من مستنقع التدخل الخارجي إلى عبث منتهية الولاية… ليبيا تصرخ: الحل في الداخل والجيش الوطني درع السيادة
العبيدي: الحل في الداخل الليبي لا في برلين وباريس... والقبائل هي الممثل الحقيقي للشعب الليبي
ليبيا 24
العبيدي: الأزمة الليبية مراوحة مكانها منذ 2011 والتدخل الخارجي السلبي أطال عمرها
في قراءة تحليلية عميقة للأزمة الليبية المتشابكة الأطراف والتدخلات المحلية والإقليمية والدولية، يؤكد الدكتور جبريل العبيدي، الكاتب والباحث الأكاديمي وأستاذ مشارك في جامعة بنغازي، أن الأزمة لا تزال تراوح مكانها، فلا جديد يذكر ولا قديم ينتفع به، في وقت تنقب فيه البعثة الأممية عن حل في صحراء ليبيا، بينما التشظي والانقسام السياسي يضربان في أجزاء البلاد.
ويحذر العبيدي من أن الزمن يمر بسرعة، والدول تبني وتعمر إلا ليبيا، التي شاءت أن تقف في لحظة 2011، وغدا فيها كل شيء مدمراً.
التدخل الخارجي السلبي… سبب إطالة الأزمة
يضع العبيدي يده على الجرح حين يؤكد أن التدخل الخارجي السلبي هو الذي أطال عمر الأزمة الليبية، والذي نقل خلافاته الدولية إلى الجغرافيا الليبية. فليبيا بعد إسقاط الدولة ومؤسساتها عام 2011 بحجة حماية المدنيين، تركها حلف الناتو لسكاكين الإخوان ومنظماتهم المتفرعة لسنوات، ثم عاد إليها عبر سلسلة من المبعوثين الدوليين الذين أغلبهم فشل في مهام سابقة.
ويتساءل العبيدي: لماذا يرسلون أصلاً لأزمة معقدة كالأزمة الليبية؟ وهكذا غدت ليبيا غارقة في مستنقع الإرهاب والجماعات التي تسللت إليها جرّاء فوضى الربيع العربي، وسقوط الدولة ومؤسساتها، قبل أن ينهض الجيش الليبي ويستعيد الجزء الأكبر من البلاد.
تيار الإخوان… من تسلل السلطة إلى محاولة إفشال الحل
يشير العبيدي إلى أن الأزمة الليبية الآن هي انعكاس لانقسامات سياسية داخلية بين تيارات مختلفة، بعضها لا يؤمن بالجغرافيا الوطنية للبلاد، وهذا تيار المفتي المعزول؛ تيار بقايا جماعة الإخوان المسلمين، الذي يستخدم ما تحصّل عليه من المال أثناء هوجة الربيع العربي، وتسلله لمراكز السلطة والمصرف المركزي إبان أحداث فبراير 2011؛ حيث استطاع أن يحكم لفترة من الزمن نتيجة الشغور السياسي والرئاسي.
ويشدد العبيدي على أن هذه الجماعة لا تؤمن بالجغرافيا الوطنية للبلاد، وتعمل على إفشال كل مسار ديمقراطي حقيقي.
الأجسام الهجينة… خطيئة إشراك المنتهي مع المنتخب
يؤكد العبيدي أن الأزمة الليبية بحاجة إلى إشراك الأطراف الحقيقية الممثلة للشعب الليبي، وليس الأحزاب الكرتونية، التي يُعد أغلبها مجرد أرقام لا تتجاوز عدد مؤسسيها، من دون تمثيل شعبي حقيقي، ولا حتى القائمين على السلطة حالياً، وفي مقدمتهم بقايا المؤتمر الوطني منتهي الولاية الشرعية، الذي تحول إلى مجلس الدولة، وأصبح شريكاً في السلطة التشريعية للبرلمان المنتخب.
ومن هنا بدأت الخطيئة السياسية، وهي إشراك المنتخب شعبياً مع المنتهي الولاية، وتحول المشهد السياسي الليبي إلى أجسام هجينة أنتجتها اتفاقات سياسية، لا الصندوق الانتخابي، مثل المجلس الرئاسي والحكومة الحاليين، اللذين، حتى بحكم الاتفاق السياسي المنتج لهما، انتهت ولايتهما وشرعيتهما السياسية المكتسبة بحكم اتفاق لم يتفق عليه أغلب الليبيين.
الاقتصاد المنهار… ضريبة الصراع على الكعكة البترولية
لا يغفل العبيدي الجانب الاقتصادي، إذ يشير إلى أن الصراع الغربي بين فرنسا وإيطاليا وبريطانيا على الكعكة البترولية الليبية لم يكن بعيداً عن تأزيم الأزمة الليبية وتعقيداتها، خصوصاً أن كل طرف من المتصارعين على البترول الليبي لا يقبل الشراكة مع الآخرين، بل يؤمن فقط بإقصاء الآخر والبقاء للأقوى.
ورغم محاولات ألمانيا جمع المتصارعين على الكعكة الليبية في برلين 1 وبرلين 2 وبرلين 3، وباريس 1 وباريس 2، إلا أنها جميعاً لم تقارب الفجوة بين المتصارعين، رغم إبعاد الجانب الليبي عن الحضور في برلين 1، مع أن عنوان الأزمة كان حل الأزمة الليبية، لكن واقعها أثبت أنها كانت للمصالحة بين المتصارعين الغربيين في الأزمة الليبية.
ولهذا لا يمكن أن يكون الحل إلا ليبيا، وانتظار الحل من الخارج سيكون على حساب أشياء كثيرة، منها فقدان السيادة الوطنية، ورهن الاقتصاد الوطني للخارج. ونتيجة لهذا الصراع، غرق الليبيون في التهجير والنزوح وارتفاع الأسعار وانهيار قيمة الدينار الليبي وغلاء المعيشة، بعد أن كانت ليبيا من أرخص بلدان العالم من حيث تكاليف المعيشة.
الديمقراطية المزيفة… أحزاب كرتونية وخارج حقيقي
يحذر العبيدي من أن العملية الديمقراطية في ليبيا تواجه خطراً وجودياً بسبب أكثر من مائة حزب سياسي مجهولة الهوية والتمويل والتبعية، فكيف ستصلح العملية الديمقراطية، ولا حتى السياسية، في ظل مكونات مجهولة الهوية والانتماء؟! بل إن أبرز هذه المكونات الحزبية تنظيماً هو حزب جماعة الإخوان المسلمين، وبالتالي، في ظل ضعف باقي الأحزاب، ستكون الغلبة للتنظيم الإخواني الحزبي الذي يجاهر بالبيعة للمرشد والتبعية، ولا يؤمن قادته بالجغرافيا الوطنية للبلاد.
ويشدد العبيدي على أن الحل يكمن في جمع الأطراف الفاعلة على الأرض مع مكونات الشعب الحقيقية، وهي القبائل، وليس الأحزاب السياسية الكرتونية التي تصر البعثة الأممية على إشراكها، في حين أنها رؤى أشخاص وليست جماعات لديها رؤى سياسية يمكن التعويل عليها في العملية الديمقراطية.
الخلاصة… الحل في الداخل لا في الخارج
يخلص العبيدي إلى أن الأزمة الليبية تنقلت بين محطات كثيرة، وجميعها خارجية، ومع هذا لم ينجح فيها مسار واحد، ما يؤكد أن الحل في الداخل الليبي وليس خارجه.
ويرى أن تحريك الأزمة الليبية من جمودها ومراوحتها ليس بقرع طبول الحرب بين الطرفين الأقوى الآن، بل بجلوسهما وتقاسم السلطة المؤقتة لقيادة انتخابات مقبلة، بعد مماطلة مجلس الدولة والبرلمان والمجلس الرئاسي في تنفيذ الاستحقاق الانتخابي، والتخلص من الجمود السياسي.
ويبقى السؤال: إلى متى يظل المواطن الليبي المكلوم رهينة لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل، بينما الجيش الوطني يقدم التضحيات تلو التضحيات؟ الإجابة تكمن في العودة إلى الشرعية الشعبية، وإعلاء صوت القبائل والمكونات الحقيقية، والتخلص من الأحزاب الكرتونية والأجسام الهجينة، لتستعيد ليبيا مكانتها بين الأمم.



