غيث يفضح: قانون المرتبات الموحد “حطّم العدالة” وقطاعات مكيّفة تتقاضى أربعة أضعاف ما يتقاضاه المعلم
من مصرف ليبيا المركزي إلى المواطن المكلوم: غيث يكشف فجوة المرتبات "التي ستشعل صراعاً اجتماعياً لا نهاية له"
ليبيا 24
غيث من داخل مصرف ليبيا المركزي: حين تتحول السياسات المالية إلى آلة لتعميق الفوارق
صرخة من قلب المؤسسة المالية
في وقت تتواصل فيه معاناة المواطن الليبي تحت وطأة غلاء معيشي خانق، وتتوالى الوعود الحكومية التي لا تجد طريقها إلى أرض الواقع، خرج امراجع غيث، عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق، بتصريحات نارية تكشف حجم الخلل في بنية السياسات المالية والاقتصادية للسلطة التنفيذية المنتهية الولاية، وتضع النقاط على الحروف في ملفين بالغي الخطورة: العدالة في المرتبات، وشفافية الثروة النفطية.
المرتبات: عندما يتحول القانون إلى أداة لتعميق الفوارق
كشف غيث، في منشور له عبر صفحته على فيسبوك، رصدته ليبيا 24، أن القانون رقم 18 لسنة 2023 الخاص بجدول المرتبات الموحد، الذي كان يفترض أن يكون ركيزة للعدالة الاجتماعية، تحول إلى نقيض ذلك تماماً.
فبينما كان الهدف المعلن من الجدول الموحد هو توحيد معايير الأجور وتحقيق المساواة بين الموظفين، أُصدرت معه جداول خاصة لقطاعات معينة تمنحها مزايا وعلاوات استثنائية، في تناقض صارخ مع ما يسميه غيث “الخصوصية السيادية” التي يفترض أن تُعامل بها مهن بعينها.
ويضرب غيث مثالاً صادقاً على هذا الخلل: موظف في مكتب مكيّف يتقاضى مرتباً يعادل ثلاثة أو أربعة أضعاف ما يتقاضاه معلم يحترق فعلياً في قاعة الدرس. والأمر لا يتوقف عند حد الفارق في الراتب الأساسي، بل يمتد إلى طبيعة العلاوات ذاتها.
فعلاوة التمييز للمعلمين، بحسب غيث، مرتبطة بنسبة ضئيلة لا تتجاوز عشرة بالمئة، وتتوقف عند الغياب، وتُخفض إذا انخفض عدد الحصص، بينما في قطاعات أخرى تكون علاوة التمييز ثابتة شهرياً، لا تتأثر بالغياب، وتُمنح حسب الدرجة أو الرتبة أو الوظيفة، وتستمر دون انقطاع. ويتساءل غيث: “هل هذه هي العدالة في المرتبات؟”
فجوة المرتبات: قنبلة اجتماعية موقوتة
ويحذر غيث من أن الفجوة في قيمة المرتبات لنفس الدرجة الوظيفية بين المؤسسات المختلفة، وهي ما يسميها “فجوة المرتبات”، تمثل وضعاً لا يمكن قبوله. ويشدد على أنه إذا لم تتم إعادة النظر في هذا الخلل، فإن هذه الفجوات ستخلق صراعاً اجتماعياً لا نهاية له.
ويقول: “أصلحوا الأمر قبل فوات الأوان”، في إشارة إلى أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي وتقويض الاستقرار.
وتُعد هذه التحذيرات بمثابة صرخة مدوية في وجه حكومة عبد الحميد الدبيبة المنتهية الولاية، التي تتواصل اتهاماتها بالفشل في إدارة الملف الاقتصادي، وعدم القدرة على تحقيق العدالة الاجتماعية، والانحياز لقطاعات بعينها على حساب الفئات الأكثر احتياجاً، وفي مقدمتهم المعلمون الذين يمثلون حجر الزاوية في أي نهضة حقيقية.
النفط: ثروة الشعب تحت غطاء الشفافية الغائب
ينتقل غيث من ملف المرتبات إلى ملف لا يقل خطورة، وهو شفافية الموارد النفطية. ويؤكد أن غياب الشفافية من جانب المؤسسة الوطنية للنفط يمثل عائقاً كبيراً أمام معرفة الموارد الحقيقية للحكومة، وبالتالي معرفة حجم العجز أو الوفر في الميزانية.
ويطالب المؤسسة بشفافية كاملة في الموارد الهيدروكربونية، من حيث الإنتاج والبيع وحصة الشريك الأجنبي والاستخدام المحلي، سواء للتكرير أو لاستهلاك شركة الكهرباء أو المستخدم كمقايضة إن وجدت.
ويشدد على ضرورة تقديم هذه البيانات بأسلوب وعبارات مفهومة للمواطن العادي، متسائلاً: “هل هذا أمر مستحيل في ظل تطور إنتاج البيانات والتقدم التقني؟”
إصلاح قبل فوات الأوان
ما يطرحه غيث ليس مجرد انتقاد لسياسات مالية، بل هو صرخة تحذير من انهيار اجتماعي محتمل إذا استمرت السلطة التنفيذية في تجاهل مطالب العدالة والشفافية. فالمعلم الذي يحترق ليصنع أجيال المستقبل لا يمكن أن يبقى في مؤخرة سلم الأجور، والمواطن الذي يملك ثروة نفطية هائلة لا يمكن أن يبقى متجاهلاً لكيفية إدارة هذه الثروة.
إن إصلاح جدول المرتبات وتحقيق الشفافية النفطية ليسا ترفاً، بل ضرورة ملحة لتفادي ما وصفه غيث بـ”صراع اجتماعي لا نهاية له”. وتبقى الكلمة الفصل للمواطن الليبي المكلوم، الذي ينتظر من يحمل همومه بصدق، لا من يزايد على معاناته.



