تحول تاريخي في ليبيا.. مجلس النواب يطوي عهد عقيلة صالح وينتخب الصالحين عبد النبي رئيساً
بأغلبية حضرها 122 نائباً وبدعم القيادة العامة والأمم المتحدة، وسط توجه نواب رافضين لعقد جلسة مضادة في طرابلس
ليبيا 24
“جلسة بنغازي تعيد ترتيب المشهد التشريعي… هيئة رئاسة جديدة تبدأ من حيث انتهى الآخرون وملفات الانتخابات والإصلاح الاقتصادي في مقدمة الأولويات”
من بنغازي… حيث بدأ العدّ العكسي
بدأت الحكاية بجلسة عُقدت في بنغازي مطلع الأسبوع الجاري، شارك فيها اثنان ومئة نائب، صوّت ثمانية وتسعون منهم لصالح تعديل النظام الداخلي للمجلس.
التعديل لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان إعلاناً سياسياً بامتياز، إذ قضى باعتماد مبدأ الرئاسة الدورية بحد أقصى اثني عشر شهراً، وهو نصّ يبدو وكأنه صيغ خصيصاً لتصحيح مسار طويل.
في اليوم التالي، عُقدت الجلسة الثانية بحضور يناهز المئة والعشرين نائباً، جرى خلالها انتخاب النائب الصالحين عبد النبي رئيساً للمجلس، والنائب طارق الأشتر نائباً أول بأغلبية ثلاثة وستين صوتاً مقابل سبعة وأربعين صوتاً للنائب الصديق حمودة، فيما فاز النائب مصباح دومة بمنصب النائب الثاني بالإجماع، واختير النائب زايد هدية مقرراً للمجلس.
التشخيص من الداخل… أخطاء تراكمت ومرونة غائبة
النائب جبريل أوحيده، أحد أبرز المؤيدين للتغيير، يربط الخطوة مباشرة بالقرارات التي كانت رئاسة المجلس تتخذها دون الرجوع لأعضاء المجلس، ما أنتج، كما يقول، أخطاءً كثيرة تراكمت على مدار السنوات الماضية.
هذا التشخيص يلتقي مع ما يذهب إليه النائب الدكتور علي التكبالي، الذي يرى أن “تغيير رئاسة مجلس النواب قد يبدو مفاجئاً للعامة لكنه ليس كذلك للنواب”، مضيفاً أن “محاولات خلع صالح قبل ثمانية أشهر فشلت بسبب تدخلات أجنبية ومحلية”، وأن النواب “عدلوا اللائحة ليحددوا الدورة بسنة واحدة تفادياً للخطأ السابق الذي أتاح له البقاء اثني عشر عاماً”.
ويضيف التكبالي أن الجلسة “اتسمت بالهدوء، وشهدت توافقاً بين النواب على اختيار هيئة الرئاسة الجديدة بكامل الديمقراطية والحرية والرضا”، وأن الانتخاب جرى “بحضور نحو 122 نائباً”.
هذه الأرقام، التي تتقاطع مع ما أعلنته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن أن الجلسة الثانية عُقدت بمشاركة 111 عضواً على الأقل، تعطي التغيير زخماً رقمياً يصعب تجاهله.
قراءة المحللين… بين التصحيح القانوني ورهان المرونة
عند هذه النقطة، يتوقف المحلل السياسي كامل المرعاش ليوسّع الإطار: “قضية رئاسة مجلس النواب قابلة للتداول بين الأعضاء وفق اللائحة الداخلية، غير أن الظروف الاستثنائية في ليبيا أبقت المستشار عقيلة صالح في المنصب أكثر من اثني عشر عاماً، ما أثار تذمراً واسعاً بين النواب الذين طالبوا مراراً بالتغيير”.
وهكذا، تكتمل الصورة: ما يعتبره البعض انقلاباً برلمانياً على رئيس، يصفه آخرون بأنه تصحيح قانوني متأخر لمسار كان يحتاج إلى المراجعة منذ سنوات.
أما المحلل السياسي حسام الدين العبدلي، فينتقل إلى ما هو أبعد من الأرقام، فيربط التغيير بالتطورات السياسية على الأرض، مشيراً إلى أن عقيلة صالح “لم يُبدِ خلال الفترة الأخيرة مرونة سياسية كافية للاستمرار في منصبه، رغم إقراره القوانين الانتخابية التي أعدتها لجنة 4+4”. ويذكّر بأن صالح قبل إقرار تلك القوانين “أجرى عدداً من الاجتماعات واللقاءات التي اعتبرتها بعض القوى الفاعلة نوعاً من المماطلة، أو مؤشراً على عدم قدرته على المضي قدماً في تنفيذ هذه القوانين”.
ويرى العبدلي أن “تغيير الوجوه داخل المؤسسات السياسية، في إطار المسار الديمقراطي، يمكن أن يكون أمراً إيجابياً”، معتبراً أن “الصالحين عبد النبي قد يكون أكثر مرونة في التعامل مع التوافقات السياسية، خاصة أنه سبق أن ترأس لجنة الصداقة البرلمانية الليبية-التركية داخل مجلس النواب”.
هذا التحليل يجد صدى عند المحلل السياسي عمر أبوسعيدة، الذي يرى أن انتخاب هيئة الرئاسة الجديدة يمثل “محطة ديناميكية جديدة” داخل المؤسسة التشريعية، معتبراً أن إنجاز هذه الانتخابات “يعكس قدرة المجلس على استعادة زمام المبادرة داخلياً، وفق إطار مؤسسي وإجرائي يعكس قدراً عالياً من المسؤولية الوطنية”.
وهنا يتقاطع الرأيان: العبدلي يقرأ التغيير في سياق ديناميكية القوى المحلية والدولية، وأبوسعيدة يقرأه في سياق المؤسسية والاستعادة الذاتية للقرار. لكن كليهما يتفقان على أن المرحلة المقبلة تحمل فرصاً وتحديات متساوية.
الأصوات الرافضة… انقسام داخل الجدران أم صدع مفتوح؟
لكن الصورة ليست مكتملة. فبينما يتحدث المؤيدون عن توافق وديمقراطية، يرفض عدد من النواب نتائج الجلسة، ويعلنون التوجه لعقد جلسة في طرابلس الأسبوع المقبل لبحث إعادة انتخاب هيئة الرئاسة. النائب علي أبوزريبة أعلن عدم اعترافه بانتخاب الهيئة الجديدة، داعاملياً جميع النواب إلى حضور الجلسة البرلم حانية المزمع عقدها في العاصمةاسم.
هنا يتدخل المرعاش في مجدداً ليصف المعارضين للقرار بأنهم “قلة” يسعون إلى “انقسام جديد عبر التوجه إلى طرابلس، لكنهم لن ينجحوا لأن أغلبية النواب صوتت لصالح الرئاسة الجديدة التي باركتها القوات المسلحة بقيادة المشير حفتر”.
لكن العبدلي لا يبدو مطمئناً إلى هذه الطمأنة، إذ يتساءل عما إذا كانت “التحركات الحالية تمهّد لظهور جسم برلماني آخر أو جسم موازٍ لمجلس النواب في طرابلس”، مشيراً إلى وجود لقاءات مرتبطة بعضو مجلس النواب علي بوزريبة ووزير الدولة لشؤون رئيس الحكومة في حكومة الدبيبة منتهية الولاية، إلى جانب “تجهيزات داخل مقر مجلس النواب في طرابلس”.
وهكذا، تتشابك التصريحات: فريق يرى في التغيير إنجازاً مؤسسياً لا رجعة فيه، وفريق يرى فيه مقدمة لانقسام جديد. والواقع أن كلا الاحتمالين مطروح، لأن ما جرى في بنغازي ليس حدثاً معزولاً، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من الصراع على الشرعية والتمثيل.
القيادة العامة… دعم يحسم المعادلة
في هذا السياق، يبرز موقف القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية لترجيح كفة الهيئة الجديدة.
فقد أكد الفريق أول ركن صدام خليفة حفتر، نائب القائد العام، دعم القيادة العامة لمجلس النواب وهيئة رئاسته الجديدة برئاسة الصالحين عبد النبي وعضوية طارق الأشتر ومصباح دومة، متمنياً لهم التوفيق في أداء مهامهم، ومؤكداً احترام القوات المسلحة للمؤسسات الوطنية واستقلاليتها، وحرصها على دعم كل جهد يسهم في تعزيز الاستقرار وإنهاء حالة الانقسام والمضي نحو توحيد مؤسسات الدولة.
الأمم المتحدة… اعتراف دبلوماسي بحساب دقيق
أما بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، فقد تعاملت مع التطور بحذر شديد. أعلنت أنها “أخذت علماً” بانتخاب هيئة الرئاسة الجديدة، وأوضحت أن جلسة الخامس من أكتوبر جرت بمشاركة 102 من الأعضاء، صوت 98 منهم لصالح تعديل النظام الداخلي، بما في ذلك إقرار رئاسة دورية للمجلس بحد أقصى اثني عشر شهراً، وأن الجلسة الثانية عُقدت بمشاركة 111 عضواً على الأقل وشهدت انتخاب الهيئة الجديدة.
وجددت البعثة التزامها بمواصلة انخراطها مع مجلس النواب وهيئة رئاسته الجديدة وجميع أعضائه، مشددة على استمرار العمل مع المؤسسة التشريعية للدفع قدماً بخارطة الطريق السياسية التي تيسرها الأمم المتحدة، بهدف توحيد المؤسسات الليبية وتنفيذ الإصلاحات الملحة وإجراء الانتخابات ضمن الإطار الزمني المنصوص عليه في اتفاق الاجتماع المصغر الموقّع في الثلاثين من أغسطس الماضي.
هذا الموقف، وإن بدا دبلوماسياً في ظاهره، إلا أنه يحمل اعترافاً ضمنياً بالهيئة الجديدة، وهو ما يعزز موقعها الداخلي والدولي.
ثلاثة ملفات تحكم المرحلة… التشريع والرقابة والانتخابات
لكن الاعتراف الدولي لا يحل مشكلة المواطن الليبي. فما يعني هذا التغيير للشخص العادي في بنغازي أو طرابلس أو سبها؟ الإجابة تكمن في ثلاثة ملفات رئيسية: التشريع، والرقابة، والانتخابات. فالمجلس الجديد يرث أجندة تشريعية مثقلة بقوانين الانتخابات والتعديل الدستوري وقوانين المصالحة الوطنية وإعادة هيكلة المؤسسات.
كما يرث مسؤولية رقابية تجاه حكومة منتهية الولاية، يتعين عليه محاسبتها دون أن يملك أدوات التنفيذ الكافية.
أما ملف الانتخابات، فهو الاختبار الأصعب، إذ أن اتفاق الثلاثين من أغسطس الماضي حدد إطاراً زمنياً واضحاً لإجراء الانتخابات، وأي تأخير جديد سيعني مزيداً من الإحباط لدى مواطن يرى في الانتخابات مخرجاً وحيداً من الأزمة.
وهنا يتقاطع تحليل أبوسعيدة، الذي يرى أن “هيئة الرئاسة الجديدة أمام فرصة لاستعادة المبادرة السياسية لمجلس النواب، من خلال تقديم طرح برلماني متوازن يعيد للمجلس دوره باعتباره أحد الأطراف الأساسية في قيادة العملية السياسية والإسهام في رسم خارطة طريق مستقبلية نحو الاستقرار”، مع تحذير العبدلي من أن “المرحلة المقبلة قد تشهد تغييراً جذرياً وتوجهاً سياسياً جديداً في البلاد”.
فالاثنان يتفقان على أن اللحظة حاسمة، لكنهما يختلفان في تقييم قدرة الهيئة الجديدة على استثمارها.
صمت الدبيبة … مؤشر على انتظار حذر
وفي خلفية المشهد، يبقى موقف الحكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة غامضاً. فبينما كان يُفترض أن تحدد الحكومة موقفها بوضوح من هذا التطور المفصلي، اكتفت مؤسسة الرئاسة بإجراءات لم تتجاوز حدود الصمت والانتظار.
هذا الصمت ليس مجرد تكتيك، بل هو مؤشر على أن حكومة منتهية الولاية تفضل الانتظار وعدم إحراق الجسور مع أي من الأطراف المتنازعة داخل البرلمان، في وقت تواصل فيه محاولاتها للبقاء في المشهد السياسي رغم انتهاء ولايتها.
لكن هذا الصمت المريب يترك المواطن الليبي أمام مشهد مربك: مؤسسة تشريعية تنقسم على نفسها، وحكومة تفضل الصمت على الوضوح، ومسار أممي يتقدم ببطء، وميليشيات تسعى للتمدد في غياب سلطة موحدة.
اختبار الهيئة الجديدة يبدأ الآن
المشهد الليبي يقف اليوم على مفترق طرق بالغ الحساسية. فمن جهة، هناك هيئة رئاسة جديدة تحظى بدعم القيادة العامة وبعثة الأمم المتحدة، وتسعى لفرض نفسها كسلطة تشريعية شرعية تمتلك زمام المبادرة.
ومن جهة أخرى، هناك جبهة رافضة ترفض الاعتراف بمخرجات بنغازي وتتجه إلى طرابلس لعقد جلسة مضادة، مما يفتح الباب أمام سيناريو انقسام جديد داخل البرلمان.
وبين هذين القطبين، يقف مواطن ليبي ينتظر منذ أكثر من عقد أن تترجم الخطابات السياسية إلى انتخاب يختار ممثليه، وإلى مؤسسات تقدم له الخدمات، وإلى دولة تحمي كرامته.
فالتغيير في رئاسة مجلس النواب ليس نهاية المطاف، بل هو بداية اختبار حقيقي لهيئة جديدة ستحاسب على كل يوم تأخير في ملف الانتخابات، وعلى كل قرار تشريعي تتخذه، وعلى كل جهد تبذله لتوحيد الصف الداخلي وبناء جسور الثقة مع مختلف الأطراف والشركاء المحليين والدوليين، على أساس “الشراكة الوطنية لا المغالبة”، كما يقول أبوسعيدة، مع التركيز على المصلحة الوطنية العليا وتوجيه البوصلة السياسية نحو تحقيق الاستقرار الدائم.
فهل تنجح الهيئة الجديدة حيث فشل سلفها؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن ما هو مؤكد أن المواطن الليبي الذي عانى طويلاً من الانقسام والصراع على الشرعية، هو من سيدفع، مرة أخرى، فاتورة أي تأخير أو ارتباك في هذه المرحلة الدقيقة.



