ليبيا

الاتفاقية الليبية–التركية.. المصالح الوطنية وفرصة إنهاء الأزمة الليبية

هل تفتح الاتفاقية نافذة لإنهاء الأزمة الليبية؟

إدريس أحميد : صحفي وباحث سياسي


تفتح موافقة مجلس النواب الليبي على الاتفاقية البحرية الليبية–التركية، في 20 أكتوبر 2026، الباب أمام قراءة أوسع من حدود الاتفاقية نفسها، لتشمل مستقبل العلاقات بين البلدين، وانعكاساتها المحتملة على الأزمة الليبية، وموقع ليبيا في معادلات الأمن والطاقة في منطقة شرق المتوسط.


فالاتفاقية، التي وقعتها حكومة الوفاق الوطني مع تركيا في 27 نوفمبر 2019، تعود اليوم إلى واجهة المشهد في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، وتنافس متزايد على الموارد البحرية ومصادر الطاقة ومسارات نقلها. ومن هنا، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق بالاتفاقية من الناحية القانونية والبحرية فقط، بل بما يمكن أن تحققه من مصالح لليبيا، وما إذا كانت ستسهم في تقريب المواقف الليبية ودعم جهود إنهاء الانقسام السياسي.


المصالح الليبية أولاً


نعتقد أن أي اتفاقية دولية يجب أن تُقاس بمدى خدمتها للمصلحة الوطنية، وحفاظها على السيادة والحقوق الليبية، وقدرتها على فتح آفاق للتعاون الاقتصادي والاستثماري. وليبيا، بما تمتلكه من موقع جغرافي استراتيجي على البحر المتوسط وثروات طبيعية وإمكانات اقتصادية، تحتاج إلى توظيف علاقاتها الدولية بصورة تحقق مصالحها، بعيداً عن الحسابات الضيقة أو تحويل الاتفاقيات إلى أدوات للصراع الداخلي.


ومن هذا المنطلق، يمكن أن تمثل الاتفاقية فرصة لتطوير التعاون الليبي–التركي في مجالات الطاقة والاستثمار والتنمية، بما يضمن تحقيق مصالح متبادلة، ويعزز قدرة ليبيا على الاستفادة من موقعها الجغرافي وثرواتها البحرية، شريطة أن يتم ذلك في إطار قانوني واضح، وبما يحفظ الحقوق الوطنية ويخدم الاستقرار على المدى البعيد.
كما أن أهمية الاتفاقية لا تقتصر على مضمونها البحري، بل تمتد إلى ما قد تتيحه من فرص لتوسيع الحوار والتفاهم بين البلدين بشأن القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية.


هل تفتح الاتفاقية نافذة لإنهاء الأزمة الليبية؟


يبرز هنا سؤال مهم: هل يمكن أن تسهم الاتفاقية في دفع جهود إنهاء الأزمة الليبية، وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنافسة على السلطة؟
نعتقد أن تطور العلاقات التركية مع مختلف الأطراف الليبية قد يهيئ فرصة أمام أنقرة للقيام بدور أكثر فاعلية في دعم المسار السياسي، خصوصاً إذا جرى توظيف هذه العلاقات لتشجيع التفاهم، وتجاوز الانقسام، والاتفاق على مسار واضح يقود إلى توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات.


فاستقرار ليبيا ليس مصلحة ليبية داخلية فحسب، بل يرتبط أيضاً بمصالح الدول التي تتعامل معها، وفي مقدمتها الدول التي تمتلك علاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع أطراف الأزمة. وكلما اتجهت هذه العلاقات نحو دعم التوافق الليبي، بدلاً من تكريس الانقسام، ازدادت فرص الوصول إلى تسوية مستدامة.


ومن هنا، فإننا نرى أن الاتفاقية يمكن أن تكون مدخلاً لتوسيع الحوار السياسي، إذا اقترنت بإرادة حقيقية لدى الأطراف الليبية لتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية، وبجهود إقليمية تساعد على توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة.


ومع ذلك، فإن الاتفاقية وحدها لا تكفي لإنهاء الأزمة؛ فذلك يتطلب توافقاً ليبياً واسعاً، وتفاهمات إقليمية ودولية، ومعالجة الأسباب التي أدت إلى استمرار الانقسام وضعف مؤسسات الدولة.


شرق المتوسط والصراع على المياه والطاقة


لا يمكن فصل الاتفاقية الليبية–التركية عن التحولات التي تشهدها منطقة شرق المتوسط، حيث يتزايد التنافس على مصادر الطاقة والحدود البحرية ومسارات نقل الغاز، بالتزامن مع تحركات إسرائيلية لتعزيز حضورها ونفوذها الإقليميين.


وفي ظل هذه المتغيرات، تبرز أهمية أن تحافظ ليبيا على حقوقها ومصالحها البحرية، وأن تتعامل مع التطورات الإقليمية من موقع يحمي سيادتها ويمنع تهميشها في ترتيبات قد تؤثر في مستقبل مواردها وموقعها الاستراتيجي.


ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشكل التعاون الليبي–التركي أحد المسارات التي تساعد على الحد من محاولات فرض ترتيبات إقليمية أحادية، وقطع الطريق أمام أي تحركات تستهدف توظيف الصراع على المياه والطاقة لفرض نفوذ أو ترتيبات لا تراعي مصالح دول المنطقة وحقوقها.


لكن حماية المصالح الليبية لا تتحقق بالاتفاقيات الثنائية وحدها، بل تحتاج إلى رؤية إقليمية أوسع، تقوم على الحوار والتنسيق واحترام القانون الدولي، وتمنح دول المنطقة القدرة على مواجهة التحديات المشتركة، بدلاً من ترك المجال أمام تصاعد التنافس والصراعات.


من التنافس الإقليمي إلى التعاون والاستثمار المشترك


إن التحدي الحقيقي أمام دول المنطقة يتمثل في كيفية تحويل التنافس على المياه والطاقة إلى فرص للتعاون الاقتصادي والاستثمار المشترك، بدلاً من أن يصبح سبباً لمزيد من التوتر وعدم الاستقرار.


وفي هذا السياق، تبرز أهمية التفاهم بين ليبيا وتركيا ومصر، إلى جانب بقية دول حوض المتوسط، بما يتيح بناء مقاربات مشتركة في قضايا الأمن البحري والطاقة والتنمية، ويحافظ على المصالح الوطنية لكل دولة.


فالمصالح المشتركة والعمق الجغرافي والأمني الذي يجمع دول المنطقة يمكن أن يشكل أساساً لتعاون أوسع، خصوصاً في ظل التحولات الدولية المتسارعة وتزايد أهمية أمن الطاقة والممرات البحرية.


كما أن ليبيا، إذا نجحت في تجاوز أزمتها وتوحيد مؤسساتها، ستكون أكثر قدرة على المشاركة في صياغة التفاهمات الإقليمية، والاستفادة من موقعها الجغرافي وثرواتها، وجذب الاستثمارات، وتعزيز دورها في محيطها العربي والأفريقي والمتوسطي.


ليبيا المستقرة مصلحة للجميع


إن استمرار الأزمة الليبية لا يضر بالليبيين وحدهم، بل ينعكس على أمن المنطقة واستقرارها، ويحد من فرص التعاون الاقتصادي والاستثماري. أما التوصل إلى تسوية سياسية وتوحيد مؤسسات الدولة، فيفتحان المجال أمام ليبيا للقيام بدور أكثر فاعلية في محيطها الإقليمي، والاستفادة من إمكاناتها في مجالات الطاقة والتجارة والتنمية.
ولذلك، فإن الاتفاقية البحرية الليبية–التركية ينبغي أن تُقرأ ضمن سياق أوسع يتصل بمستقبل العلاقات بين البلدين، وفرص دعم المسار السياسي الليبي، والتوازنات الإقليمية في شرق المتوسط. فالقيمة الحقيقية لأي اتفاقية لا تكمن في توقيعها أو التصديق عليها فحسب، بل في النتائج التي تحققها على أرض الواقع.


وفي المحصلة، يمكن أن تمثل الاتفاقية فرصة لتعزيز المصالح الليبية وتوسيع التعاون الإقليمي، وربما الإسهام في تهيئة ظروف أكثر ملاءمة لإنهاء الأزمة السياسية، إذا جرى توظيفها في إطار رؤية وطنية واضحة. وتبقى الأولوية هي بناء دولة ليبية موحدة وقادرة على حماية سيادتها وحقوقها، وإدارة علاقاتها الخارجية على أساس المصالح المتبادلة، والمشاركة الفاعلة في صياغة مستقبل المنطقة، بما يحول التنافس على المياه والطاقة من مصدر للصراع إلى مجال للتعاون والاستثمار والاستقرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى