مجلسا النواب والدولة يتبادلان التأويل الدستوري لمسار الانتخابات
خلاف تشريعي متصاعد يعيد الجدل حول الصلاحيات الدستورية

ليبيا 24
أزمة الصلاحيات تعود إلى الواجهة
تعود الخلافات المؤسسية في ليبيا إلى واجهة المشهد السياسي من جديد، مع تجدّد الجدل بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن الصلاحيات الدستورية وحدود الاختصاص التشريعي، في مرحلة دقيقة تتسم بتعقّد المسار الانتقالي وتعثر الاستحقاقات الانتخابية. ويأتي هذا السجال في وقت تتزايد فيه الضغوط الشعبية والدولية من أجل إنهاء حالة الانقسام السياسي والمؤسساتي التي أثقلت كاهل الدولة وأضعفت قدرتها على بسط الاستقرار.
ولا يقتصر الخلاف الراهن على تباين في وجهات النظر القانونية، بل يعكس عمق الأزمة السياسية وتراكم الإشكالات المرتبطة بتأويل النصوص الدستورية والاتفاقات السياسية، وسط اتهامات متبادلة بين الجسمين التشريعيين بتجاوز الاختصاص أو تعطيل المسار الانتخابي بما يخدم مصالح ضيقة.
مجلس النواب: الشرعية التشريعية الحصرية
في هذا السياق، يؤكد عضو مجلس النواب الصادق الكحيلي أن الأساس الدستوري والقانوني الذي يستند إليه البرلمان في قراراته الأخيرة واضح وصريح، ويتمثل في كونه الجهة التشريعية الوحيدة المخولة بإصدار القوانين والقرارات، وفقاً لما نص عليه الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي. ويشدد الكحيلي على أن هذه الصلاحية لا يشاركه فيها أي جسم آخر، سواء كان تنفيذياً أو قضائياً.
ويضيف أن اختصاص الجهات الأخرى يقتصر على تنفيذ ما يصدر عن مجلس النواب من تشريعات وقوانين، مؤكداً أن أي محاولة لممارسة صلاحيات تشريعية خارج هذا الإطار تُعد تجاوزاً للنصوص الحاكمة للمرحلة الانتقالية.
آليات التشريع داخل البرلمان
وحول الآليات الإجرائية المعتمدة داخل مجلس النواب لإصدار القوانين، يوضح الكحيلي أن اللائحة الداخلية للمجلس تنظّم هذا الأمر بشكل دقيق، حيث يمكن تقديم مشروعات القوانين أو القرارات عبر خطاب رسمي أو طلب موقّع من عشرة نواب، أو بناءً على طلب من جهة معيّنة تسعى للحصول على تشريع أو تعديل قانوني.
ويشير إلى أن أي طلب من هذا النوع يجب أن يكون مرفقاً بأسباب قانونية واضحة ومبرّرة، مع الالتزام بعدم تعارضه مع التشريعات السارية أو النصوص العامة، على أن يملك المجلس في النهاية سلطة القبول أو التعديل وفق ما يراه محققاً للمصلحة العامة.
الجدل حول دور المجلس الأعلى للدولة
فيما يتعلّق بمسألة الاستشارة، يرفض الكحيلي ما يتداوله بعض أعضاء المجلس الأعلى للدولة بشأن إلزامية استشارته في جميع القوانين والقرارات الصادرة عن مجلس النواب. ويؤكد أن المجلس الأعلى للدولة، وفق الاتفاق السياسي، يُعد جسماً استشارياً للحكومة فقط، فيما يُحال إليه من مشروعات قوانين من السلطة التنفيذية.
ويوضح أن دور المجلس الأعلى للدولة ينحصر في دراسة تلك المشروعات وإبداء الرأي بشأنها، ثم إحالتها إلى مجلس النواب لاعتمادها أو تعديلها أو إعادتها، نافياً وجود أي نص يلزم البرلمان بالتشاور معه في القوانين التي يصدرها من تلقاء نفسه.
حدود العلاقة بين المجلسين
ويستند الكحيلي في طرحه إلى ما ورد في الاتفاق السياسي بشأن طبيعة العلاقة بين المجلسين، مؤكداً أنها تقتصر على التوافق حول شاغلي المناصب السيادية، وعلى رأسها رؤساء الهيئات الرقابية والمالية، مثل ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية وهيئة مكافحة الفساد ومحافظ مصرف ليبيا المركزي.
ويشدد على أن هذا التوافق يقتصر على رؤساء تلك الجهات دون الوكلاء أو المناصب التنفيذية الأخرى، معتبراً أن ما يطرحه بعض أعضاء المجلس الأعلى للدولة بشأن مشاركتهم لمجلس النواب في جميع اختصاصاته يُعد محاولة لفرض واقع تشريعي موازٍ لا يستند إلى أساس قانوني.
اتهامات بتعميق الانقسام
ويرد الكحيلي على الاتهامات الموجهة إلى مجلس النواب بشأن تعميق الانقسام السياسي، مؤكداً أن هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة، لا سيما في ظل وجود سوابق تثبت قدرة المجلسين على التوافق عندما تتوافر الإرادة السياسية. ويستشهد في هذا الإطار بتجربة لجنة ستة زائد ستة التي تشكلت بتوافق بين المجلسين وبرعاية أممية، وأسفرت عن إعداد القوانين الانتخابية واعتمادها.
غير أن الكحيلي يرى أن هذا المسار تعرّض لانتكاسة عقب تغيير رئاسة المجلس الأعلى للدولة، حيث جرى ـ بحسب وصفه ـ إلغاء إجراءات شكلية صادرة عن الرئاسة السابقة، والسعي إلى تعديل القوانين الانتخابية وفق رغبات جهات بعينها.
قرارات اعتُبرت معرقلة للمسار الانتخابي
ويشير عضو مجلس النواب إلى أن من بين الخطوات المثيرة للجدل إعادة تسمية أعضاء لجنة ستة زائد ستة لإعادة دراسة القوانين الانتخابية، إلى جانب تصريحات صدرت عن رئاسة المجلس الأعلى للدولة اعتبرها غير مشجعة على المضي نحو تنفيذ الانتخابات، بل تسهم في تعطيلها وإطالة أمد المرحلة الانتقالية.
ويضيف أن مجلس النواب، من جانبه، استكمل ما عليه من التزامات دستورية لتأمين إجراء الانتخابات، كان آخرها إصدار قرار باستكمال مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتخصيص ميزانية لتنفيذ العملية الانتخابية، وهو القرار الذي واجه اعتراضاً من المجلس الأعلى للدولة.
مجلس الدولة: الاتفاق السياسي هو المرجعية
في المقابل، يقدّم عضو المجلس الأعلى للدولة فتح الله السريري رؤية مغايرة، مؤكداً أن الاتفاق السياسي الليبي يُعد الوثيقة الدستورية الحاكمة للمرحلة الانتقالية، وأن هذا المبدأ جرى تكريسه بأحكام صادرة عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا.
ويشير السريري إلى أن الاتفاق السياسي مثّل الإطار الذي انبثقت عنه الأجسام السياسية الحالية، بما في ذلك مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي والحكومة، وحدد اختصاصات كل منها بصورة واضحة.
تشريع مشترك بنص دستوري
ويرى السريري أن المجلس الأعلى للدولة مُنح اختصاصاً تشريعياً مشتركاً مع مجلس النواب، استناداً إلى المادة الثانية عشرة من الأحكام الإضافية، التي تنص على ضرورة التوافق الكامل والنهائي بين المجلسين بشأن أي تعديل يمس الاتفاق السياسي أو المؤسسات المنبثقة عنه.
ويوضح أن هذا النص يشمل مختلف المستويات التشريعية، بدءاً من النصوص الدستورية وصولاً إلى القوانين الأساسية، ما يجعل أي إجراء أحادي الجانب عرضة للطعن بعدم الدستورية.
القوانين الانتخابية والمناصب السيادية
ويؤكد السريري أن التعديل الدستوري الثالث عشر نص صراحة على تشكيل لجنة مشتركة من المجلسين لإعداد القوانين الانتخابية، إضافة إلى اشتراط التوافق في ما يتعلق بتسمية المناصب السيادية وإجراءات سحب الثقة من الحكومة.
ويعتبر أن هذه النصوص تُقر بوجود غرفتين تشريعيتين خلال المرحلة الانتقالية، وأن تجاوز هذا الإطار يُعد إخلالاً بالتوازن المؤسسي الذي أقره الاتفاق السياسي.
سوابق توافق لم تُستكمل
ويستحضر عضو المجلس الأعلى للدولة سوابق التوافق بين المجلسين، مشيراً إلى قانون الاستفتاء على مشروع الدستور الذي جرى التوافق عليه عام ألفين وتسعة عشر، وتم تسليمه رسمياً إلى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، دون أن يُنفذ لاحقاً.
كما يلفت إلى وجود توافقات سابقة بشأن القوانين الانتخابية وتعيين بعض المناصب القضائية العليا، معتبراً أن هذه السوابق تؤكد إمكانية الوصول إلى حلول مشتركة متى توفرت الإرادة السياسية.
انتقادات للدور الدولي
وفي ختام حديثه، يوجه السريري انتقادات لبعض الأطراف الدولية، وعلى رأسها البعثة الأممية، متهماً إياها بعرقلة التوافق بين المجلسين عبر تصويرهما كأطراف متشاكسين، رغم ما يبذلانه من جهود، بحسب تعبيره، لإنهاء المرحلة الانتقالية.
ويشدد على أن الهدف النهائي لكلا المجلسين يظل إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية تُمكّن الشعب الليبي من اختيار قياداته وتحديد مستقبله السياسي، في إطار دولة موحدة ومستقرة.
أزمة مستمرة وحلول مؤجلة
وبين تمسك كل طرف بتفسيره الخاص للنصوص الدستورية، تبقى الأزمة مفتوحة على مزيد من التعقيد، في ظل غياب آلية ملزمة لحسم الخلافات القانونية، واستمرار تداخل الأبعاد السياسية مع الاعتبارات الدستورية. ويخشى مراقبون أن يؤدي استمرار هذا الجدل إلى مزيد من التأخير في المسار الانتخابي، ما يطيل أمد المرحلة الانتقالية ويعمّق فجوة الثقة بين المؤسسات.



