اقتصادليبيا

جدول المرتبات الموحد في ليبيا: إصلاح على ورق الإنفاق أم عدالة تحتاج قرارات شجاعة

نصية: توحيد المرتبات دون انضباط مالي شامل لن يخفض الأسعار ولن يحمي ما تبقى من الدينار

ليبيا 24

فجوة بنحو 140 مليار دينار بين الإنفاق والإيراد… هل ينجو الاقتصاد الليبي من دوامة الفوضى المالية

عدالة المرتبات أم مسكن للإنفاق؟ قراءة في تحذيرات النائب عبدالسلام نصية

عاد ملف جدول المرتبات الموحد إلى واجهة النقاش العام في ليبيا، لكن هذه المرة ليس بوصفه مطلباً وظيفياً عابراً، بل بوصفه اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على الإصلاح في ظل حكومة الدبيبة منتهية الولاية، أثقلت كاهل المال العام بالتزامات تتجاوز قدرة الاقتصاد الوطني، وتركت المواطن وحده يواجه غلاءً متصاعداً وتراجعاً في القدرة الشرائية.

وفي هذا السياق، قدّم عضو مجلس النواب عبدالسلام عبدالله نصية، في منشور على صفحته، قراءة تفصيلية لما يترتب على إقرار جدول موحد للمرتبات، محذراً من أن التعامل معه كإجراء منفرد قد يجعله باباً جديداً للتوسع في الإنفاق بدل أن يكون أداة للإصلاح.

اختلال قديم… وتضخم وظيفي جديد

يقول نصية إن الحديث كثُر في الآونة الأخيرة عن إقرار جدول موحد لمرتبات العاملين في الدولة الليبية، نتيجة الاختلال الواضح في عدالة المرتبات وتفاوتها بين القطاعات، بعد الزيادات التي حصلت عليها بعض الجهات دون غيرها، الأمر الذي أوجد شعوراً بالغبن لدى قطاعات واسعة من الموظفين.

ويشدّد على أن الأصل أن يكون الأجر مقابل العمل، وأن يرتبط بالمسؤولية والمؤهل والخبرة وطبيعة الوظيفة، غير أن تطبيق هذه القاعدة يظل تحدياً كبيراً في دولة يبلغ عدد سكانها نحو ثمانية ملايين نسمة، ويعمل في مؤسساتها العامة قرابة مليونين وثلاثمائة ألف شخص، في ظل تضخم الجهاز الإداري وضعف الإنتاجية واختلال منظومة الإدارة والرقابة.

ويذكّر نصية بأن فكرة توحيد المرتبات ليست جديدة على ليبيا؛ فقد مثّل القانون رقم 15 لسنة 1981 إطاراً لتنظيم مرتبات العاملين بالدولة لسنوات طويلة.

واليوم، ومع تزايد أعداد العاملين في القطاع العام واتساع الاختلالات المالية والإدارية، لم يعد توحيد المرتبات مجرد مطلب وظيفي، بل أصبح ضرورة لتحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز الاستقرار والسلم الاجتماعي.

السؤال الذي يتجنبه أصحاب القرار

لكن السؤال الأهم كما يطرحه نصية، يبقى: هل يؤدي توحيد المرتبات إلى حل الأزمة المالية والاقتصادية، وخفض الأسعار، والحد من تراجع قيمة الدينار؟

ويجيب النائب بصراحة: لا، إذا اقتصر الأمر على إصدار جدول موحد دون اتخاذ إجراءات مالية واقتصادية متكاملة.

ويوضح أن إعادة تنظيم المرتبات قد تسهم في تخفيض فاتورتها إذا اقترنت بمعالجة التضخم الوظيفي والازدواجية الوظيفية والمرتبات غير المستحقة، لكنها قد تتحول إلى إجراء شكلي لا يحقق أهدافه، بل قد تتيح الوفورات الناتجة عنها مجالاً لمزيد من التوسع في الإنفاق العام، بما يغذي الفساد والإنفاق الاستهلاكي ويعمّق الاختلالات القائمة.

وهنا مكمن الخطر: أن تتحول العدالة الموعودة إلى غطاء لإعادة توزيع المال العام على شبكات النفوذ، في وقت ينتظر فيه المواطن خفضاً حقيقياً للأسعار، لا مجرد جدول جديد على الورق.

جوهر الأزمة… فجوة لا يُعلن عنها

وفي قراءة تحليلية لما طرحه النائب، فإن جوهر الأزمة الليبية لا يكمن في المرتبات وحدها، وإنما في الفجوة المتزايدة بين الإيرادات العامة والإنفاق العام، وفي غياب الانضباط المالي الذي يربط الإنفاق بالموارد المتاحة للدولة.

ويقول نصية إن الخطوة الأولى نحو الإصلاح تتمثل في ضبط الإنفاق العام وفقاً للإيرادات الفعلية المحصلة، لا وفقاً لتقديرات متفائلة أو التزامات تتجاوز قدرة الاقتصاد الوطني.

وتكشف الأرقام التي أوردها النائب حجم الخلل: فإذا كانت الإيرادات السنوية من النفط والغاز في حدود 25 مليار دولار، فإن المحافظة على سعر صرف عند مستوى 6.42 دينار للدولار تقتضي مواءمة الإنفاق العام مع الموارد المتاحة.

وبحساب تقريبي، تعادل هذه الإيرادات نحو 160.5 مليار دينار وفق سعر الصرف المذكور. ويستدرك بأن هذا الرقم ليس بالضرورة سقفاً نهائياً للإنفاق، إذ يتوقف تحديده على إجمالي الإيرادات العامة الفعلية، والالتزامات القائمة، والاحتياجات الأساسية للدولة، لكنه يوضح حجم الفجوة التي ينبغي التعامل معها بجدية.

ويسأل نصية: لا يمكن أن ننفق 300 مليار دينار، ونواصل التوسع في الالتزامات العامة، ثم نتوقع المحافظة على سعر صرف يبلغ ستة دنانير للدولار أو أقل، من دون معالجة مصادر الضغط على العملة الأجنبية والاختلال بين الإنفاق والموارد.

وهو ما يعني، بلغة الأرقام، أن الفارق بين الإنفاق والإيراد يقترب من 140 مليار دينار، وهو عبء لا يحتمله اقتصاد هش، وثمنه المباشر يدفعه المواطن في صورة أسعار مرتفعة وعملة متآكلة.

ما الذي يجب أن يرافق الجدول؟

ولا يكتفي النائب بالتشخيص، بل يطرح ملامح المعالجة: إلى جانب ضبط الإنفاق، لا بد من إصلاح منظومة الاعتمادات المستندية وتنظيم الاستيراد وفق احتياجات السوق والقدرة الفعلية للاقتصاد على توفير النقد الأجنبي، مع تعزيز الرقابة على الاستخدامات النهائية للاعتمادات ومكافحة التلاعب والتهريب.

كما ينبغي إلزام الموردين بإعلان أسعار البيع للمستهلك بصورة واضحة، بما يعزز الشفافية والمنافسة ويحمي المواطنين من الممارسات الاحتكارية.

ويؤكد نصية أن الإصلاح الاقتصادي والمالي لا يتحقق بإجراء منفرد، مهما بلغت أهميته، وإنما من خلال حزمة متكاملة من السياسات والإجراءات، تشمل ترشيد الإنفاق العام، وإصلاح منظومة المرتبات، وضبط التوظيف، وتطوير الإدارة المالية، وتعزيز الرقابة والمساءلة، وتنويع مصادر الدخل، وتحسين إدارة الإيرادات النفطية، وحماية القدرة الشرائية للمواطن.

مفترق طرق… لا يحتمل التأجيل

ويخلص عضو مجلس النواب إلى أن إقرار جدول موحد للمرتبات خطوة مهمة نحو العدالة، لكنه ليس بديلاً عن الإصلاح المالي، ولا ضمانة تلقائية لخفض الأسعار أو استقرار سعر الصرف.

فالعدالة في توزيع المرتبات يجب أن تسير جنباً إلى جنب مع العدالة في توزيع الموارد، والانضباط في إدارة المال العام، وربط الإنفاق بقدرة الدولة الحقيقية.

ويحذّر من أن تأجيل المعالجة والاستمرار في الإنفاق غير المنضبط قد يجعل كلفة الإصلاح غداً أكبر بكثير، مشيراً إلى أن البلاد أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في دوامة الإنفاق والفوضى واستنزاف المال العام، وإما الشروع في إصلاح حقيقي يحمي الاقتصاد الوطني، ويحفظ حقوق المواطنين، ويضع أسساً أكثر استدامة لبناء الدولة. فالإصلاح، كما يقول، ليس خياراً يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية، بل مسؤولية وطنية لا تحتمل المزيد من التأجيل.

والسؤال الذي يفرض نفسه على كل مسؤول ما زال يتمسك بكرسي إدارة المال العام بعد انتهاء ولايته: إن كانت الوفورات المحتملة من جدول المرتبات ستُعاد ضخّها في الإنفاق الاستهلاكي والمحاصصة، فلماذا ينتظر المواطن عدالةً لن تصل إليه؟

الإجابة تبقى معلّقة والمواطن الليبي الذي أنهكته سنوات الوعود، لم يعد أمامه سوى انتظار قرارات شجاعة لا تُؤجَّل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى