قانون المرتبات الجديد يهدد مراكز النفوذ في ليبيا: مقترح لربط الرواتب بمنظومة «راتبك لحظي» وضبط المزايا
ونيس يضع روشتة إنقاذ الخزينة الليبية: قانون المرتبات الجديد سلاح لإنهاء فوضى الزيادات العشوائية
ليبيا 24
عضو مجلس الدولة يقترح إصلاحاً مؤسسياً شاملاً لإنهاء فوضى المرتبات وتقليص النفقات
ونيس: قانون المرتبات ينهي فوضى الزيادات العشوائية بليبيا
في خضم الأزمة المالية التي تعصف بالدولة الليبية، وتحت وطأة حكومة منتهية الولاية يتصارع فيها أكثر من مركز قرار على المال العام، يبرز مقترح قانون المرتبات الذي طرحه عضو مجلس الدولة الأستاذ سعيد ونيس كأحد أهم المحاولات الجادة لوقف نزيف الخزينة.
فالمقترح لا يتعامل مع بند المرتبات كمسألة محاسبية فحسب، بل كمدخل لإعادة هندسة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وإنهاء حالة التداخل التي أرهقت الاقتصاد الليبي وأفقرت المواطن.
العلاقة المؤسسية… الشرط الغائب لإصلاح المرتبات
يرى ونيس أن إصلاح بند المرتبات لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن إعادة بناء علاقة مؤسسية سليمة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، تقوم على التكامل في الاختصاصات واحترام الأدوار والمسؤوليات.
فحالة التداخل وتعدد مراكز اتخاذ القرار، التي سادت خلال السنوات الماضية، لم تكن مجرد خلل إداري، بل كانت السبب الرئيسي في انفلات بند المرتبات وتحوله إلى أداة لتوزيع النفوذ وفرض موازين القوى.
ومن دون علاقة مؤسسية تضمن وحدة القرار المالي والإداري، وتحمّل كل سلطة مسؤولياتها وفق اختصاصاتها القانونية، سيبقى أي إصلاح مجرد ترقيع مؤقت.
قانون جديد… لجم الزيادات العشوائية
ويشدد عضو مجلس الدولة على أن إصدار قانون جديد ينظم بند المرتبات أصبح ضرورة ملحة في هذه المرحلة، لما يمثله من فرصة حقيقية للسيطرة، إلى حد كبير، على تعدد مراكز اتخاذ القرار بشأن الزيادات العشوائية التي أرهقت الخزينة العامة.
تلك الزيادات، التي مُنحت في كثير من الأحيان خارج أي إطار قانوني أو مالي، لم تكن مجرد عبء على المالية العامة، بل تحولت إلى وسيلة لإثبات النفوذ وفرض موازين القوة بين أطراف الصراع.
ومن هنا، فإن القانون الجديد ليس مجرد أداة فنية، بل هو إعلان سياسي بأن المال العام ليس ساحة للمزايدات.
الملاك الوظيفي… معالجة جذور التضخم
وفيما يتعلق بالملاك الوظيفي، يرى ونيس أن السيطرة على توصيفه وفقاً للمسميات والدرجات الوظيفية من شأنها أن تساعد كثيراً في الحد من التعيينات العشوائية، وتحقيق الاكتفاء الوظيفي وفقاً للاحتياجات الفعلية.
فالتضخم والتكدس في بعض الدرجات والمواقع الوظيفية لم يعد مجرد هدر للمال العام، بل أصبح عبئاً على كفاءة الجهاز الإداري نفسه.
وضبط الملاك الوظيفي، وفق هذا الطرح، هو المدخل الحقيقي لإنهاء حالة الفوضى التي جعلت من التعيينات وسيلة للمحاصصة السياسية والاجتماعية، بدلاً من أن تكون أداة لبناء دولة مؤسسات.
“راتبك لحظي”… التقنية في مواجهة الفساد
ويطرح المقترح تطبيق منظومة “راتبك لحظي” وربطها بالجدول الجديد للمرتبات، بما ينتفي معه الكثير من مبررات الاعتراض على المنظومة.
فمن خلال ضبط البيانات ومراجعتها، يصبح بالإمكان تقليص القيمة الإجمالية لبند المرتبات إلى مستويات أقل بكثير من الأرقام المعلنة حالياً.
وهنا يتحول البعد التقني إلى أداة رقابية بامتياز، إذ يمكن من خلالها كشف حالات التضخم الوظيفي والزيادات غير المبررة، وهو ما يمنح القانون الجديد بعداً عملياً قابلاً للتطبيق، لا مجرد نصوص على الورق.
المزايا والمهايا… الرقابة الغائبة
أما البند الخامس في المقترح، فيتناول واحداً من أكثر أوجه الإنفاق انفلاتاً: المزايا والمهايا والمكافآت المصاحبة للمرتبات.
ويقترح ونيس فرض رقابة فعلية على هذا البند منذ بداية تطبيق القانون، إلى جانب مراجعة وتقليص مرتبات العاملين بالخارج، وضبط استقطاعات الضمان الاجتماعي.
هذه الإجراءات، وفق تقديره، يمكن أن توفر مبالغ مالية مهمة، تتيح الاستفادة الحقيقية من القانون الجديد، وتفتح الطريق أمام معالجة أحد أكثر بنود الإنفاق العام انفلاتاً، والخروج من حالة الفوضى والتضخم التي استنزفت الخزينة العامة لسنوات.
إصلاح ينتظر الإرادة
ما يطرحه ونيس ليس مجرد مقترح قانوني، بل هو قراءة نقدية لبنية الخلل المالي في ليبيا. فالمشكلة ليست في حجم المرتبات فحسب، بل في غياب العلاقة المؤسسية السليمة، وتعدد مراكز القرار، وانعدام الرقابة الفعلية.
ويعتبر المواطن الليبي المكلوم، الذي أنهكته سنوات الفوضى، فإن أي إصلاح حقيقي لبند المرتبات لن يكون مجرد تحسين للأرقام، بل خطوة نحو استعادة الثقة في الدولة ومؤسساتها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل توجد إرادة سياسية حقيقية لتنفيذ هذا الإصلاح، أم أن الأمر سيظل حبراً على ورق في ظل حكومة منتهية الولاية تتصارع فيها مراكز النفوذ؟



