ليبيا

زيارة قائد الجيش الباكستاني لبنغازي تعيد رسم التحالفات العسكرية                                           

بنغازي تستقبل شريكًا استراتيجيًا ويعزز مكانة الجيش الليبي

ليبيا 24:

بنغازي في قلب المشهد: زيارة تتجاوز البروتوكول

لم تكن الزيارة التي أجراها قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، إلى مقر القيادة العامة للجيش الوطني الليبي في مدينة بنغازي حدثًا بروتوكوليًا عابرًا أو محطة دبلوماسية تقليدية تُدرج ضمن جداول المجاملات العسكرية، بل جاءت محمّلة بدلالات سياسية وأمنية واستراتيجية عميقة، تعكس تحوّلًا لافتًا في مسارات التعاون الإقليمي، وتؤكد في الوقت ذاته رسوخ مكانة المؤسسة العسكرية الليبية بوصفها ركيزة أساسية للدولة، وشريكًا معترفًا به في معادلات الاستقرار الإقليمي.

الزيارة، التي حظيت باهتمام واسع في الأوساط السياسية والعسكرية، جاءت في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد المنطقة إعادة ترتيب للأولويات الأمنية، وتبحث الدول ذات الثقل العسكري عن شركاء يمتلكون القرار والسيطرة والانضباط المؤسسي.

وفي هذا السياق، بدت بنغازي، التي احتضنت اللقاءات الرسمية، مدينة تتحدث بلغة الدولة ومفاهيم السيادة، وتفرض نفسها نقطة التقاء للتعاون العسكري الدولي.

استقبال رسمي ورسائل سيادية واضحة

استقبل القائد العام للقوات المسلحة الليبية، المشير أركان حرب خليفة أبوالقاسم حفتر، قائد الجيش الباكستاني ووفده العسكري الرفيع، في مقر القيادة العامة ببنغازي، ضمن مراسم رسمية عكست حجم الاحترام المتبادل بين المؤسستين العسكريتين.

وشارك في الاستقبال نائب القائد العام، الفريق أول ركن صدام حفتر، ورئيس الأركان العامة، الفريق أول ركن خالد حفتر، إلى جانب عدد من قادة الأركان والقيادات العسكرية، في مشهد حمل دلالات واضحة على وحدة القيادة وتسلسلها المؤسسي.

هذه المراسم لم تكن مجرد تقاليد عسكرية، بل رسالة سياسية مفادها أن المؤسسة العسكرية الليبية تعمل وفق منظومة دولة متكاملة، قادرة على استقبال وفود رفيعة المستوى، وإدارة شراكات استراتيجية، واتخاذ قرارات سيادية تعكس مصالح ليبيا العليا.

العلاقات الليبية – الباكستانية: تاريخ يتجدد

أكد الجانبان، خلال اللقاءات الرسمية، عمق العلاقات التاريخية التي تربط ليبيا وباكستان، وهي علاقات لم تكن يومًا طارئة أو ظرفية، بل تأسست على أسس من الاحترام المتبادل، والتفاهم السياسي، والتقارب في الرؤى تجاه قضايا الأمن والاستقرار.

ومع تطور التحديات الإقليمية، برزت الحاجة إلى إعادة تفعيل هذه العلاقات، وتوسيع آفاقها لتشمل مجالات عسكرية وأمنية وتدريبية متقدمة.

باكستان، التي تُعد واحدة من الدول ذات الخبرة الطويلة في بناء الجيوش النظامية ومكافحة الإرهاب، لا تدخل في شراكاتها العسكرية اعتباطًا، بل تعتمد معايير صارمة في اختيار شركائها، من حيث الانضباط، ووحدة القرار، والقدرة على تنفيذ الالتزامات.

ومن هنا، فإن اختيار بنغازي محطة لهذه الزيارة يعكس إدراكًا باكستانيًا متقدمًا لطبيعة المشهد الليبي، وتمييزًا واضحًا بين مؤسسة عسكرية وطنية، وأطراف مسلحة تفتقر إلى الشرعية والانضباط.

اجتماع موسّع وتبادل رؤى استراتيجية

عقد نائب القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن صدام حفتر، اجتماعًا موسّعًا مع قائد الجيش الباكستاني، بحضور قيادات عسكرية من الجانبين، حيث جرى تبادل وجهات النظر حول ملفات ذات اهتمام مشترك، شملت سبل تطوير التعاون العسكري، وتبادل الخبرات في مجالات التدريب، وبناء القدرات، والتخطيط الاستراتيجي.

وخلال الاجتماع، شدد الفريق أول ركن صدام حفتر على حرص القيادة العامة، بقيادة المشير خليفة حفتر، على تعزيز الشراكات مع الدول الصديقة، والانفتاح على تجارب عسكرية رائدة، بما يسهم في تطوير قدرات القوات المسلحة الليبية، ويعزز جاهزيتها لحماية السيادة الوطنية، ومكافحة التهديدات الأمنية.

اتفاقية تعاون: خطوة عملية نحو شراكة طويلة الأمد

أحد أبرز محطات الزيارة تمثّل في توقيع اتفاقية تعاون مشترك بين القوات المسلحة الليبية والجيش الباكستاني، عقب الاجتماعات الرسمية.

هذه الاتفاقية، التي وُصفت بأنها خطوة نوعية، تهدف إلى تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والعسكرية، وفتح آفاق أوسع للتنسيق المشترك، بما يخدم استقرار ليبيا والمنطقة.

الاتفاقية لا تقتصر على تبادل بروتوكولي للخبرات، بل تؤسس لإطار عملي طويل الأمد، يشمل التدريب، وبناء القدرات، وتبادل المعلومات، والاستفادة من التجربة الباكستانية في مكافحة الإرهاب، وهي تجربة اكتسبت أهميتها من واقع ميداني معقد، تعاملت فيه باكستان مع تحديات أمنية جسيمة، ونجحت في إعادة بناء مؤسستها العسكرية على أسس احترافية.

قراءة سياسية: رسالة إلى الداخل والخارج

يرى محللون أن الزيارة تحمل رسائل متعددة الاتجاهات. فعلى الصعيد الداخلي، تؤكد أن المؤسسة العسكرية الليبية تحظى باعتراف دولي متزايد، وأنها ليست معزولة كما يروج البعض، بل باتت طرفًا فاعلًا في شبكة علاقات إقليمية ودولية.

أما على الصعيد الخارجي، فهي رسالة واضحة إلى القوى التي تراهن على تهميش الجيش الوطني الليبي، مفادها أن زمن تجاهل المؤسسة العسكرية قد انتهى.

المحلل السياسي أحمد المهدوي اعتبر أن الزيارة تمثل رسالة سياسية وأمنية صريحة، تؤكد أن لا أمن بلا جيش موحد، ولا حل سياسي دون الاعتراف بالمؤسسة العسكرية كركيزة للدولة، وليس كطرف ثانوي في أزمة مصطنعة.

وأشار إلى أن بنغازي باتت تتحدث اليوم بلغة الشراكات، لا الوصاية، وبمنطق الدولة، لا الميليشيات.

رؤية 2030: تنويع الشراكات وبناء القدرات

من جانبه، وصف المحلل السياسي محمد قشوط الزيارة بأنها «غير عادية»، معتبرًا أنها تمثل نقلة نوعية في إطار رؤية القيادة العامة 2030، الهادفة إلى تطوير قدرات القوات المسلحة الليبية، وتنويع مصادر التعاون، وعدم الارتهان إلى شريك واحد في مجالات التسليح والتدريب.

وأضاف أن التعاون مع الجيش الباكستاني سيضيف الكثير إلى القوات المسلحة الليبية، ليس فقط على المستوى الفني، بل أيضًا على مستوى العقيدة العسكرية والانضباط المؤسسي، معتبرًا أن باكستان يمكن أن تكون حليفًا استراتيجيًا يسهم في ردع أي تهديدات مستقبلية.

إخفاقات المقابل الغربي وتباين المسارات

في المقابل، يرى باحثون أن هذه الزيارة تكشف عن إخفاق دبلوماسي وأمني للطرف المقابل في غرب البلاد، الذي فشل في بناء علاقات عسكرية مماثلة مع دول ذات ثقل، مثل باكستان.

الباحث في الشأن الليبي محمد تنتوش اعتبر أن الزيارة تعكس خللًا في إدارة العلاقات الخارجية لدى بعض الأطراف، مقابل نجاح القيادة العامة في بناء شبكة علاقات متينة قائمة على المصالح المشتركة.

وأشار تنتوش إلى أن أي تطور في قدرات الجيش الوطني الليبي يمثل عاملًا إضافيًا لتعزيز الاستقرار، وقد يمكّنه من بسط الأمن في كامل التراب الليبي، في حال توفرت الإرادة السياسية والدعم الدولي اللازم.

تمهيد دبلوماسي: زيارة إسلام آباد

الزيارة الأخيرة لم تكن وليدة اللحظة، بل سبقتها تحركات مدروسة، كان أبرزها زيارة نائب القائد العام، الفريق أول ركن صدام حفتر، إلى إسلام آباد في يوليو الماضي، حيث التقى عددًا من كبار المسؤولين الباكستانيين، من بينهم رئيس الوزراء محمد شهباز شريف، وقادة عسكريون بارزون.

تلك الزيارة أسست لأرضية مشتركة، ومهّدت لزيارة قائد الجيش الباكستاني إلى بنغازي، في إطار مسار تصاعدي للعلاقات الثنائية.

إعادة رسم خرائط النفوذ العسكري

تأتي هذه التطورات في سياق إقليمي يشهد إعادة رسم لخرائط النفوذ العسكري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ومع تصاعد التحديات الأمنية، تبحث الدول عن شركاء موثوقين، يمتلكون القدرة على فرض الاستقرار، والتعامل مع التهديدات العابرة للحدود، مثل الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة.

وفي هذا السياق، ينظر متابعون إلى انفتاح شرق ليبيا على تعاون عسكري أوسع مع قوى مؤثرة خارج الإطار التقليدي بوصفه خطوة استراتيجية، تعزز من استقلالية القرار الوطني، وتمنح ليبيا هامش حركة أوسع في علاقاتها الدولية.

موقف واضح: دعم مطلق للمؤسسة العسكرية

في خضم هذه التحولات، يبرز موقف واضح لا لبس فيه يتمثل في التأييد المطلق والدعم الكامل للجيش الوطني الليبي، وقيادته العامة، بقيادة المشير خليفة حفتر، ونائب القائد العام الفريق أول ركن صدام حفتر، والحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد.

هذا الدعم لا ينبع من اعتبارات سياسية ضيقة، بل من قناعة راسخة بأن بناء الدولة لا يتحقق إلا عبر مؤسسة عسكرية موحدة، منضبطة، خاضعة لقيادة وطنية، وقادرة على حماية السيادة وفرض القانون.

خلاصة المشهد: بنغازي تتقدم بثبات

تؤكد زيارة قائد الجيش الباكستاني إلى بنغازي أن المدينة لم تعد هامشًا في المعادلة الليبية، بل أصبحت مركزًا لصياغة الشراكات، ومنصة لتكريس مفهوم الدولة.

كما تعكس الزيارة أن الجيش الوطني الليبي بات رقمًا صعبًا في معادلة الاستقرار، داخليًا وإقليميًا، وأن محاولات تهميشه لم تعد تجد صدى في الواقع الدولي.

وبينما تستمر التحديات، تبدو القيادة العامة ماضية في بناء علاقات استراتيجية متوازنة، تستند إلى المصالح المشتركة، وتخدم هدفًا واحدًا: ليبيا مستقرة، موحدة، ذات سيادة، وجيش وطني قوي يحميها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى