السردية الرسمية التي تختصر العتمة في “طرح الأحمال” التقني، ومؤكدةً أن ما يجري هو “جو مكر” – أي هندسة متعمدة لقطع التيار وإعادته في أجزاء من الثانية، بما يُفسد الأجهزة المنزلية ويُنهك المواطن نفسياً ومادياً.
كهرباء تُقطع بلا رحمة.. ومواطن يعود إلى العصر الحجري
تقول البركي في وصفٍ مؤلم: “ينقطع الضي ينقطع النت وتنقطع الاتصالات وتنقطع المية الساخنة ولو جعت ما تعرفش تولع الميكرويف والتنك يفضي وتخش على التيمم”.
بهذه الكلمات تختصر الباحثة الليبية ما يعيشه المواطن من تراجع قسري في أبسط مقومات الحياة، حتى بات “إنسان العصر الحجري” – بتعبيرها – أكثر حظاً من الليبي الذي لا يجد بنزينة يملأ منها وقود مولّده، ولا مخبزاً يؤمّن قوته، ولا أنبوبة غاز لطهي طعامه.
رواتب النواب.. أرقام تفصع الرقبة وتُفجّر الغضب
تتوقف البركي عند مفارقة قاتلة: بينما يبلغ متوسط راتب المواطن الليبي نحو 180 دولاراً، يتقاضى عضو مجلس النواب ما بين 1500 و2000 دولار “غير المخصصات”.
وتضيف: “حد بلغ النائب المحترم أن متوسط رواتب الشعب الليبي 180 دولار وأن النائب ياخذ في عشر أضعاف راتب المواطن، غير التأمين الصحي وبدل السيارة وبدل الإعاشة وبدل السكن وبدل السفر وبدل الملابس؟” وبحسابٍ بسيط تخلص إلى أن ما يتقاضاه النائب شهرياً قد يتجاوز خمسة آلاف دولار، أي ما يعادل راتب موظف لسنتين كاملتين.
وتتساءل بمرارة: “حد يمنع أعضاء مجلس النواب من الظهور الإعلامي؟ هما ثمرة ما يقولوا فيها مغير يستفزوا في الشعب وخلاص!”
قطع النفط والغاز.. سلاح مُزدوج ضد المواطن
تشير البركي إلى أن الأزمة لا تقف عند الكهرباء، بل تمتد إلى قطع “النافتة” – الوقود – التي يحتاجها المواطن لتشغيل مولّداته، وسط حديث عن توجه لفرض الاعتماد على ألواح الطاقة الشمسية.
لكنها تُحذّر: “مزال يجرموا استخدام ألواح الطاقة الشمسية فقط وبعدها نكونوا عايشين في الجحيم؛ لأنهم هما فعلاً قطعوا النافتة اللي الناس تولع بيها في المولدات لكن الشمس اللي تشتغل بيها ألواح الطاقة ما يعرفوش يحجبوها… الناس هذوم يستفزّوا فينا عيني عينك، مش كويسين!”
من يحمي المواطن من “حكومة منتهية الولاية”؟
في قراءة سياسية أعمق، يُطرح السؤال: كيف لحكومة انتهت ولايتها أن تُواصل إدارة أزمات الناس بهذا العبث؟ وكيف لنوابٍ يُوصَفون بـ”رقاد أرياح” – أي نائمين في رخاء – أن يظلوا بعيدين عن محاسبة الشارع؟ المتن الأصلي يختم بمفارقة لاذعة: “أكثر كلمة تفصع في رقبتي: «أكيد مش سويسريين… السويسريين ما يديروهاش»”.
فحتى حين يُقارَن الليبي بنظيره السويسري، تُستخدم المقارنة لتبرير التخاذل لا لتحفيز الإصلاح. وترد البركي: “عيب المواطن السويسري بعد أنه مش معترف بوضعه البائس، ان شالله ربي يصلح حالهم، بلادهم سمحة لكن عجرفتهم وسلبيتهم خلتهم في القاع!”
شعب يستحق.. وسلطة لا تستحق
ما تكشفه هذه الوقفة ليس مجرد أزمة كهرباء، بل أزمة شرعية كاملة. شعبٌ يُمنع من أبسط حقوقه في الضوء والماء والغذاء، ونوابٌ يحصّنون امتيازاتهم بالصمت والتغيب، وحكومة منتهية الولاية تُدير الأزمة وكأنها ليست أزمة. في ليبيا اليوم، الشمس – التي لا يستطيعون حجبها – هي الاستعارة الأخيرة لشعبٍ لا يزال يصارع من أجل فجرٍ لا يُقطع تياره.



