دولى

واشنطن تفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية وتقيّد التعاملات معها

المحكمة تحذر من تداعيات القرار والاتحاد الأوروبي يبحث خيارات دعمها

فرضت الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، في خطوة تستهدف تقييد التعاملات معها ومواردها التشغيلية، وسط انتقادات من المحكمة وتحذيرات أوروبية من تداعيات القرار على استقلال القضاء الدولي وسيادة القانون.

ونددت المحكمة بالعقوبات، ووصفتها بأنها اعتداء على سيادة القانون وأسس النظام القانوني الدولي، داعية الدول الأعضاء البالغ عددها 125 دولة إلى اتخاذ إجراءات للدفاع عنها وضمان استمرار عملها.

وقالت المحكمة في بيان إن مواجهة هذه الإجراءات تتطلب دعم الدول التي أسهمت في إنشائها، مؤكدة أن القضية تتجاوز حماية مؤسسة قضائية بعينها إلى صون النظام الدولي القائم على سيادة القانون.

عقوبات تتجاوز المسؤولين إلى المؤسسة نفسها

يمثل القرار تصعيدا في موقف إدارة ترامب من المحكمة، التي تأسست عام 2002 بموجب نظام روما الأساسي، بهدف محاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.

وسبق لواشنطن أن فرضت عقوبات على مسؤولين في المحكمة، قبل أن يلغيها الرئيس السابق جو بايدن خلال فترة رئاسته. كما أعلنت الإدارة الأمريكية عن إجراءات عقابية جديدة بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025.

وتتجاوز العقوبات الجديدة استهداف الأفراد لتشمل المحكمة نفسها، مع احتمال امتداد آثارها إلى الشركات التي تقدم خدمات لها. وبموجب القيود الأمريكية، قد تواجه الشركات والبنوك وشركات التأمين والبرمجيات المرتبطة بالولايات المتحدة قيودا على التعامل مع المؤسسة.

وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية منح فترة سماح أولية مدتها ستة أشهر، إلى جانب استثناءات لبعض المعاملات المتعلقة بالاتصالات والبرمجيات والمعاشات التقاعدية والمحتجزين.

وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن العقوبات تستهدف وقف التعاملات مع المحكمة والحد من مواردها وقدرتها على العمل، مضيفا أن واشنطن ستعيد النظر في الإجراءات إذا لم تتم معالجة مخاوفها.

مذكرات الاعتقال والتحقيقات في صلب الخلاف

ترتبط الخلافات الأمريكية مع المحكمة منذ سنوات بمسائل تتعلق باختصاصها القضائي وملاحقاتها الدولية، وفي مقدمتها مذكرتا الاعتقال الصادرتان بحق مسؤولين إسرائيليين، أحدهما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

كما تعترض واشنطن على تحقيق سابق للمحكمة بشأن تصرفات جنود أمريكيين في أفغانستان، وهو ملف قالت المحكمة إنها أخرت التعامل معه ضمن ترتيب أولوياتها.

وأشار روبيو إلى دعوات صادرة عن خبراء خارجيين لملاحقة أفراد من القوات المسلحة الأمريكية وعناصر من دوريات الحدود وقادة منتخبين، غير أن مسؤولي المحكمة لم يتخذوا خطوات نحو الملاحقات المشار إليها.

في المقابل، أكدت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهة شميم خان أن العقوبات تستهدف تقويض سيادة القانون الدولي وعمل مؤسسة قضائية مستقلة، مشددة على استمرار المحكمة في قضاياها وتحقيقاتها وملاحقاتها القضائية.

وتشمل الملفات التي تعاملت معها المحكمة اتهامات بحق شخصيات سياسية وعسكرية بارزة، من بينها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس السوداني السابق عمر البشير ومعمر القذافي، إلى جانب ملاحقات مرتبطة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي. كما سعت المحكمة إلى اعتقال شخصيات من حركة حماس.

تحركات أوروبية لحماية المحكمة

أثارت العقوبات ردود فعل أوروبية، في ظل عضوية عدد من الدول الأوروبية في المحكمة واستضافة هولندا مقرها.

وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إن فترة السماح الممتدة لستة أشهر تتيح فرصة للحوار مع واشنطن، مؤكدة أن الاتحاد يمتلك خيارات لضمان استمرار المحكمة في أداء مهامها.

من جانبه، دعا وزير الخارجية البلجيكي إلى تفعيل قانون الحماية الأوروبي بهدف حماية المحكمة من الآثار المحتملة للعقوبات الأمريكية.

وتعكس هذه المواقف تباينا بين واشنطن وعدد من حلفائها الأوروبيين بشأن التعامل مع المحكمة واختصاصاتها، في وقت تحظى فيه المؤسسة بدعم دول أعضاء ترى في استمرار عملها جزءا من منظومة العدالة الجنائية الدولية.

جائزة نوبل تسلط الضوء على استقلال القضاء الدولي

تزامن الإعلان عن العقوبات مع فوز القاضية الجنوب أفريقية السابقة نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام، تقديرا لعملها في مجال العدالة الجنائية الدولية. وشغلت بيلاي منصب قاضية في دائرة الاستئناف بالمحكمة الجنائية الدولية بين عامي 2003 و2008.

وقالت لجنة نوبل إن منح الجائزة يهدف إلى توجيه تذكير بأهمية القانون الدولي، في وقت تتعرض فيه مؤسساته وقضاته لهجمات سياسية، مؤكدة أن وجود نظام قانوني دولي يحاسب مرتكبي جرائم الحرب ويحقق العدالة للضحايا يمثل شرطا أساسيا لعالم يسوده السلام.

وفي مواجهة احتمال فرض العقوبات، اتخذ مسؤولو المحكمة خلال الأشهر الماضية إجراءات لتقليل اعتمادهم على الخدمات الأمريكية، شملت الانتقال من برمجيات شركة مايكروسوفت إلى بدائل مفتوحة المصدر، إلى جانب ترتيبات جديدة للخدمات المصرفية والتأمين الصحي.

وتضع الإجراءات الأمريكية المحكمة أمام قيود محتملة على بعض خدماتها ومواردها، بينما تتواصل الدعوات الأوروبية إلى الحوار وتوفير ضمانات لاستمرار عملها. ويظل نطاق التأثير العملي للعقوبات مرتبطا بآليات تنفيذها والاستثناءات المقررة ومدى استجابة الأطراف المعنية للمطالب الأمريكية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى