الإعلام الرقمي في ليبيا.. توسع المنصات يواجه فوضى المحتوى
اتساع مساحة النشر يقابله ضعف التنظيم وتصاعد التضليل والاستقطاب

يشهد المشهد الإعلامي الليبي تحولًا متسارعًا مع اتساع حضور المنصات الرقمية والمواقع الإخبارية وبرامج التواصل الاجتماعي، التي أصبحت مصدرًا رئيسيًا للمعلومات ومساحة مؤثرة في مناقشة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد أسهم هذا التحول في توسيع دائرة الوصول إلى المعلومة وإتاحة المجال أمام أصوات ومبادرات إعلامية جديدة، لكنه كشف في الوقت نفسه عن تحديات متزايدة تتعلق بالمهنية والتمويل والملكية والمساءلة.
وتتجه الإشكالية في البيئة الرقمية الليبية إلى ما هو أبعد من انتشار الأخبار غير الدقيقة، لتشمل غياب الوضوح في مصادر بعض المنصات، وتداخل المحتوى الإعلامي مع المصالح السياسية والاقتصادية، فضلًا عن استخدام العناوين المثيرة والخطاب التحريضي والمعلومات غير الموثقة لتحقيق الانتشار والتأثير في الجمهور.
توسع رقمي خارج إطار تنظيمي موحد
تتفاوت أوضاع المنصات الإلكترونية والمواقع الإخبارية في ليبيا بين مؤسسات إعلامية مسجلة تمتلك تراخيص وإذونات مزاولة رسمية، ومنصات أخرى تعمل دون تراخيص أو تفتقر إلى وضوح في مصادرها وملكيتها.
وتعتمد آليات رصد المحتوى حاليًا على المتابعة المباشرة لما تنشره المنصات، إلى جانب البلاغات والشكاوى، مع توثيق المخالفات ومطابقتها بالقوانين واللوائح قبل إحالتها إلى الجهات المختصة بالتقييم.
ويبرز في هذا السياق تحدي مواكبة سرعة وحجم المحتوى الرقمي، إذ تتحرك الأخبار والمنشورات عبر منصات متعددة خلال دقائق، بينما تحتاج عمليات التحقق والتوثيق والتقييم إلى وقت وإجراءات محددة، ما يخلق فجوة بين سرعة الانتشار وسرعة التصحيح والمساءلة.
المحتوى المخالف ومسارات المساءلة
تشمل المخالفات التي تخضع للرصد المحتوى المحرض على العنف أو الكراهية والتمييز، والمحتوى الحاط من الكرامة أو المحرض على النزاعات، إلى جانب الانتهاكات المهنية وحقوق الملكية الفكرية.
وتتدرج الإجراءات المتاحة من التنبيهات والإنذارات المباشرة أو العلنية إلى نشر تقارير دورية بشأن المخالفات، وصولًا إلى إحالة المواد إلى النيابة العامة أو مخاطبة الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة في الحالات التي يثبت فيها وجود خطر على السلم الأهلي.
وتكشف هذه الآليات عن أهمية وجود معايير واضحة وموحدة للتعامل مع المحتوى المخالف، خصوصًا في ظل اتساع نطاق النشر الرقمي وتعدد الجهات والمنصات التي تنتج وتعيد تداول المعلومات.
كثرة المنصات لا تصنع تعددية إعلامية
أدى انتقال الجمهور من وسائل الإعلام التقليدية إلى الهواتف المحمولة وشبكات التواصل إلى ظهور عدد كبير من المنصات والمبادرات الإعلامية الجديدة. وأسهم ذلك في كسر جزء من احتكار المعلومة وفتح المجال أمام الشباب والمجتمع المدني والخبراء والمواطنين للمشاركة في النقاش العام.
لكن زيادة عدد المنصات لا تعني بالضرورة تحقق تعددية إعلامية فعلية؛ فالتعددية ترتبط أيضًا باستقلال القرار التحريري، وتنوع مصادر المعلومات، وشفافية التمويل والملكية، والقدرة على عرض وجهات النظر المختلفة وفق معايير مهنية واحدة.
وتظهر المشكلة عندما تتحول المنصة من مساحة لنقل المعلومات ومناقشة القضايا العامة إلى أداة لخدمة مصالح سياسية أو اقتصادية محددة، خصوصًا في ظل غياب بيانات واضحة حول مصادر التمويل والجهات المالكة.
التمويل والملكية.. الحلقة الأكثر غموضًا
يمثل غياب الشفافية في ملكية بعض المنصات ومصادر تمويلها أحد أبرز التحديات أمام بناء إعلام رقمي موثوق. فعدم معرفة الجهة التي تقف وراء المنصة أو طبيعة مصادر دخلها يجعل من الصعب على الجمهور تقييم مدى استقلالية المحتوى المنشور.
وتزداد الإشكالية عندما تختلط المواد الإخبارية بالمحتوى الممول أو الإعلاني دون تمييز واضح، أو عندما لا تكون هناك سياسة تحريرية معلنة تحدد طبيعة العلاقة بين المعلنين والممولين وغرفة الأخبار.
ومن هنا تصبح الشفافية جزءًا من العمل الصحفي نفسه، وليست مجرد معلومة إدارية؛ إذ تساعد الجمهور على فهم السياق الذي ينتج فيه المحتوى وتقييمه بصورة أكثر وعيًا.
خوارزميات الانتشار تعزز المحتوى المثير
تفرض طبيعة المنصات الاجتماعية تحديًا إضافيًا يتمثل في اعتماد انتشار المحتوى بدرجة كبيرة على التفاعل، وهو ما يمنح الأخبار المثيرة والعناوين الصادمة والمحتوى العاطفي قدرة أكبر على الوصول إلى الجمهور.
وقد يؤدي ذلك إلى تراجع حضور المحتوى المتزن والعميق أمام المواد السريعة والقابلة للمشاركة، خصوصًا عندما تكون عملية التحقق أبطأ من عملية الانتشار.
ولا تقتصر المشكلة على الخبر الكاذب بصورة مباشرة، بل تشمل أيضًا إخراج المعلومات الصحيحة من سياقها، أو تكرار ادعاءات غير موثقة حتى تبدو مألوفة، أو تقديم الرأي في صورة معلومة، أو الاعتماد على مصادر مجهولة يصعب التحقق منها.
من تضليل المعلومة إلى صناعة الرواية
يمكن للمحتوى المضلل أن يتطور من منشور منفرد إلى رواية متكاملة يجري بناؤها عبر التكرار وإعادة النشر والاقتباس المتبادل بين حسابات ومنصات مختلفة.
وتزداد خطورة هذا النمط عندما تتزامن سرعة التداول مع غياب آليات فعالة للتصحيح، إذ قد يصل المحتوى المضلل إلى جمهور واسع قبل ظهور أي توضيح، بينما لا يحظى التصحيح بالانتشار نفسه الذي حظي به المنشور الأصلي.
كما أن كثافة المحتوى تجعل المواطن أمام مهمة صعبة تتمثل في التمييز بين الصحافة المهنية والدعاية والمحتوى المنسق والحسابات التي تعمل بأهداف غير معلنة.
الاستقطاب يضغط على المجال الإعلامي
أدى الانقسام السياسي إلى جعل البيئة الرقمية أكثر قابلية للاستقطاب، بحيث يمكن أن يخضع تداول الخبر وتفسيره لموقعه من أطراف الصراع بدلًا من إخضاعه لمعايير التحقق والدقة.
وتظهر هذه المشكلة في انتقاء الوقائع، وتضخيم أخبار بعينها، وتجاهل معلومات أخرى، واستخدام اللغة التحريضية، وتحويل الخلاف حول الوقائع إلى صراع بين مؤيدين وخصوم.
كما أن حجم التفاعل مع منشور أو انتشار وسم معين لا يمكن اعتباره وحده مؤشرًا على اتجاهات الرأي العام، لأن التفاعل الرقمي قد يتأثر بالخوارزميات أو الحملات المنظمة أو طبيعة الموضوع، ولا يعكس بالضرورة موقف غالبية المجتمع.
الحاجة إلى تنظيم يحمي حرية التعبير
يبرز تنظيم الإعلام الرقمي باعتباره أحد الملفات الضرورية لمعالجة الفوضى المتزايدة في المحتوى، على أن يستند إلى قواعد مهنية واضحة توازن بين المسؤولية الإعلامية وحماية حرية التعبير.
ويشمل ذلك وضع معايير واضحة للتحقق والتصحيح، وتعزيز الإفصاح عن ملكية المنصات ومصادر تمويلها، ومكافحة الانتحال والحسابات المنسقة، وتنظيم المحتوى الممول، وحماية الصحفيين والمستخدمين، إلى جانب تطوير أدوات الرصد بما يتناسب مع طبيعة البيئة الرقمية.
كما يتطلب الأمر تعزيز الثقافة الإعلامية والرقمية لدى الجمهور، بحيث لا يقتصر التعامل مع الأخبار على سرعة المشاركة، بل يشمل التحقق من المصدر والتاريخ والسياق ومقارنة المعلومات بمصادر متعددة.
وفي ظل هذا المشهد، لم يعد التحدي أمام الإعلام الليبي يتمثل في محدودية المنابر، بل في ضمان أن يؤدي اتساعها إلى رفع مستوى المعرفة العامة بدلًا من زيادة الضوضاء المعلوماتية. فالمساحة الرقمية الواسعة يمكن أن تكون مجالًا لتعدد الآراء والوصول إلى المعلومات، لكنها قد تتحول في غياب الشفافية والمعايير المهنية إلى بيئة خصبة للتضليل والاستقطاب والترويج غير المعلن.
وتبقى قدرة الإعلام الرقمي على أداء دوره مرتبطة بوضوح قواعد العمل، وشفافية الملكية والتمويل، واستقلال القرار التحريري، وفاعلية آليات التحقق والتصحيح والمساءلة، بما يضمن أن يكون اتساع المجال الإعلامي مصحوبًا بارتفاع مماثل في مستوى المسؤولية المهنية.



