مجلس النواب الليبي.. تداول جديد لدفع المسار السياسي
ليبيا 24 – إدريس احميد
لا تبدو إعادة تشكيل هيئة رئاسة مجلس النواب مجرد تغيير داخلي في تركيبة المؤسسة التشريعية، بل تأتي في توقيت سياسي بالغ الحساسية، يتزامن مع انتقال المسار الليبي من مرحلة التفاهمات إلى مرحلة البحث في آليات التنفيذ، ولا سيما بعد اعتماد مجلس النواب اتفاق الاجتماع المصغر «4+4»، وترحيب بعثة الأمم المتحدة بهذا الاعتماد باعتباره خطوة مهمة إلى الأمام في اتجاه تجاوز الانسداد السياسي وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية. كما رحب الأمين العام للأمم المتحدة بتأييد المجلس للاتفاق، معتبرًا إياه خطوة مهمة لدفع العملية السياسية إلى الأمام.
وفي هذا السياق، انتخب مجلس النواب في السادس من أكتوبر/تشرين الأول الصالحين عبدالنبي العبيدي رئيسًا للمجلس خلفًا لعقيلة صالح، كما انتخب طارق الأشتر نائبًا أول، فيما أعاد انتخاب مصباح دومة «أبوصباح» نائبًا ثانيًا لرئيس المجلس بالإجماع، لتكتمل بذلك هيئة الرئاسة الجديدة.
وجاءت هذه الانتخابات بعد إقرار المجلس، في الخامس من أكتوبر، نظامًا جديدًا يحدد مدة هيئة الرئاسة في 12 شهرًا من تاريخ انتخابها، بما يعيد تنظيم آلية التداول على قيادة المجلس ويضع إطارًا زمنيًا أكثر وضوحًا لإعادة تشكيل هيئة الرئاسة. وقد صوّت 98 نائبًا لصالح اعتماد النظام، وفق ما أعلنه الناطق باسم المجلس.
تداول جديد.. وإعادة تفعيل للدور المؤسسي
تكمن أهمية هذه الخطوة في أنها لا تتعلق فقط بتغيير أسماء في مواقع القيادة، وإنما بإعادة تفعيل آلية مؤسسية للتداول على هيئة رئاسة مجلس النواب بعد سنوات من استمرار القيادة السابقة. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى ما جرى باعتباره إعادة ترتيب داخلي للمؤسسة التشريعية في وقت تتجه فيه العملية السياسية الليبية إلى مرحلة جديدة تتطلب قدرة أكبر على مواكبة الملفات الانتخابية والدستورية والتنفيذية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن إعادة تشكيل هيئة الرئاسة جاءت كنتيجة مباشرة لاتفاق «4+4»، إذ لا توجد، في المعطيات المعلنة، علاقة سببية صريحة بين الأمرين؛ لكن تزامن الحدثين يضع التغيير داخل مجلس النواب في السياق السياسي نفسه الذي يتحرك فيه الاتفاق، خصوصًا أن المجلس كان قد أدى أحد الأدوار الرئيسية في هذا المسار عبر تأييد الاتفاق، قبل أن تنتقل لجنة «4+4» إلى مرحلة متابعة التنفيذ.
وهنا تبرز دلالة «التداول الجديد»: فوجود هيئة رئاسة منتخبة بمدة محددة يمكن أن يمنح المؤسسة التشريعية قيادة جديدة لمواكبة مرحلة تختلف عن المرحلة السابقة، عنوانها الانتقال من إدارة الانسداد إلى مناقشة آليات تجاوزه، ومن التوافق على المبادئ إلى البحث في تنفيذها.
«4+4».. من التوقيع إلى التنفيذ
يمثل استمرار اجتماعات لجنة «4+4» أحد أبرز المؤشرات على دخول الاتفاق مرحلة جديدة. فقد اجتمعت اللجنة في تونس في 20 سبتمبر/أيلول لمتابعة تنفيذ الاتفاق الموقع في 30 أغسطس/آب، وجدد أعضاؤها التزامهم بالمضي قدمًا في تنفيذه وصولًا إلى انتخابات وطنية في ظل مؤسسات موحدة وشرعية. كما أشاروا إلى أهمية الموقف الداعم من مجلس النواب ومجلس الأمن، واتفقوا على مواصلة التواصل مع بقية الأطراف الليبية لحشد أوسع دعم ممكن للاتفاق.
ثم عقدت اللجنة اجتماعًا جديدًا في تونس في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول، ناقشت خلاله تداعيات الانقسام داخل السلطة القضائية على العملية الانتخابية، وشدد المشاركون على ضرورة معالجة هذا الانقسام مع احترام استقلال القضاء وإبعاده عن التجاذبات السياسية، بما يحافظ على نزاهة الانتخابات ويضمن قبول نتائجها. كما جددوا التزامهم بتنفيذ اتفاق 30 أغسطس باعتباره حزمة واحدة ضمن إطار دستوري شامل.
وبذلك، لم يعد اتفاق «4+4» مجرد وثيقة سياسية موقعة، بل أصبح أمام اختبار التنفيذ. ومن هنا تأتي أهمية التغيير داخل مجلس النواب؛ فالمؤسسة التشريعية ستكون مطالبة خلال المرحلة المقبلة بمواكبة النقاشات المتعلقة بالإطار الانتخابي، والقوانين اللازمة للاستحقاقات المقبلة، وترتيبات السلطة التنفيذية، إلى جانب الملفات المرتبطة بتوحيد مؤسسات الدولة.
الحل الليبي-الليبي.. بدعم أممي ودولي
ويحمل مسار «4+4» دلالة أخرى تتجاوز تفاصيل الاتفاق، تتمثل في التأكيد على أن معالجة الأزمة ينبغي أن تستند إلى ملكية وقيادة ليبية للعملية السياسية، مع دور أممي ودولي في التيسير والدعم.
فبعثة الأمم المتحدة أكدت عقب تأييد مجلس النواب للاتفاق أن هدفها هو دعم وتيسير عملية سياسية يقودها الليبيون ويملكون زمامها، بما يساهم في إنهاء الجمود السياسي وتوحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية شاملة وذات مصداقية. كما أكد مجلس الأمن دعمه لعملية سياسية بقيادة وملكية ليبية، مع استمرار الدور الأممي في التيسير.
ومن ثم، فإن اجتماع «4+4» لا يمثل فقط قناة للتوافق بين الأطراف الليبية، وإنما يعكس محاولة لبناء مسار سياسي تكون فيه القرارات الأساسية نابعة من الداخل الليبي، بينما يوفر المجتمع الدولي مظلة الدعم والتيسير.
نحو الانتخابات.. وحكومة محدودة المهمة
المرحلة المقبلة تبدو أكثر ارتباطًا بالانتقال من إدارة الأزمة إلى التحضير للاستحقاق الانتخابي. فالمسار السياسي المدعوم أمميًا يستهدف الوصول إلى انتخابات رئاسية وتشريعية، بينما تظل مسألة السلطة التنفيذية الموحدة من الملفات المرتبطة بتهيئة البيئة السياسية والمؤسسية اللازمة لهذه الانتخابات.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن تبرز فكرة تشكيل حكومة جديدة أو مؤقتة محدودة المهمة والمدة ضمن النقاشات المقبلة، بحيث تكون وظيفتها الأساسية تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة، لا إنتاج مرحلة انتقالية مفتوحة جديدة.
وبالتوازي مع ذلك، تظل ملفات توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية والمالية من المتطلبات المرتبطة بتهيئة بيئة مستقرة للانتخابات. وقد شدد مجلس الأمن على أهمية التقدم في توحيد المؤسسات الليبية، بما فيها المؤسسات العسكرية والأمنية والسلطة التنفيذية الموحدة، إلى جانب المضي في مسار الإنفاق الموحد.
المبادرة الأمريكية.. والمسار الليبي
وفي الإطار الأوسع، تتقاطع هذه التحركات مع الجهود الدولية، ومن بينها المبادرة الأمريكية، الرامية إلى دفع العملية السياسية نحو ترتيبات أكثر عملية تقود في نهايتها إلى الانتخابات.
غير أن أهمية المرحلة الحالية تكمن في أن أي جهد دولي يحتاج إلى ترجمة داخل المؤسسات الليبية نفسها. ولذلك فإن اعتماد مجلس النواب لاتفاق «4+4»، والترحيب الأممي والدولي به، ثم استمرار اجتماعات اللجنة لمتابعة التنفيذ، كلها تطورات تضع المؤسسات الليبية أمام مسؤولية الانتقال من مرحلة التوافق على المسار إلى مرحلة العمل على إنجازه.
ومن هنا يمكن فهم إعادة تشكيل هيئة رئاسة مجلس النواب باعتبارها جزءًا من هذا السياق السياسي الأوسع. فانتخاب رئيس جديد للمجلس ونائب أول ونائب ثانٍ، بعد اعتماد الاتفاق وتفعيل نظام جديد لمدة هيئة الرئاسة، يفتح أمام المؤسسة التشريعية مرحلة مختلفة، عنوانها مواكبة الحوار حول الانتخابات، والمساهمة في ترتيبات المرحلة التنفيذية، ودعم توحيد المؤسسات، ومتابعة تنفيذ ما تم التوافق عليه.
الاختبار الحقيقي.. التنفيذ
ومع ذلك، فإن أهمية هذه التحولات ستتوقف في النهاية على قدرتها على الانتقال من تغيير المواقع إلى تحريك الملفات العالقة. فالتداول المؤسسي على رئاسة المجلس يمكن أن يمثل تغييرًا في آلية العمل، لكن أثره السياسي سيظل مرتبطًا بمدى قدرة القيادة الجديدة على الانخراط في المسار السياسي والتعامل مع بقية المؤسسات الليبية.
كما أن المشهد لا يخلو من خلافات حول قانونية الإجراءات التي أفضت إلى تعديل اللائحة وانتخاب هيئة الرئاسة الجديدة؛ فقد اعترض عقيلة صالح على جلسة الخامس من أكتوبر واعتبرها غير رسمية ولا يترتب عليها أثر قانوني، وهو ما يعني أن مسألة شرعية الإجراءات ستظل جزءًا من النقاش السياسي والقانوني المحيط بهذه الخطوة.
لكن في القراءة الأوسع، فإن ما حدث داخل مجلس النواب يمثل إعادة تفعيل لمبدأ التداول المؤسسي على هيئة الرئاسة في لحظة تتجه فيها العملية السياسية الليبية إلى اختبار التنفيذ. فبعد اعتماد اتفاق «4+4» والترحيب به أمميًا ودوليًا، جاءت اجتماعات اللجنة لتتابع خطوات التنفيذ، بالتزامن مع إعادة ترتيب قيادة المؤسسة التشريعية.
وبذلك، يصبح عنوان المرحلة المقبلة أكثر وضوحًا: من التوافق إلى التنفيذ، ومن الجمود إلى التداول المؤسسي، ومن إدارة المرحلة الانتقالية إلى تهيئة الطريق أمام الانتخابات.
ويبقى نجاح هذا المسار مرهونًا بقدرة الأطراف الليبية على الحفاظ على التوافق، وتفعيل ما تم الاتفاق عليه، وتوفير البيئة القانونية والمؤسسية والأمنية والمالية اللازمة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، مع استمرار الدعم والتيسير الأممي والدولي، وبما يؤكد في النهاية أن الحل السياسي ينبغي أن يكون ليبيًا في قيادته وملكيته، حتى وإن كان دوليًا في دعمه وتيسيره.



