ليبيا

ثمانية فاصل خمسة في المئة فقط… حين يتحول ضغط الدم إلى شهادة وفاة مؤجلة في ليبيا

صحة الدبيبة تنشر مسحاً صحياً بعد ثلاث سنوات من جمعه وتتجاهل مصير ملايين المصابين

ليبيا 24

أكثر من ربع الليبيين يعانون ارتفاع ضغط الدم وأقل من عُشرهم تحت السيطرة… والمواطن المكلوم يدفع الثمن وحيداً

حين تتحول الأرقام إلى ذريعة… قراءة في مسح صحي يفضح تخبط حكومة منتهية الولاية

يبدو المشهد الصحي في ليبيا أقرب إلى لوحة قاتمة ترسمها الأرقام الرسمية نفسها، لكنها تحمل في طياتها اعترافاً ضمنياً بفشل مزمن في التعامل مع أبسط متطلبات الرعاية الأولية.

فوزارة الصحة في حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية أعلنت نتائج مسح وُصفت بأنه تدريجي لعوامل الخطر من الأمراض المزمنة، جُمعت بياناته بين أكتوبر من عام ألفين واثنين وعشرين ومارس من عام ألفين وثلاثة وعشرين، لتكشف أن خمسة وعشرين فاصلة ثلاثة في المئة من البالغين بين الثامنة عشرة والتاسعة والستين يعانون ارتفاع ضغط الدم أو يتناولون أدوية لعلاجه، وأن ثمانية فاصل خمسة في المئة فقط من المصابين تحت السيطرة.

وبلغت نسبة من يحملون ثلاثة عوامل خطر أو أكثر أربعة وأربعين فاصلة ستة في المئة، وتصدرت زيادة الوزن القائمة بستة وخمسين فاصلة ثمانية في المئة، تلتها السمنة بثمانية وعشرين فاصلة تسعة في المئة، ثم قلة النشاط البدني بخمسة وأربعين فاصلة ثلاثة في المئة.

هذه الأرقام، التي شملت قياس ضغط الدم والوزن والطول ومحيط الخصر وجمع معلومات عن السلوكيات والعادات الصحية ومؤشرات حيوية أخرى، تضع المواطن الليبي أمام حقيقة مرة: أكثر من ربع السكان البالغين مهددون بمضاعفات صامتة، وأقل من عُشرهم فقط يجدون طريقاً للعلاج الفعّال.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس عن حجم الكارثة، بل عن توقيت الإعلان عنها وعلاقته بمسؤوليات حكومة تعمل بلا ولاية.

من جهتها، تحاول وزارة الصحة تقديم نفسها شريكاً في الحل لا مصدراً للأزمة، فتؤكد أن المواطن شريك في حماية صحته من خلال معرفة عوامل الخطر والإفادة من خدمات الكشف المبكر والالتزام بالمتابعة والعلاج، وأن المنظومة الصحية تعمل على توفير خدمات الكشف والمتابعة والرعاية، وأن مفهوم سلامة المرضى لا يبدأ بتلقي العلاج أو داخل غرف العمليات، بل من الوقاية ومعرفة عوامل الخطر والوصول إلى الخدمات الصحية في الوقت المناسب.

هذه اللغة، في ظاهرها، تبدو متوازنة ومسؤولة، لكنها سرعان ما تصطدم بتساؤلات مشروعة حول مدى قدرة هذه المنظومة على الوفاء بوعودها، خصوصاً أن الوزارة نفسها تعترف بأن النتائج وفرت مؤشرات يمكن استخدامها في تحديد أولويات الوقاية والرعاية الصحية ومتابعة التغير في عوامل الخطر مستقبلاً، دون أن توضح كيف ستحول هذه المؤشرات إلى خدمات ملموسة على الأرض.

هنا يبرز رأي طبيب الأمراض الباطنة، الذي ينسف هذا الخطاب من أساسه، لا بالرفض التام للبيانات، بل بكشف التناقض بين تشخيص المشكلة والقدرة على مواجهتها. فهو يرى أن تقديم هذه الأرقام في الوقت الراهن كمؤشرات يمكن البناء عليها في تحديد أولويات الوقاية والرعاية الصحية ليس أمراً صحيحاً بالكامل، ويدفع إلى التساؤل عن وضع وزارة الصحة إزاء مسؤولياتها في التعامل مع متطلبات توفير السلامة العامة.

ويضيف أن التعامل مع نتائج مسح قديم باعتبارها تعكس صورة الوضع الصحي العام في البلاد في الوقت الحالي أمر خاطئ، لأن معدلات زيادة الوزن والسمنة والنشاط البدني وارتفاع ضغط الدم وغيرها من عوامل الخطر قابلة للتغير، ولا سيما بالنظر إلى التغيرات التي تشهدها الظروف المعيشية خلال مرحلة ما بعد المسح.

وهنا يتقاطع رأي الطبيب مع ما تطرحه الوزارة حول أهمية متابعة تغير عوامل الخطر في المستقبل، لكنه يقلب المعادلة حين يعتبر أن إعلان بيانات قديمة يعكس ضعف عناية الوزارة بالرصد الصحي وتحديث البيانات اللازمة لاتخاذ القرار.

واللافت أن الطبيب لا يكتفي بنقد التوقيت، بل ينتقل إلى جوهر الأزمة، فيرى أن نتائج المسح تحمل بعض القيمة العلمية الطبية لأنها تكشف اجتماع مجموعة عوامل الخطر التي ترتبط بارتفاع ضغط الدم، وفي مقدمها زيادة الوزن والسمنة وقلة النشاط البدني والنظام الغذائي غير المتوازن، وهي عوامل تدفع إلى البحث في تقاطعها مع أنماط المعيشة قليلة الحركة والاعتماد المتزايد على الأغذية الغنية بالملح والدهون والسعرات الحرارية، وهي أمور نلاحظها بوضوح في سلوك الليبيين وتشكل أسباباً حقيقية لتزايد احتمالات الإصابة بارتفاع ضغط الدم مع التقدم في العمر.

وهنا يلتقي رأي الطبيب مع ما تعلنه الوزارة حول دور السلوكيات والعادات الصحية في تفاقم المشكلة، لكنه يضيف بعداً غائباً عن خطاب الوزارة، حين يشير إلى محدودية الكشف الدوري والمتابعة المنتظمة، إذ قد لا يعرف كثير من الأشخاص أنهم مصابون بارتفاع ضغط الدم إلا عند إجراء قياس روتيني أو بعد ظهور مضاعفات.

هذا التداخل بين الرأيين يكشف عن نقطة اتفاق ضمنية: المشكلة قائمة ومعقدة، وعوامل الخطر مترابطة، والكشف المبكر ضرورة لا ترف. لكن نقطة الاختلاف الجوهرية تبقى في المسؤولية والتوقيت والقدرة.

فالوزارة تتحدث عن شراكة المواطن في حماية صحته وكأنها تقدم خدمة قائمة تحتاج فقط إلى وعي المواطن، بينما يرى الطبيب أن المسألة ليست وعياً فردياً بقدر ما هي فجوة بين تشخيص المشكلة ومخاطرها على سلامة الصحة العامة والقدرة على التعامل معها من خلال توفير متطلبات الرعاية المناسبة.

ويتساءل بصراحة: حتى لو كانت البيانات حديثة، هل تتوفر لدى وزارة الصحة وسائل الوقاية والكشف المبكر وتعزيز الرعاية الصحية الأولية وبرامج المتابعة والأدوية اللازمة، خصوصاً لأصحاب الأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى متابعة مستمرة وليس إلى زيارة طبية واحدة؟

هذا السؤال يضع الإصبع على الجرح الحقيقي: المواطن الليبي المكلوم، الذي يعاني من ارتفاع ضغط الدم أو السمنة أو قلة النشاط البدني، لا يحتاج إلى بيانات عمرها ثلاث سنوات ليعرف أنه مريض، بل يحتاج إلى دواء متوفر، وطبيب متاح، ومركز صحي يعمل، ومتابعة منتظمة لا تنقطع.

وحين تعلن وزارة صحة حكومة منتهية الولاية نتائج مسح قديم وكأنها إنجاز، فإنها بذلك لا تقدم حلاً ولا تشخيصاً جديداً، بل تكشف عن عجز مزمن في إدارة ملف الصحة العامة، وعن غياب إرادة سياسية حقيقية لإنقاذ ملايين الليبيين من أمراض مزمنة يمكن الوقاية منها أو السيطرة عليها.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: ما جدوى مسح وطني إذا لم يتبعه قرار وطني؟ وما قيمة أرقام دقيقة إذا كانت المنظومة الصحية عاجزة عن تحويلها إلى خدمات؟

الطبيب يؤكد أن المؤشرات تتحدد في اجتماع عوامل الخطر وليس في عوامل فردية، لذا يحتاج التعامل مع ارتفاع ضغط الدم في ليبيا إلى تحديث بيانات المسح أولاً، ثم الانتقال إلى رسم الاحتياجات الخاصة ببرامج الكشف المبكر عن الضغط والوزن والسكري وعوامل الخطر الأخرى، وحينها يمكن قياس ما إذا كانت المؤشرات تتغير وما إذا كانت الخدمات الصحية قادرة على الحد من تطورها.

أما الوزارة، فتبقى تدور في فلك الخطاب الوقائي دون أن تقدم خطة تنفيذية واضحة أو جدولاً زمنياً أو موارد محددة.

في النهاية، لا يبدو المشهد صراعاً بين رأيين متناقضين، بل صورة متكاملة لأزمة مركبة: وزارة تتحدث بلغة التوعية والشراكة، وطبيب يكشف فجوة القدرة والمساءلة، ومواطن يدفع الثمن وحيداً بين مرض مزمن ومنظومة منهارة.

والخلاصة أن الأرقام وحدها لا تشفي مريضاً، وأن إعلان النتائج بعد ثلاث سنوات ليس دليلاً على الشفافية بقدر ما هو دليل على تخبط حكومة منتهية الولاية، تتعامل مع صحة الليبيين كملف إعلامي لا كأولوية وطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى