دولى

تصاعد احتجاجات الطلاب في فرنسا وسط أزمة سياسية وضغوط اقتصادية

إغلاق المدارس وتصاعد الغضب الاجتماعي يضعان الحكومة أمام اختبار صعب قبل الانتخابات الرئاسية

تواجه الحكومة الفرنسية موجة من التحركات الطلابية التي تتزامن مع دعوات لتنظيم مئات المظاهرات في مختلف أنحاء البلاد، وسط توقعات بمشاركة نقابات عمالية وشخصيات بارزة من حركة السترات الصفراء، التي سبق أن شكلت إحدى أبرز موجات الاحتجاج الاجتماعي في فرنسا منذ عام 2018.

وفي خضم هذه التطورات، اتهم رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو تيارات اليسار الراديكالي باستغلال التحركات الطلابية لتحقيق مكاسب سياسية، في ظل تصاعد التنافس الحزبي مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي. غير أن هذا الاتهام يفتح النقاش حول حدود التداخل بين الاحتجاج الاجتماعي والتوظيف السياسي، خصوصًا عندما ترتبط التحركات بمشكلات ملموسة داخل المؤسسات التعليمية.

ويعكس اتساع المشاركة المحتملة في المظاهرات أن حالة الغضب لا تقتصر على فئة الطلاب، بل تمتد إلى شرائح اجتماعية أخرى تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية.

أزمة معيشية تعيد إلى الواجهة إرث السترات الصفراء

تستحضر التحركات الحالية تجربة احتجاجات السترات الصفراء التي اندلعت عام 2018 على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة، قبل أن تتحول إلى حركة واسعة عبّرت عن استياء قطاعات من المجتمع الفرنسي من السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، دعا الناشط في الحركة جيروم رودريغيز إلى المشاركة في المظاهرات المقبلة، مؤكدًا أن الغضب الاجتماعي لا ينتمي إلى حزب بعينه، وأن معاناة الأسر التي تضطر إلى المفاضلة بين الغذاء وتكاليف التنقل تتجاوز الانقسامات السياسية التقليدية.

وتبرز هذه الرسالة أحد التحديات الأساسية أمام السلطات الفرنسية؛ إذ إن المطالب المرتبطة بالقدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية يصعب احتواؤها بمجرد تحميل جهة سياسية مسؤولية تأجيج الاحتجاجات، ما لم تقترن الاستجابة بإجراءات تعالج جذور الاستياء.

ضغوط مالية وانقسام سياسي يحدّان من خيارات الحكومة

تأتي الاحتجاجات في وقت تواجه فيه فرنسا ضغوطًا متزايدة على المالية العامة، وانقسامًا داخل البرلمان، واضطرابات متكررة في قيادة الحكومة. وقد تعاقب ستة رؤساء وزراء على المنصب خلال السنوات الخمس الماضية، بالتزامن مع مساعٍ لاحتواء الدين العام وإعادة ضبط الميزانية.

وتضع هذه الظروف صناع القرار أمام معادلة معقدة: خفض العجز المالي من جهة، وتجنب تحميل المواطنين أعباء إضافية من جهة أخرى. فرفع الضرائب أو تقليص الإنفاق على التعليم والرعاية الاجتماعية قد يدعم جهود ضبط المالية العامة، لكنه قد يزيد في المقابل من حدة التوتر الاجتماعي، خاصة في ظل شعور قطاعات من السكان بأن تكاليف الأزمة لا تتوزع بصورة عادلة.

وفي تقدير الخبيرة الاقتصادية آن لور ديلات، الباحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي بجامعة باريس دوفين، لا يمكن وضع الوضع الفرنسي مباشرة في مستوى أزمات الديون التي شهدتها اليونان عام 2012 أو الأرجنتين عام 2001. وأوضحت أن الأسواق بدأت منذ عام 2024 تأخذ في الحسبان صعوبات الميزانية الفرنسية، عقب الانتخابات المفاجئة التي أفرزت برلمانًا منقسمًا بين ثلاث كتل سياسية.

وأشارت ديلات إلى امتلاك فرنسا أدوات مالية يمكن اللجوء إليها، من بينها زيادة الضرائب، كما قارنت بعض ملامح الوضع بما شهدته المملكة المتحدة عام 2023 خلال فترة ليز تروس، عندما أثارت خطط الميزانية اضطرابات في الأسواق المالية وارتفاعًا في عوائد السندات وتكاليف الرهن العقاري.

ووفق تقديرها، فإن زيادة ضريبة القيمة المضافة بأربع نقاط مئوية قد توفر نحو 120 مليار يورو، وهو مبلغ ربطته بمتطلبات سداد الدين الحكومي. كما أشارت إلى احتمال تدخل البنك المركزي الأوروبي إذا تفاقمت الأزمة المالية الفرنسية إلى مستوى يهدد اقتصادات أوروبية أخرى.

لكن توافر الأدوات المالية لا يعني بالضرورة سهولة استخدامها سياسيًا؛ إذ إن الإجراءات التي قد تطمئن الأسواق يمكن أن تثير اعتراضات اجتماعية واسعة إذا انعكست سلبًا على دخل الأسر أو الخدمات العامة.

التفاوت في التعليم يغذي الاحتجاجات

على المستوى التعليمي، يطرح الطلاب مطالب تتصل بتدهور البنية التحتية للمدارس، ونقص المعلمين، وارتفاع كثافة الفصول، إلى جانب ما يرونه تفاوتًا في جودة التعليم بين المناطق الاجتماعية المختلفة.

وتكتسب هذه المطالب أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، رغم أن الطالبات الثلاث لن يبلغن السن القانونية للتصويت في الاستحقاق المقبل. فقد شككن في قدرة تغيير المسؤولين السياسيين وحده على إحداث تحول ملموس في حياتهن، واعتبرن أن الاحتجاج يمثل وسيلة أساسية لإيصال مطالبهن إلى السلطات.

وتشير هذه المواقف إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بمستوى الإنفاق على التعليم، بل تمتد إلى الثقة في قدرة المؤسسات السياسية على تحويل مبدأ تكافؤ الفرص إلى واقع ملموس داخل المدارس.

اختبار سياسي يتجاوز احتواء الشارع

تضع الاحتجاجات الحكومة الفرنسية أمام اختبار مزدوج؛ يتمثل الأول في التعامل مع التحركات الميدانية ومنع اتساع الاضطرابات، بينما يرتبط الثاني بمعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي الغضب، وفي مقدمتها تكاليف المعيشة والتفاوت في الخدمات العامة وظروف التعليم.

ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية، قد تتحول هذه الملفات إلى عناصر مؤثرة في النقاش السياسي الفرنسي، خصوصًا إذا استمرت الضغوط المالية في الحد من قدرة الحكومة على زيادة الإنفاق الاجتماعي أو تحسين الخدمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى