حين يحكم الفسادُ ويُعشّشُ الانقسام»: رسائلُ باريس وميلانو تفضحُ عجزَ حكومة الدبيبة أمام غضب الليبيين العارم
احتجاجاتُ طرابلس وحرائقُ الإطارات: صرخةُ مواطنٍ يبحثُ عن كهرباءٍ ورغيفِ خبز، لا «مشكلةٍ أمنية» تُحاصَرُ بالجيش
ليبيا 24
«الخريفُ الأوروبي» يقرعُ أجراسَ الإنذار: خبراءُ يحذّرون من أن صبرَ الشعب الليبي ليس تفويضًا مفتوحًا لسلطةٍ منتهية الولاية
مشهدٌ ليبي يختزلُ مأساةَ دولة
في اللحظة التي كانت فيها شوارع العاصمة الفرنسية باريس ومدينة ميلانو الإيطالية تشتعلُ احتجاجًا على السياسات الاقتصادية والاجتماعية، كان المواطنُ الليبي في طرابلس يُشعلُ إطاراتِ السيارات بحثًا عن «شرارةِ كهرباء» توقفت منذ ساعاتٍ طويلة.
هذا التزامن لم يكن مصادفةً عابرة، بل كان رسالةً بالغةَ الدلالة عن حالةِ «الاحتقان المزدوج» التي يعيشها الليبيون: غضبٌ داخليٌ من انهيار الخدمات وتفشّي الفساد، ومرآةٌ خارجيةٌ تُذكّرهم بأن الشعوبَ الأوروبية نفسها، التي تمتلك مؤسساتٍ راسخة، تخرجُ إلى الشوارع عندما تتراجعُ الثقة وتتراكمُ الأعباء.
السؤالُ الجوهري الذي يطرحه المحللون اليوم ليس لماذا يحتجُّ الليبيون، بل لماذا تأخرت الحكومةُ الليبية في قراءة «الدخان المتصاعد» من شوارع طرابلس قبل أن يتحول إلى أزمةٍ وجودية تهدد ما تبقى من شرعيتها.
«قنبلةُ الرواتب» وأزمةُ الكهرباء: الانهيار الذي لم يكن مفاجئًا
لم يكن انفجارُ الغضب الشعبي في صيف 2026 حدثًا مفاجئًا، بل كان نتيجةً حتمية لسياساتٍ اقتصاديةٍ عشوائية أنهكت جيوبَ المواطنين وأوصلت القطاعاتَ الحيوية إلى حافة الانهيار.
فبينما كانت الحكومة «منتهية الولاية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة تُعلن عن إنفاق ما يقارب عشرة مليارات دولار لتطوير قطاع الكهرباء، كان الليبيون يقفون في طوابيرَ لا تنتهي أمام محطات الوقود، ويشهدون انقطاعاتٍ تتجاوز عشر ساعات يوميًا في بعض المناطق، ما أدى إلى توقف الآبار المائية واضطراب إمدادات مياه الشرب.
وفي الوقت نفسه، كشفت بيانات المصرف المركزي أن بندَ المرتبات وحده استحوذ على ما يزيد عن ثلاثة وسبعين مليار دينار ليبي من إجمالي إنفاقٍ عامٍ تجاوز مئةً وستةً وثلاثين مليارًا، في مؤشرٍ صارخ على خللٍ هيكليٍ في إدارة المال العام، وغيابٍ شبه تامٍ لأي رؤيةٍ تنمويةٍ حقيقية.
هذا الانهيار لم يقتصر على الكهرباء والمياه، بل امتد إلى قطاعاتٍ حيويةٍ أخرى، حيث أعلن اتحادُ جامعات ليبيا اعتصامًا مفتوحًا وتوقيفًا للدراسة في مؤسساتٍ عدة، في مقدمتها جامعةُ طرابلس، احتجاجًا على تأخر صرف المستحقات المالية وتطبيق جدول الأجور الموحد، بينما لوّح معلمو التعليم الأساسي بإضرابٍ شاملٍ، وتوقفت خدماتٌ جزئيةٌ في مستشفياتَ كبرى.
إنها «قنبلةُ الرواتب» التي فجّرها تراكمُ الأزمات، لتعكس حقيقةً مرة: الدولةُ التي يُفترض أنها تحمي المواطن، باتت هي نفسها مصدرَ معاناته اليومية.
الفنيش والبركي: «العقد الاجتماعي» المفقود
في خضم هذا المشهد، يبرز تحليلان لخبيرين ليبين، يقدمان قراءتين مختلفتين لكنهما تتكاملان في تشخيص جوهر الأزمة.
المحلل السياسي حسام الفنيش، في قراءته للاحتجاجات، يضعُ الإصبع على الجرح البنيوي، متسائلًا: إذا كانت مجتمعاتٌ تمتلك مؤسساتٍ ديمقراطيةً راسخةً واقتصاداتٍ متقدمة تشهد احتجاجاتٍ وتخريبًا، فكيف الحال في ليبيا حيث المؤسساتُ ضعيفةٌ وهشةٌ تعاني الانقسامَ والفساد؟
ويجيب الفنيش بأن الفارق يكمن في أن الدولَ ذات المؤسسات القوية تمتلك أدواتٍ لاحتواء الصدمات وتصحيح السياسات، بينما تجعل هشاشةُ المؤسسات والانقسامُ السياسي ليبيا أكثر حاجةً إلى الحكمة وسرعة الاستجابة.
ويُذكّر من يتولون السلطة بأن «صبرَ الشعوب ليس تفويضًا مفتوحًا»، وأن هدوءَ الشوارع لا يعني الرضا، داعيًا إياهم إلى طرح سؤالين جوهريين: ماذا فعلنا حتى اضطر المواطنون للنزول إلى الشارع؟ وماذا بوسعنا أن نفعل اليوم لمعالجة الأسباب واستعادة الثقة؟
في المقابل، تطرح الباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي، بُعدًا آخر للأزمة، يتعلق بعلاقة السلطة بالخارج وتحميل المواطن تبعاتِ سياساتٍ لم يخترها.
فهي تتفق مع الفنيش في أن «القانون الذي يفقد ثقة الناس في عدالته، يفقد تدريجياً قدرته على إقناعهم باحترامه»، وتضيف أن ما يحدث في أوروبا من أعمال شغب ليس وليدَ لحظة، بل نتيجةُ تراكمِ الغضب الاجتماعي والشعور بالظلم الاقتصادي.
لكنها تذهب أبعد من ذلك، لتنتقد بشدة تحميلَ المهاجرين مسؤولية أزمات أوروبا، مفككةً الرواية الشعبوية التي تتجاهل تاريخًا من الاستعمار والتبعية، وتتساءل: «بأي منطق يصبح العاملُ الذي أمضى عمره في خدمة اقتصاد بلدٍ ما مجردَ ضيفٍ ينبغي له أن يشكر مضيفه إلى الأبد؟»
وتنقل هذا النقد إلى الداخل الليبي، حيث تتهم حكومات طرابلس المتعاقبة بتحويل البلاد إلى «كلاب حراسة» لأوروبا، في صفقةٍ رخيصةٍ تُسيَّس على حساب المواطن الليبي، وتُمنح بموجبها «شرعية وهمية» مقابل احتجاز المهاجرين.
وترى البركي أن الدبيبة «يلعب على الحبلين»، فيقدم نفسه محاربًا للهجرة غير الشرعية، بينما لا يتخذ خطواتٍ فعالةٍ للقبض على تجار البشر الذين يمتلكون مليشياتٍ تشكل مصدرَ قوةٍ وسلطةٍ له.
إذاّ تحليل الفنيش والبركي يكشف عن حقيقةٍ مركزية: الأزمةُ الليبية ليست مجردَ أزمةِ خدماتٍ أو انقطاعِ كهرباء، بل هي أزمةُ «عقدٍ اجتماعي» مفقود.
فالفنيش يُشخّص الخللَ الداخلي في إدارة الدولة ومؤسساتها، بينما تُشخّص البركي الخللَ الخارجي في علاقة السلطة بالقوى الدولية واستنزافها لسيادة القرار الوطني.
وكلاهما يتفق على أن المواطنَ الليبي، الذي يُفترض أن يكون غايةَ السياسات، قد تحوّل إلى وسيلةٍ في صراعاتٍ لا ناقةَ له فيها ولا جمل.
«الخريفُ الليبي» على الأبواب… فهل يقرأ الحكامُ الرسالة؟
لقد أثبتت الاحتجاجاتُ التي شهدتها طرابلس ومدنٌ غربيةٌ أخرى أن الغضبَ الشعبي لم يعد يقتصر على المطالبة بتحسين الخدمات، بل بات يطال الطريقةَ التي تُدار بها ثروةُ البلاد وشرعيةُ السلطة نفسها.
فاستهدافُ مجمع مليتة للنفط والغاز، أحد أهم مراكز إنتاج الغاز وتغذية محطات الكهرباء، لم يكن مجردَ احتجاجٍ على انقطاع التيار، بل كان رسالةً مباشرةً مفادها أن المواطنين لم يعودوا يقبلون المفارقةَ بين بلدٍ يعد من كبار منتجي النفط في أفريقيا، وبين واقعٍ خدميٍّ يقترب من الانهيار.
وإذا كانت حكومة الدبيبة قد سارعت إلى الدفع بالجيش لتأمين المنشآت، فإن هذا الحل الأمني يظل قاصرًا عن معالجة الأسباب الجذرية، بل قد يزيد من تعميق الفجوة بين المجتمع والسلطة.
إن الدرسَ الذي تقدمه شوارعُ باريس وميلانو واضح: «لكل ربيعٍ خريف، ولكل تجاهلٍ ثمن». والتاريخُ يمنح الحكومات فرصًا للتصحيح، لكنه لا يضمن بقاءَ هذه الفرص مفتوحةً إلى الأبد.



