
تتجدد أزمة السيولة في ليبيا كجرحٍ مفتوح في جسد الاقتصاد، لا يندمل رغم مرور الأعوام وتبدّل الحكومات، فيما يبقى المواطن الحلقة الأضعف، يطارد راتبه بين المصارف، ويحسب احتياجاته على وقع شح النقد وارتفاع الأسعار.
قرارات نقدية زادت الأزمة تعقيدا
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه الأزمة لم تكن وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكم طويل لسياسات نقدية مرتبكة وقرارات خاطئة، اتخذتها الإدارات المتعاقبة على مصرف ليبيا المركزي منذ الخامس عشر من سبتمبر 2011.
ويذهب بعضهم إلى أن ما يقارب ثمانين في المئة من مظاهر الفساد والأزمات المالية والنقدية والاقتصادية التي عرفتها البلاد خلال هذه المرحلة، تعود بشكل مباشر إلى ممارسات من تولوا إدارة المصرف، سواء داخل ليبيا أو عبر معاملاته الخارجية.
ففي ظل غياب الشفافية، واستمرار النهج ذاته في إدارة السياسة النقدية، تحولت الإجراءات المصرفية من أدوات تنظيمية إلى محركات للأزمة، وأسهمت في تعميق الفساد وعرقلة أي محاولة جادة للإصلاح الاقتصادي. وأصبحت أزمة السيولة عنوانًا دائمًا لمعاناة المواطن، ومظهرًا صارخًا لفقدان الثقة في المنظومة المصرفية ككل.
الحل يبدأ من المصرف المركزي
ومؤخرًا، تصاعد الجدل حول تصريحات مصرف ليبيا المركزي بشأن طباعة ستين مليار دينار خلال عام 2025، وهي أرقام فتحت باب التساؤلات والشكوك على مصراعيه.. فالنشرات الاقتصادية الرسمية الصادرة عن المصرف نفسه تشير إلى أن ما تم طباعته وضخه فعليا في السوق منذ بداية العام وحتى نهاية شهر سبتمبر لم يتجاوز اثني عشر مليار دينار، ما يطرح سؤالا جوهريا: أين ذهبت بقية الأموال؟
هذا التناقض بين التصريحات والبيانات الرسمية زاد من حالة الغموض، ورسّخ الإحساس بأن أزمة السيولة ليست مجرد نقص في النقد، بل أزمة إدارة وقرارات، تُدار بعيًا عن أعين الرأي العام، وتُدفع كلفتها من جيب المواطن.
وفي ظل هذا الواقع، يواجه الليبيون صعوبات يومية في الحصول على مستحقاتهم، بينما تزدهر السوق الموازية، وتُفرض العمولات غير القانونية، وتتآكل الثقة في الدولة ومؤسساتها المالية. ويؤكد المختصون أن أي حديث عن إصلاح اقتصادي يظل ناقصًا ما لم يبدأ من مراجعة شاملة لسياسات مصرف ليبيا المركزي، وتوحيد الإدارة النقدية، وتعزيز الشفافية والمساءلة.



