ليبيا

قبل أن نبني الدولة… علينا أن نبني الإنسان

تشخيص الماضي، وفهم الحاضر، وبناء الإنسان… مدخلنا إلى الدولة

ليبيا 24- إدريس احميد

كلنا نريد بناء دولة، لكن السؤال الذي يجب أن نتوقف عنده أولاً هو: ماذا نعني ببناء الدولة؟ وما الأولويات التي يجب أن نبدأ بها؟

فبناء الدولة لا يعني تغيير الحكومات أو إجراء الانتخابات أو إنشاء المؤسسات فقط، بل يعني بناء منظومة متكاملة من القانون والمؤسسات والتعليم والصحة والأمن والاقتصاد والثقافة، والأهم من ذلك كله: بناء الإنسان الذي يحمل هذه الدولة ويحترم مؤسساتها وقوانينها ويدرك حقوقه وواجباته.

لكن لا يمكن أن نبدأ المستقبل بالقفز فوق الماضي. لا يمكن أن نعالج ما لم نشخّصه، ولا يمكن أن نبني مستقبلاً مختلفاً بالأفكار والسلوكيات نفسها التي ساهمت في تعثر الماضي. ولذلك نحتاج إلى مراجعة هادئة وصادقة لتاريخنا السياسي والاجتماعي، لا بهدف توزيع الاتهامات، وإنما لفهم كيف وصلنا إلى واقعنا الراهن، وما الذي يمكن أن نتعلمه منه.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل كانت لدينا فعلاً دولة بالمفهوم الذي نطمح إليه اليوم؟ وهل كانت مؤسساتنا قادرة على تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص وتقديم الخدمات وبناء اقتصاد منتج وترسيخ المواطنة؟

إن تشخيص الماضي ليس ترفاً فكرياً، بل هو بداية البحث عن حلول حقيقية للأزمة.

بناء الإنسان هو البداية

الدولة في النهاية ليست مباني ومؤسسات فقط؛ الدولة إنسان. والأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والثقافة ومكان العمل كلها تصنع المواطن الذي ستقوم عليه مؤسسات الدولة.

ولهذا علينا أن نسأل أنفسنا بوضوح: هل واقعنا الاجتماعي، وتركيبتنا، وقيمنا، وما نحمله من أفكار وسلوكيات، قادرة على إنتاج مجتمع يعيش داخل دولة مؤسسات؟

نحن لا ندعو إلى التخلي عن هويتنا أو روابطنا الاجتماعية، فالعائلة والقبيلة والمنطقة يمكن أن تكون مصادر للتكافل والانتماء. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الروابط إلى بديل عن الدولة، أو عندما يصبح الانتماء القبلي أو الجهوي أو المناطقي مقدماً على المواطنة والمصلحة العامة.

وإذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، فعلينا أيضاً أن نتوقف أمام ما فعلناه بأنفسنا: الانقسام، والاقتتال، والتعصب، وعدم احترام الاختلاف، والمزايدة على بعضنا، والاعتداء على مؤسسات الدولة، والفجوة بين القيم التي نتحدث عنها والممارسات التي نعيشها.

ولننظر فقط إلى طريقة تعاملنا مع بعضنا في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. فما يُكتب ويُنشر، من إساءات وشتائم وتشويه وتخوين وشائعات وسوء استخدام للمعلومة، يكشف أحياناً مستوى الخطاب الذي وصلنا إليه، وكيف يمكن أن تتحول وسائل يفترض أن تكون أدوات للتواصل والمعرفة إلى منصات لتعميق الانقسام والعداء.

وهنا لا ينبغي أن نسأل فقط: من المخطئ؟ بل علينا أن نسأل: ماذا يقول هذا السلوك عن ثقافتنا، وعن مستوى وعينا، وعن قدرتنا على الاختلاف واحترام الآخر؟ فإذا كنا نريد دولة تحترم القانون والمؤسسات، فعلينا أن نتعلم أولاً احترام الإنسان الذي يختلف معنا.

هذه ليست دعوة لجلد الذات، وإنما دعوة إلى مراجعة الذات؛ لأن المجتمع الذي لا يراجع أخطاءه يكررها.

من التشخيص إلى العمل

إذا اتفقنا على أن بناء الإنسان هو البداية، فإن ذلك يجب أن يتحول من فكرة إلى برنامج وطني واضح، يبدأ من:

مراجعة الماضي من خلال حوار وطني هادئ يحدد مكامن الخلل والدروس المستفادة بعيداً عن الانتقام وتبادل الاتهامات.

إصلاح التعليم بحيث لا يقتصر على الشهادات، بل يبني التفكير النقدي، والانضباط، والمسؤولية، والمواطنة، والقدرة على العمل والإنتاج.

إعادة الاعتبار للتعليم المهني وتغيير النظرة الاجتماعية إلى المهن والحرف، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل.

تمكين الشباب من خلال التدريب والعمل والمشروعات الصغيرة، بدلاً من تركهم بين البطالة والانتظار والهجرة.

دعم القطاع الخاص والمصارف لخلق اقتصاد منتج يقلل الاعتماد على الوظيفة العامة والنفقات الحكومية.

إعادة بناء دور الثقافة والإعلام وتشجيع المسرح والدراما والسينما والبرامج التي تعالج قضايا المجتمع وتعيد الاعتبار لقيم الحوار والعمل والمواطنة.

ترسيخ أخلاقيات الخطاب العام والإعلام الرقمي، وتشجيع المسؤولية في تداول المعلومات، ومواجهة الشائعات وخطاب الكراهية والتشهير، مع احترام حرية التعبير والاختلاف.

دعم البحث الاجتماعي والإنساني لفهم التحولات داخل المجتمع، ودراسة أسباب العنف والانقسام والهجرة والبطالة وتغير القيم.

ترسيخ دولة القانون والمؤسسات بحيث يكون القانون فوق الأشخاص والانتماءات، وتكون مؤسسات الدولة هي المرجعية في الأمن والخدمات والحقوق.

ربط الأمن بالتنمية؛ فالأمن المستدام لا يتحقق بالقوة وحدها، وإنما بتوفير التعليم والعمل والخدمات والعدالة، وبناء مؤسسات أمنية تعمل ضمن إطار الدولة والقانون.

تحويل النفط من مصدر للإنفاق إلى أداة لبناء المستقبل عبر الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والتنويع الاقتصادي، مع إعطاء الجنوب والمناطق الأقل تنمية مكانها الطبيعي في مشروع الدولة.

من سؤال السلطة إلى سؤال الدولة

ربما اعتدنا أن يكون سؤالنا: من يحكم؟

لكن السؤال الذي نحتاج إليه اليوم هو: كيف نبني دولة تستطيع أن تستمر، أياً كان من يحكم؟

هذه هي النقلة التي نحتاجها في التفكير.

فليبيا لا تحتاج فقط إلى تغيير الأشخاص، وإنما إلى تغيير طريقة التفكير في الدولة والمجتمع والمواطنة والمصلحة العامة. ولا يمكن بناء مؤسسات قوية بمجتمع منقسم، كما لا يمكن بناء مجتمع متماسك من دون مؤسسات عادلة وقانون يحمي الجميع.

لذلك فإن بناء الدولة ليس مشروع حكومة واحدة، ولا حزباً، ولا قبيلة، ولا منطقة، ولا مؤسسة بعينها. إنه مشروع وطني طويل المدى يحتاج إلى مشاركة المجتمع كله.

هذه المقالة ليست وصفة جاهزة لحل الأزمة، ولا تدّعي امتلاك الإجابات كلها. إنها محاولة لوضع اليد على البداية: أن نعترف بأن لدينا مشكلة، وأن نتوقف عن تجاوز جذورها، وأن نبدأ بتشخيص الماضي وفهم الحاضر قبل أن نقرر كيف نبني المستقبل.

فبناء الإنسان ليس مرحلة تسبق بناء الدولة؛ إنه بداية بناء الدولة نفسها.

ولذلك، ربما آن الأوان أن نبدأ من الحقيقة، مهما كانت صعبة:

نشخّص الماضي، نفهم الحاضر، نراجع أنفسنا، نبني الإنسان، نصلح المجتمع، ونؤسس للمؤسسات… ثم نبني الدولة التي نريد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى