الدبيبة يمرر «توحيد المرتبات» قبل اعتماده.. وخبراء يحذرون من إلغائه قضائيًا
حكومة منتهية الولاية تُعيد توزيع الحقوق لا إصلاح الأجور.. ومئات الآلاف من الموظفين أمام مجهول قانوني ومالي
ليبيا 24
القماطي يفجّر أزمة “قرار 474”: جدول المرتبات الموحد ينتقص من حقوق الموظفين بقرار إداري غير قانوني
في خطوة تفتح الباب واسعًا أمام إشكالات قانونية لم تحتجها البلاد في ظل ظروفها الراهنة، أصدر رئيس الحكومة منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة القرار رقم 474 لسنة 2026، الذي يقضي باعتماد جدول موحد للمرتبات يشمل جميع الموظفين في القطاعات والوحدات الإدارية العامة الممولة من الخزانة العامة، بزيادة اسمية قدرها 10% مقارنة بالجدول السابق.
غير أن هذا القرار، الذي رُوّج له باعتباره خطوة نحو “العدالة الاجتماعية”، سرعان ما واجه انتقادات قانونية واقتصادية واسعة، تصدرها الدكتور حلمي القماطي، أكاديمي وخبير اقتصادي ورئيس قسم الاقتصاد في كلية الاقتصاد بجامعة بنغازي.
تناقض صريح في صلب القرار
يستند القماطي في قراءته النقدية إلى تناقض قانوني جوهري في نصوص القرار نفسه. فالمادة الرابعة تنص على أن القرار يُعرض على مجلس الوزراء في اجتماعه القادم للاعتماد، بينما تقول المادة الخامسة إنه يُعمل به من تاريخ صدوره في السادس من أكتوبر.
وهنا يطرح الأكاديمي الليبي سؤالًا بسيطًا لكنه ثقيل: إذا كان القرار ما زال معروضًا على مجلس الوزراء للاعتماد، فكيف أصبح نافذًا قبل أن يستكمل مرحلة الاعتماد التي نص عليها القرار ذاته؟
هذا التناقض، كما يؤكد القماطي، ليس تفصيلًا شكليًا، لأننا نتحدث عن قرار يمس المرتبات والمزايا المالية لمئات الآلاف من العاملين في الدولة.
الأخطر.. إلغاء حقوق قررها القانون
لكن التناقض لا يتوقف عند حدود التوقيت. فالمادة الثالثة من القرار تلغي جميع القرارات واللوائح الخاصة بجداول المرتبات، بما فيها قرارات علاوات التمييز والمزايا المالية المرتبطة بها.
وهنا يضع القماطي النقاط على الحروف: القرار الإداري لا يملك قانونًا صلاحية إلغاء قانون، ولا يستطيع أن ينتقص من حق قرره التشريع. ويستشهد بذلك بقانون علاقات العمل رقم 12 لسنة 2010، الذي يقرر في مادته 142 أن الموظف يتمتع بالحقوق المقررة له بموجب القانون واللوائح الصادرة بمقتضاه، ولا يجوز خفضها أو إيقافها أو حرمانه منها إلا وفقًا للقانون.
بهذا المعنى، فإن السؤال ليس هل نريد جدولًا موحدًا أم لا، بل من يملك قانونًا صلاحية تعديل الحقوق والمزايا التي أقرها التشريع.
العدالة لا تعني الأخذ من فئة لصالح أخرى
يحذر القماطي من أن المسار الصحيح لأي إصلاح حقيقي لمنظومة الأجور يقتضي إعداد مشروع قانون متكامل للمرتبات والمزايا الوظيفية، وإحالته إلى السلطة التشريعية لمناقشته واعتماده أو تعديله.
أما إلغاء مزايا وحقوق قائمة بقرار تنفيذي، فهذه مسألة مختلفة تمامًا، تفتح الباب أمام إشكالات وطعون قانونية لا تحتاجها الدولة في هذه المرحلة. ويشدد على أنه لا يدافع عن التشوهات الموجودة في منظومة المرتبات، بل يعترف بوجود تشوه حقيقي يجب إصلاحه.
لكنه يرفض أن تتحول معالجة التشوهات إلى انتقاص من حقوق الموظفين، لأن العدالة لا تعني أن نأخذ من فئة لنعطي فئة أخرى بقرار إداري، بل تعني أن نضع قانونًا موحدًا وواضحًا وعادلًا يراعي طبيعة الوظيفة والمسؤولية والتخصص والخبرة والظروف الاقتصادية، وفي الوقت نفسه يحافظ على الحقوق التي لا يجوز المساس بها إلا وفق القانون.
ليبيا تحتاج منظومة أجور لا قرارًا إداريًا
في المحصلة، يرى القماطي أن ليبيا لا تحتاج فقط إلى جدول مرتبات موحد، بل إلى منظومة أجور موحدة وعادلة ومستندة إلى قانون واضح.
والسؤال الذي يجب أن يسبق تطبيق أي جدول هو: هل نحن أمام إصلاح لمنظومة المرتبات أم أمام إعادة توزيع للحقوق بقرار إداري؟ الفرق بين الاثنين كبير جدًا. وإذا كانت هناك حاجة حقيقية إلى إعادة النظر في المرتبات والعلاوات والمزايا بسبب الظروف الاقتصادية والمالية للدولة، فالمسار الصحيح هو التشريع، لا القرار الإداري.
وإلا فإننا سنكون أمام قرارات تطعن بها أمام المحاكم وتُلغى من أول درجة، في مشهد يزيد من معاناة المواطن الليبي الذي ينتظر حلولًا حقيقية لا وعودًا مؤقتة.



