ضبط التصدير في ليبيا.. قرارات محدودة الأثر ومخاوف من معالجة الاختلالات بأدوات غير كافية
خبراء: قيود التصدير لن تعالج أزمة الدولار ما لم تُواجه السوق الموازية والتهريب

يرى رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية والمحلل الاقتصادي، خالد بوزعكوك، أن قرارات وزارة الاقتصاد في حكومة الوحدة منتهية الولاية بشأن ضبط عمليات التصدير لن تحقق أثراً كبيراً في حماية الاقتصاد من صدمة الدولار أو دعم استقرار أسعار السلع وتوازن الأسواق، في ظل محدودية حجم الصادرات الليبية وطبيعة الاختلالات التي يعاني منها السوق المحلي.
وتتضمن الإجراءات الجديدة حظر تصدير المنتجات الزراعية، باستثناء التمور، إلى جانب وقف تصدير الصناعات الغذائية المنتجة محلياً إلى حين استقرار أوضاع السوق. كما شملت منع إعادة تصدير السلع والمنتجات المستوردة، في خطوة تستهدف تأمين احتياجات السوق المحلية والحد من خروج السلع المتاحة للمستهلكين.
حظر إعادة التصدير لا يعالج اقتصاداً موازياً
ويشير بوزعكوك إلى أن محدودية الصادرات تجعل قدرة هذه الإجراءات على توفير الحماية المطلوبة من تقلبات الدولار ضعيفة، معتبراً أن معالجة أزمة العملة الصعبة تحتاج إلى سياسات أكثر ارتباطاً بجذور المشكلة، لا إلى تضييق حركة التجارة الرسمية فقط.
وفي هذا السياق، دعا إلى إنشاء مناطق حرة تتيح تنشيط تجارة إعادة التصدير بصورة قانونية، بما يمكن أن يوفر تدفقات من النقد الأجنبي، ويخفف الضغط عن الطلب على الدولار، ويفتح المجال أمام استثمارات جديدة وفرص عمل حقيقية.
وتبرز هنا نقطة جوهرية في تقييم القرار؛ فبدلاً من النظر إلى إعادة التصدير باعتبارها مجرد منفذ لخروج السلع، يمكن تحويلها إلى نشاط اقتصادي منظم يدر إيرادات بالعملة الأجنبية، شريطة إخضاعه لرقابة جمركية ومصرفية فعالة.
التهريب يضعف قدرة القرار على ضبط السوق
ويشكك بوزعكوك كذلك في قدرة ضوابط التصدير على تحقيق استقرار ملموس في أسعار السلع أو ضمان توافرها، موضحاً أن جزءاً من السلع المستوردة عبر الاعتمادات المصرفية لا يغادر البلاد من خلال قنوات تصدير رسمية، وإنما عبر شبكات تهريب، مستفيداً من هشاشة الوضع الأمني واتساع الحدود الليبية مع دول الجوار.
وهذا المعطى يضع القرار أمام اختبار عملي؛ إذ إن تشديد القيود على التجارة الرسمية، في مقابل استمرار مسارات التهريب، قد يؤدي إلى نقل النشاط التجاري من القنوات المنظمة إلى السوق الموازية بدلاً من القضاء عليه.
الجديد: الحل في توفير الدولار لا في تقييد الاستيراد
من جانبه، اقترح الخبير الاقتصادي مختار الجديد إلغاء القرار القاضي بقصر الاستيراد على القنوات المصرفية، على أن يتولى مصرف ليبيا المركزي توفير الدولار للتجار وفق الآلية التي يختارونها، سواء عبر الاعتمادات أو الحوالات.
ويطرح هذا المقترح معالجة مختلفة للمشكلة، تقوم على توسيع قنوات الحصول على العملة الأجنبية تحت مظلة رسمية، بدلاً من دفع المستوردين إلى السوق الموازية بسبب صعوبة الوصول إلى الدولار عبر القنوات المصرفية.
غير أن الفكرة تحتاج، في المقابل، إلى ضوابط دقيقة تمنع استغلال مرونة التحويلات في المضاربة أو تهريب العملة، وتضمن ارتباط الطلب على النقد الأجنبي بحركة تجارية حقيقية يمكن التحقق منها.
المشكلة أوسع من قرار تصدير
تكشف مواقف الخبراء أن أزمة السوق الليبية لا ترتبط بحركة الصادرات وحدها، بل بتداخل عدة عوامل، أبرزها شح قنوات توفير النقد الأجنبي، واتساع نشاط السوق الموازية، وضعف الرقابة على الحدود، واستمرار التهريب، فضلاً عن محدودية قدرة الاقتصاد على توليد مصادر متنوعة ومستدامة للعملة الصعبة.
وعليه، فإن قرارات حظر التصدير وإعادة التصدير قد تحقق أثراً مؤقتاً في بعض السلع، لكنها تبدو أقل قدرة على معالجة الاختلالات الهيكلية التي تضغط على الدينار والأسعار.
والتحدي الحقيقي أمام السلطات لا يتمثل فقط في منع خروج السلع، وإنما في بناء منظومة تجارية ومصرفية قادرة على تنظيم حركة الاستيراد والتصدير، وتجفيف قنوات التهريب، وتوفير الدولار بصورة شفافة، وتحويل التجارة الخارجية من مصدر للضغط على الاقتصاد إلى أداة لزيادة السيولة الأجنبية وتحفيز الاستثمار.



